الأثنين 6 من جمادي الآخرة 1440 هــ 11 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48279

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ذكرى مخرج متميز والدور التنويرى للمسرح

أخيرا مر ربع قرن على رحيل واحد من أكثر مخرجى وأساتذة المسرح المصرى والعربى تميزاً من الرعيل الأول، الذى تخرج ضمن الدفعات الأولى لخريجى المعهد العالى للفنون المسرحية فى عقد الستينيات من القرن العشرين، وهو المخرج المسرحى وأستاذ التمثيل والإخراج بالمعهد العالى للفنون المسرحية الراحل توفيق

عبد اللطيف.

وتعتبر المناسبة فرصة ليس فقط للحديث عن الراحل وبصماته على مسيرة المسرح المصرى والعربي، بل وعن ربط مسيرته بمجمل الدور التنويرى والرسالة المجتمعية للمسرح المصرى والعربى فى مراحل تاريخية سابقة، وهو ما يمكن أن يؤديه أيضاً فى الحاضر وفى المستقبل، سواء من جهة منظومة القيم التى يبشر ويروج لها أو من جهة ترجمة ما يعانيه البشر فرادي، وما تعانيه المجتمعات الإنسانية من مشكلات، وما تواجهه من تحديات وما يجول بخاطرها من آمال، وما تسعى إلى تحقيقه من طموحات. وإن كان المخرج والأستاذ والفنان الراحل توفيق عبد اللطيف مقلاً فى الأعمال التى أخرجها للمسرح خلال فترة حياته القصيرة نسبياً، فإن كلاً من هذه الأعمال يمثل فى حد ذاته علامة مضيئة فى المسيرة المعاصرة للمسرح المصرى والعربي. فبدءًا من إخراج رائعة الراحل نجيب سرور «قولوا لعين الشمس» بطولة النجمة سميحة أيوب للمسرح القومى فى مطلع عقد السبعينيات من القرن العشرين، وانتهاءً بـمونودراما «يوميات ممثلة» بطولة النجمة صفية العمرى فى مطلع عقد التسعينيات من نفس القرن، امتدت مسيرة لافتة للنظر من التألق والإبداع والعطاء، منذ اليوم الأول لتخرجه، بل ومنذ دراسته بالمعهد، وهو ضمن دفعة متميزة كان من أوائلها، بجانب الراحل توفيق عبد اللطيف، قامات بحجم المخرج المسرحى الكبير هانى مطاوع والفنان المسرحى والسينمائى والتليفزيونى الكبير نبيل الحلفاوى وغيرهما.

كما أن الراحل توفيق عبد اللطيف كان مهتماً بالأعمال التى يخرجها طلابه فى المعهد العالى للفنون المسرحية فى إطار دراستهم، وبإعطاء هؤلاء الطلاب الوقت والعناية المطلوبين وإبداء جميع التعليقات الكفيلة بتحسين جودة أداء الفن المسرحي، وذلك كله بغرض تقديم مسرح جاد وملتزم بقضايا مجتمعه، مسرح صاحب حس رسالى ودور ثقافى وفكرى واجتماعى مؤثر، وهو الذى تخرجت على يديه دفعات متتالية وأجيال متعاقبة من طلاب المعهد العالى للفنون المسرحية على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود.

وبنفس المنطق المتطلع إلى الريادة دائماً والعقلية التواقة إلى التحديث ومواكبة التطورات الجارية فى المسرح العالمي، كان الراحل توفيق عبد اللطيف من المساهمين من خلال إخراج نص للكاتب المسرحى السويسرى الشهير الراحل بيكيت فى أول مهرجان مصرى عالمى للمسرح التجريبي، والذى جرت فعالياته فى مطلع عقد التسعينيات من القرن العشرين، وهو مهرجان استمر بنجاح منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.

وكان المخرج والأستاذ والفنان الراحل معنياً بالضرورة بتحديث المسرح المصرى والعربي، وساهم بالنصح والمشورة والرأي، عندما طلب منه ذلك، فى تطوير المسرح العربى فى العديد من البلدان العربية، خاصة بعض بلدان منطقة الخليج، مثله فى ذك مثل زملاء له من الفنانين المصريين الذين لم يبخلوا على أشقائهم العرب بخبراتهم فى مجال تطوير فن المسرح ودوره المجتمعى وحسه الرسالي. وبنفس الحس، كان مهتماً بالعمل مع الطلاب العرب فى المعهد العالى المصرى للفنون المسرحية وبرعاية أعمالهم المسرحية خلال الدراسة على قدم المساواة مع اهتمامه بالطلاب والدارسين المصريين.

وإن كان توفيق عبد اللطيف ـ رحمه الله ـ قد آمن بضرورة التطوير المستمر للمسرح المصرى والعربي، أخذاً فى الاعتبار ما يجرى على فن المسرح من تطورات متلاحقة على المستوى العالمي، فإن هذا لم يعن أنه لم يع أهمية خصوصية الموضوعات التى يقدمها المسرح بما ينطبق على ويرتبط بالمجتمع الذى يوجد فيه هذا الفن المسرحى ويتفاعل مع هذا المجتمع بشكل ديناميكى وجدلى وخلاق، معتبراً أن محلية الموضوع هى فى العديد من الأحيان مفتاح عالمية العمل المسرحى وتميزه، ومحذراً دائماً خلال حياته من انعزال المسرح عن المجتمع الذى أنجبه ويجب أن ينتمى إليه ويرقى إلى تطلعاته.

وفى ذات الوقت، حذر المخرج والفنان والأستاذ الراحل توفيق عبد اللطيف كثيراً من مغبة انحدار المسرح إلى الطابع التجارى البحت الذى يماليء مستوى متدنيا من الفكر والذوق مستهدفاً الربح المادى دون غيره، ولو اتخذ لنفسه شعارات مثل أن هذه هى رغبات الجمهور ويجب الاستماع إليها والاستجابة لها أو غير ذلك، معتبراً أن للمسرح رسائل متنوعة منها الارتقاء بالمجتمع على المستويات الفكرية والثقافية والاجتماعية، كما على مستوى الذوق العام والسلوكيات السائدة، وذلك بالتأكيد دون التعالى على هذا المجتمع أو الانفصال عنه، كما آمن أن على المسرح كذلك مكافحة أى توجهات مناهضة لدعوات التنوير والتحديث، الذى هو بدوره نتاج إنسانى مشترك لعطاء ثقافات عديدة على مر التاريخ منها بالتأكيد الثقافة العربية.

وبالرغم من تخصصه فى الإخراج وتدريس التمثيل والإخراج بالمعهد العالى للفنون المسرحية، فقد ساهم أيضاً عبر ترجمة أعمال وكتابات أجنبية مهمة أثرت فى مسيرة المسرح العالمى إلى اللغة العربية لتكون فى متناول يد، ليس فقط المتخصصين فى المسرح فى الوطن العربي، ولكن أيضاً القارئ العربى بشكل عام. كذلك كانت له إسهاماته ذات القيمة والجودة المتميزة فى مجالات الكتابة للعديد من أعمال الإنتاج الفنى المصرى والعربي.

هكذا كان الراحل توفيق عبد اللطيف نموذجاً من جيل، بل أجيال، مصرية وعربية كانت تتعامل مع الفن بكل حواسها على أنه ليس فقط مجرد مصدر ارتزاق أو لتحقيق الشهرة، بل على أنه، قبل ذلك كله وبعده، رسالة حقيقية، يسهم من خلاله الفنان فى تحرر المجتمع ونهضته وتقدمه عبر تغلبه على كل ما يقيد حركته إلى الأمام، سواء على المستوى الفكرى أو الثقافى أو الاجتماعي، كما كان الراحل مثالاً على التعفف ومجاهدة الذات رفضاً للانجرار إلى حلقة جهنمية مفرغة تؤدى إلى ضياع الفنان كإنسان وكفنان عندما يستسلم لاعتبارات السوق ويتخلى عن التزامه الفنى والمجتمعى جرياً وراء مصلحة أو ثروة أو منصب.


لمزيد من مقالات د. وليد محمود عبد الناصر

رابط دائم: