الأثنين 6 من جمادي الآخرة 1440 هــ 11 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48279

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إفريقيا..السودان ..مصر ..إنجلترا

كنا أيام الدراسة نردد أغنية مطلعها: مياه النيل لا تجرى على أرضين بل أرض وماء النيل يجمعنا وماء النيل رقراق, نشأنا وفى تصورنا ووجداننا أن مصر والسودان بلد واحد وكان كذلك إلى أن حدث الانفصال بيننا.

وبعد فترة من الاستعمار الإنجليزى استقل السودان ثم بعد سنوات - وحسب خطة انجليزية استعمارية ـ انفصل شماله عن جنوبه.هدف الإنجليز وغيرهم من المستعمرين استغلال ثرواتها ومواردها من اجل مصالحهم. شارك فى هذا كل من انجلترا وفرنسا وايطاليا والبرتغال وهولندا ثم انضمت اليهم الولايات المتحدة التى جعلت إفريقيا مصدرا لاستيراد العبيد الذين أسهموا فى بناء دولتهم. فى ذلك الإطار شعرت باستياء يقرب من الغضب لقول مسئول بريطانى إن انجلترا لها الفضل فى تنمية السودان! استدعى الأمر العودة لأبحاث تحدد ما قدمت انجلترا للسودان كمستعمر يستغله لمصالحه مقارنة بما فعلته مصر فى السودان كجزء من الوطن. نشير لبعضها:

ابتداءً اعتبر المصريون السودان جزءا من مصر له نفس الحقوق والواجبات لا يفترق جنوبه عن شماله فى شىء.. سنة1886 كان للسودان ممثلون فى البرلمان المصرى انتخبوا انتخابا حرا.عمل المصريون على إلغاء تجارة الرقيق والقضاء على سلطان النخاسين وتحرير العبيد كما أعفت السودانيين من الضرائب. كون الإنجليز قوة الدفاع السودانية للدفاع عن مصالح الإمبراطورية البريطانية وجمعوا من الأهالى 947.000 جنيه لصندوق التوفير الحربى. انشأوا المجلس الاستشارى «المشئوم» الذى كان مظهرا من مظاهر فصل شمال السودان عن جنوبه. كان يتولى جميع السلطات فيه الحاكم الإنجليزى الذى له حق نقض قراراتها وقاموا باجراء انتخابات «حرة» شهدت على حريتها ارواح الذين استشهدوا فى مقاومتها.

بالنسبة لوحدة السودان حرص المصريون على إبقاء جنوب السودان متصلا بشماله وأرسلوا البعثات لارتياد أعالى النيل إلى خط الاستواء.أصبح الوادى كله مقسما إلى مديريات متساوية فى كل شىء.بينما فصل الإنجليز جنوب السودان عن شماله وكان بينهما ستار حديدي يخفى عن العالم حقيقة ما يفعلون به. خططوا لجعل السودان دولتين الشمالية ذات استقلال داخلى والجنوبية مستعمرة بريطانية وداخل كل منهما زرعوا بذور ما تم من انفصال ونزاع بينهما.

فى مجال التعمير والإنشاء أسس المصريون الخرطوم سنة 1822 وأقاموا فيها المبانى والعمائر والمساجد ومستشفى وداراً لصناعة السفن. بلغ تعداد المدينة فى عهد محمد على 30.000 نسمة. أنشأوا مدينة كسلا عاصمة اقليم التاكا ومدينة فامكا عاصمة مديرية فازوغلى فى اقليم سنار. ركز الإنجليز جهودهم على مشروع الجزيرة وهو مشروع إنجليزى رأسمالى بحت لا يعود خيره إلا على الإنجليز وبناء فيلات فخمة لهم. كانت الشركة تستأجر الفدان بعشرة قروش فى العام من صاحبه الأصلى ولا تسمح له بالاشتراك فى استغلاله إلا كعامل له 40% من قيمة المحصول وإذا رفض الفلاح العمل على هذا الأساس الظالم عوقب وأرغم على العمل.

فى مجال التعليم والعلوم رسم المصريون أول خريطة علمية لوادى النيل بدءاً من وادى حلفا. أصدروا أول كتاب عرفه العالم عن جغرافية السودان وأول جداول للأرصاد الجوية كما رسموا أول خريطة لإقليم كردفان. فى حياة محمد على كشفوا منابع النيل الأبيض. أنشأوا أول مدرسة حديثة فى السودان تولى ادارتها رفاعة الطهطاوى افتتحوا أول مدرسة للتعليم الابتدائى فى اقليم بربر. سنة 1875أنشأ أمين باشا فى عاصمة مديرية خط الاستواء أول مدرسة ومستشفى ومسجد.افتتح اسماعيل باشا خمس مدارس بمديريات الخرطوم وبربر ودنقلة وكردفان والتاكة وفى سنة 1879 أنشأ الخديو توفيق مدرسة طبية ثم فتحت الجامعة المصرية فى القاهرة والخرطوم أبوابها للجميع.

اقتصرت جهود الإنجليز العلمية على إنشاء مدارس تهدف أساسا لتعليم اللغة الإنجليزية بها نصيب ضئيل من العلم لا يؤهلهم إلا لبعض الأعمال الحكومية أو الجيش وانشأوا مدرسة صناعية واحدة لتخريح عمال يحتاجونهم. سنة 1944 بلغ عدد الطلبة فى المدارس الحكومية السودانية كلها ٫0016 % من عدد السكان..اهملوا التعليم فى جنوب السودان ولم يحظ التعليم بتطور يذكر حسب ما جاء فى كتاب لحكومة السودان بعنوان: نظرة فى السودان.

بالنسبة للزراعة أدخلت مصر زراعة القطن استقدم اسماعيل آلات الرى لتوفير المياه اللازمة للقطن وأنشأ معملين لحلج القطن فى الخرطوم وكسلا انشئت شبكة من الترع والقنوات فى اراضى الجزيرة ووادى كسلا واقليم كردفان لتنظيم الرى اهتم الإنجليز بتحويل السودان إلى مزرعة لهم ومرعى لتربية المواشى لصالحهم تستولى الحكومة ــ وهى ممثلة لشركة اراضى الجزيرة ومصالحها على نحو 50% من صافى ايراد المزارع. فى المواصلات مد المصريون فى السودان 563 كم من الخطوط الحديدية وطرق المواصلات النيلية وطرق القوافل. شرعوا سنة 1873 فى مد الخط الحديدى الذى يصل مصر بالسودان ووصل هذا الخط سنة 1899 الى الخرطوم. بنى المصريون كوبرى النيل الأزرق بين الخرطوم والخرطوم بحرى. أنشأوا ادارة لبريد السودان 1873 ومكاتب للبريد فى 12 بلدة، ومدوا خطوطاً تلغرافية طولها نحو 2.500 كم مهد الإنجليز طرق يقتصر استخدامها عليهم بينما الشعب ينتقل على الأقدام أو الدواب (المرجع انجليزى) ولجيش مصر العريق تاريخ ومواقف وانجازات مع السودان قد يكون لها حديث آخر. هذه المقارنة لا يقصد منها الإشادة أو التفاخر بما فعلت مصر فى السودان إنما هى لتوضيح الحقائق وقطع الطريق على محاولات تجميل الاستعمار الذى استغل أرض إفريقيا ونهبها واراد لها أن تظل متناحرة ومنقسمة وزرع فيها بذور التطرف الدينى يمدونها بالسلاح وادوات الدمار بدلاً من المعرفة وتكنولوجيا البناء.. إنه تنبيه وإنذار وإخطار تكشف لدول إفريقيا حقيقة نيات من يتصارعون اليوم ويتنافسون على استغلالها.

هذه الحقائق دعا اليها وعمل لها ابن مصر بطرس غالى الذى فى مرحلة ما كان رؤساء اربع دول افريقية من تلاميذه الأوفياء. ويقينى أنه اليوم ومصر ترأس الاتحاد الإفريقى بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسى صاحب الرؤى والقدرة على الإنجاز فإن إفريقيا سوف تتحرك حثيثا نحو تحقيق اهداف شعوبها.


لمزيد من مقالات د. ليلى تكلا

رابط دائم: