الأثنين 6 من جمادي الآخرة 1440 هــ 11 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48279

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

صناعة الفوضى عبر العصور

مثل الفوضى فى كل مكان وزمان مثل أى صناعة متقدمة, لها علومها وأسرارها وأساسياتها وفنونها وتقنياتها. لها صناعها وتجارها. لها حصادها ولها نارها. ولها ضحاياها ولها شطارها.

يهتم بالتقدم فى فنونها فى عالمنا, الغالبون على أمرهم, والمتحكمون فى رقاب العباد.

كل الإمبراطوريات فعلتها عبر التاريخ بنفس الطريقة ونفس التنفيذ, ونفس الشفافية, وعندما تغيب شمس إمبراطورية, تسلم وصفة الفوضى للتى تليها, وكأنها راية, فتزيد عليها وتتراكم أسرارها, ويكثر ضحاياها, وكأن الأمر قضاء وقدر مقدور.

هناك مقولة بالغة الأثر للورانس العرب فى كتابه الأشهر أعمدة الحكمة السبعة ، ذلك الاسم المستسقى من الكتاب المقدس [ كتاب الأمثال (1-9)]. عندما قرأتها أدركت أن الرجل لا بد أن يكون محيطاً وملما بالعلوم الطبيعية مثلما كان محيطا بالكتاب المقدس وبثقافة العرب وكسب ثقتهم كسبا كاملا . يقول لورانس فى صفحة 338 من كتابه , الطبعة المنشورة عام 1935: واقع الأمر أن إحداث الفوضى العارمة فى صفوفهم (الأتراك ) ليست إلا اتزاناً لنا.

وصف لورانس حدوث فوضى عارمة فى صفوف الأتراك الأغبياء ( كما وصفهم كثيراً فى ذلك الكتاب)، بأنه اتزان لنا. ولكن كيف استطاع لورانس صياغة تلك العبارة وكيف نفذها على أرض الواقع؟. فى عام 1910, كان المؤرخ الأمريكى هنرى آدمز أول من نادى أن التاريخ الإنسانى يمكن أن يشرح ويفسر على أساس القانون الثانى للديناميكا الحرارية. ببساطة وبعيدا عن التعقيدات الرياضية يمكن صياغة القانون الثانى: كل منظومة تصير أكثر فوضى بمرور الوقت وانه يمكن التعبير عن هذه الفوضى بمفهوم الإنتروبي أو درجة العشوأة أو الاضمحلال . بمعنى آخر: الفوضى لأى منظومة دائما فى ازدياد.

يمكن القول إن ابن خلدون بذكره اضمحلال الحضارات يكون أول من أشار الى التفسير العلمى للفوضى تاريخيا, غير أن القوانين العلمية التى تمت صياغتها فى نهاية القرن التاسع عشروالتى تحدد كميا درجات العشوأة أو الاضمحلال لم تكن قد أصيغت على زمنه. عندما طبع كتاب آدمز عام 1910 ووزعه على المختصين بدراسة التاريخ وتوصيته بأن يفسر التاريخ على ضوء القانون الثانى للديناميكا الحرارية, وجد ترحيبا من عديدين ولاقى اعتراضا من البعض أشهرهم المؤرخ ويليام ثاير الذى كتب عام 1921 ناقدا هنرى آدمزبقوله: بينما يطالب هنرى آدمز بتفسير التاريخ على ضوء القانون الثانى للديناميكا الحرارية, لا يقدم لنا دراسة تبين لنا كيفية تطبيق ذلك.

عندما صدر كتاب أعمدة الحكمة السبعة للورانس العرب, كان يحوى فى طياته نظرية هنرى آدمز وتطبيقها على تفسير التاريخ, وبالتالى فهو المنظر الأول علميا للفوضى, وهو أول من قدم تبيان وبرهان ما طلبه المؤرخ البريطانى وليام ثاير الذى اعترض على مقترح هنرى آدم ومنادته أن يفسر التاريخ على أساس القانون الثانى للديناميكا الحرارية.

إن كلمة لنا فى باطن الأمر لم تكن تعنى إلا لنا نحن بريطانيا العظمى فى أوج مجدها عندما كانت لا تغرب الشمس عنها. عندما قرأت مقولة لورانس أعلاه ظننت أن خلفيته لا بد أن تكون علمية لأن الجملة صيغة من صيغ أهم قانون طبيعى هو القانون الثانى للديناميكا الحرارية.

ظللت أبحث وأنقب لأكتشف أنه لم يكن عالما وأنه وربما استعان بمصدرين أساسيين لصياغة مقولته الخطيرة أعلاه هما: كتيب هنرى أدمز, خطابا إلى القائمين بتدريس التاريخ, نشره عام 1910 ووزعه على أساتذة التاريخ والمكتبات واقترح فيه نظرية لتفسير التاريخ مبنية على أساس القانون الثانى للديناميكا الحرارية. وكتاب أرثر إدينجتون كينونة العالم الطبيعى والمنشور عام 1923 والذى اقترح فيه دراسة التاريخ ونمذجته من خلال قوانين الطبيعة.

مـات لـورانس وغربت الشمس على الإمبراطوريـة البريطانيـة وبقيـــت آثـاره إرثاً للقـوة الغربيـة المهيمـنة فـى زمننا وهى الولايات المتحدة الأمريكية. بقيت صناعة الفوضى والنموذج اللورانسى حياً فى الذاكرة الإمبريالية ليطبق بحذافيره أو معدلاً.

هو الذى جعل أمريكا تصنع داعش وتصطنعها لنفسها لأنها ستلهى الجميع عن كل القضايا الساخنة فى المنطقة. هو الذى جعل أمريكا تقاتل جنبا الى جنب مع إيران فى العراق وجعل إيران التى «فلقتنا وصدعتنا» بالشيطان الأكبر تواعد الشيطان الأكبر فى السر والعلن ابتغاء مصالحها الضيقة وظنا منها أن الشيطان الأكبر قد تاب فى مقابل حصولها على الاتفاق النووى مع الغرب إبان رئاسة أوباما. البعض يقول إن أمريكا تتخبط باتباع تلك السياسة الخرقاء وأنها لا تفهم المنطقة وتعقيداتها وأن ساستها مجموعة من الحمقى. أمريكا ليست خرقاء أو حمقاء, أمريكا تعلم علم اليقين بأن نشر الفوضى عندنا سيعود عليها بالاتزان والخير الكثير مثلما قال لورانس.

أمريكا تريدها عوجاً فى الشرق الأوسط وتريد نظاماً جديداً يخدم مصالحها على المدى البعيدت ولا يهم ما يحدث للمنطقة من خراب ودمار طالما بقيت مصالحها ومصالح إسرائيل فى أمان.

المتأمل لمسالك القوى العظمى يعلم وكأن هناك دليلا سريا لكل العصور يضاف إليه بين الحين والحين ما يجعله أكثر فاعلية وشرا وتقنية لا يختلف فى ذلك مسلك الروم والفرس عندما كانتا القوتين العظميين فى زمانهما أو بريطانيا وفرنسا أو الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة أو الولايات المتحدة كقطب واحد فى زمننا هذا, فأجهزتهم الاستخبارية خبيرة فى إشعال نار الفتن فى رحم الفساد بمفهومه العلمى والفلسفى والسياسى وفى تجنيد المرجفين فى كل مدينة لنشر الفوضى العارمة حيثما أرادوا لخلق التبريرات اللازمة لغزو البلدان وتدميرها واحتلالها أحيانا وإعادة تشكيل جغرافيتها إن استطاعت الى ذلك سبيلا, وكله طبقا للقانون العلمى والأخلاق وبموافقة مجلس الأمن.


لمزيد من مقالات د. مصطفى جودة

رابط دائم: