السبت 4 من جمادي الآخرة 1440 هــ 9 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48277

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بحثا عن جذور الأزمات الحالية فى بريطانيا وأوروبا..
كيف غير عام 2012.. العالم؟

لندن ــ منال لطفى
ديفيد كاميرون

فى بريطانيا صيحة جديدة يتحدث عنها الجميع وهى مارى كوندو، المؤلفة اليابانية التى أصدرت عدة كتب فى «تنظيم الحياة» و«ترتيب المنزل» التى يشاهد ملايين البريطانيين نصائحها على «يوتيوب»، وتمتلئ الصحف هذه الأيام بموضوعات عن أساليبها فى الترتيب والتنظيم. وإذا كان هناك شعب يحتاج إلى نصائح فورية وعاجلة فى «الترتيب» و»التنظيم» فهم البريطانيون.

فمسار الخروج من الاتحاد الأوروبى (بريكست) ينعكس فى فوضويته وغموضه على كل شىء، من السياسة إلى الاقتصاد، مروراً بالانتاج الفنى والأدبى والمسرحى والحالة النفسية للشعب.

فقبل أيام أعلنت شركة «دايسون» للمكانس والأدوات الكهربائية، نقل مقرها من بريطانيا إلى سنغافورة. وحاول السير جيمس دايسون مؤسسها تأكيد أن قرار نقل الشركة، التى تعد «درة تاج» الصناعات البريطانية، لا علاقة له بالبريكست. وقد يكون السير دايسون صادقاً فى تأكيده لكن لا يهم. فالمزاج العام عكر تماماً لدرجة أن كل شىء سلبى يحدث فى بريطانيا يتم ربطه آلياً بالبريكست، أو بذلك النفق الطويل الذى لا يريد أن ينتهي.

مارى كوندو فى نصائحها حول الترتيب والتنظيم، تحب دائماً أن تعود للجذور، أى الأسباب التى تجعل بيتك مليئا ومزدحما ومبعثرا ومكتظا. ومن فلسفتها العامة لفهم «جذور الاكتظاظ والبعثرة» فى كل منزل، حاول بريطانيون العودة أيضاً للجذور لفهم أسباب البريكست وهل هو نتاج استفتاء 2016، أم أن جذوره أبعد من ذلك. وبالنظر إلى الوراء قليلاً يبدو البريكست والكثير من التحولات التى نعيشها اليوم نتاج عام محدد، غير العالم ربما إلى حد كبير دون أن يلاحظ الكثير. هذا العام هو 2012. فكيف حدث هذا؟.

أولاً، لابد من تذكر أننا نمر بالذكرى السنوية السادسة لوعد رئيس الوزراء البريطانى السابق ديفيد كاميرون بإجراء استفتاء على بقاء أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ففي 23 يناير 2013، ذهب كاميرون إلى مقر مؤسسة «بلومبرج» فى لندن ليعرض مشكلات مع الاتحاد الأوروبى ورؤيته. أشاد كاميرون فى كلمته بما حققه الاتحاد خلال تاريخه، كما سلط الضوء على ما اعتبره قصوراً. ثم وعد بإجراء استفتاء «بسيط» على العضوية، وقدم الإطار الزمنى لذلك.

لكن قبل ذلك بأشهر قليلة كانت هناك مجموعة من الأحداث التى لم تكن تبدو مترابطة آنذاك، لكنها تفاعلت معاً تدريجياً وتفاقمت لتجعل عام 2012 العام الذى سيغير الكثير من حولنا.   آنذاك كان الاتحاد الأوروبى فى مزاج جيد، فقد فاز للتو فى عام 2012 بجائزة نوبل للسلام بسبب الدور الذى قام به الاتحاد الأوروبى فى تحويل حطام ودمار القارة العجوز بعد الحرب العالمية الثانية، إلى قارة السلام والأمن والتعاون والتنوير والنمو والتقدم. تسلم الاتحاد الأوروبى جائزة نوبل وابتسامة رضا واسعة تحتل وجه المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل ورئيس مجلس أوروبا دونالد تاسك.

الإنجاز عزز الدعوات المتحمسة لتوثيق الاندماج السياسى والعسكري، برغم تحفظ كتلة قوية داخل الاتحاد بزعامة بريطانيا على عملية التوسع اللانهائى ومنح مؤسسات الاتحاد الأوروبى فى بروكسل المزيد من الصلاحيات على حساب البرلمانات الوطنية. وكان عام 2012 موعدا للتصديق على اتفاقية جديدة لتعزيز العمل الأوروبى المشترك، لكن عام 2012 شهد تفاقم أزمة اليورو الطاحنة التى أخرجت ملايين المتظاهرين فى شوارع اليونان وإسبانيا وإيطاليا احتجاجاً على سياسات التقشف الصارمة والآثار الإجتماعية الفادحة للأزمة. وكانت هذه من المرات القليلة التى يتواجه فيها «الشارع الأوروبي» ضد «المؤسسة الأوروبية»، ممثلة فى الاتحاد الأوروبى فى بروكسل، الذى أصر على استقطاعات كبيرة فى الإنفاق الحكومى فى اليونان وايطاليا وإسبانيا من أجل «ضبط» الموازنة فى هذه الدول والحد من الديون الخارجية. على الورق، تم إنقاذ اليونان وإسبانيا وإيطاليا بحزمة قروض ومساعدات مالية. لكن شروط حزم المساعدات كانت صعبة. فخفض الإنفاق العام أدى إلى انكماش اقتصادى وتباطؤ فى النمو. وأثر هذا سلبيا على كثير من الاقتصادات الأوروبية وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا وفرنسا التى كان يُتوقع أن تتعافى من الأزمة المالية 2008بصورة أسرع.

خلال كل هذه التطورات فى أوروبا، دخل متغير آخر على المشهد وهو الربيع العربي. ففى عام 2012، تحول الربيع العربى إلى حرب أهلية دموية فى سوريا، وبدأ مئات الآلاف من السوريين فى الهروب ومحاولة اللجوء لأوروبا. وعندما بدأت موجات الهجرة الأولى انضم اليها سريعاً مئات الآلاف من المغرب العربى وأفغانستان والبوسنة. ووجد الاتحاد الأوروبى نفسه أمام أزمة لم يعرف كيف يتعامل معها.

ووضعت كل دولة سياساتها الخاصة حيال أزمة المهاجرين. وسط كل هذا، كانت الأصوات المناوئة للمشروع الأوروبى فى بريطانيا تزداد زخماً. وكانت الأطروحة التى جمعت هذه الأصوات أن «بريطانيا لم تنضم أبدأ للاتحاد الأوروبى بشكله الحالي.

بريطانيا انضمت للسوق المشتركة. ثم، على مر السنين، تغيرت القواعد. فقد انتقل الاتحاد الأوروبى من منطقة للتجارة الحرة وسوق موحدة إلى اتحاد نقدى ـ سياسي ـ عسكرى أكثر قرباً. وبريطانيا، التى رفضت الانضمام لمنطقة تشينجن والعملة الموحدة اليورو، ليس لديها الأدوات أو القوة لتغيير مسار الاتحاد الأوروبي، وبالتالى الخروج أفضل حل». هذا المنطق هو ما قاد كاميرون بعد ذلك بأشهر لإعلان إجراء استفتاء على بقاء بريطانيا أو خروجها من الاتحاد الأوروبى خلال كلمته فى «بلومبرج». كان كاميرون ومستشاروه واثقين من تصويت غالبية البريطانيين على بقاء بريطانيا فى الاتحاد.

لكن تفاعلات أزمة المهاجرين التى وصلت أوجها عام 2015 لتصبح أزمة انسانية دولية ملحة، والتباطؤ الاقتصادي، وصعود اليمين القومى المتطرف فى الغرب، ثم انحياز شخصيات بارزة داخل حزب المحافظين الحاكم لخيار الخروج، كل هذا هز الأرض تحت أقدام كاميرون. وحتى رهانه على أن الاتحاد الأوروبى سيمنحه تنازلات مقبولة فيما يتعلق بقدرة بريطانيا على تحديد عدد من يدخلون إليها من العمالة الأوروبية، فشل بشكل ذريع.

وعندما أدرك كاميرون أن دعوته لاستفتاء على بقاء أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى «مقامرة خطيرة» كان الأوان قد فات لأى تراجع. فقد خرج الجنى من القمقم.   ومحاولات السيطرة على هذا الجنى باءت حتى الآن بالفشل. فالبريكست أدى إلى انقسام المجتمع وفتح الباب أمام نعرات قومية وشعبوية خطيرة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق