الجمعة 3 من جمادي الآخرة 1440 هــ 8 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48276

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

البرتقالة لا تعرف الحب

ندى إمام

مر وقت وجاء آخر، وها نحن نرى ذواتنا بشكل جديد كما يحدث دائمًا! لكن لاشىء هذه المرة يحاكى حزن السحنات وإحباطات النظرات المكسورة التى باتت أكثر خوفًا وتتساءل مستفسرة، ماذا سيجدّ من جديد؟.

بنظرة فاحصة منى كآلة تمسح المشهد، كانت البرتقالة ممددة على الفراش وشعرها الكستنائى مبعثر فوق الوسادة البيضاء، خدودها التى طالما كانت تشوبها الحمرة طالها الصفار والشحوب.

ترقد عاجزة هامدة، ولكنها رافضة للموت ومتحدية له، فعيناها وإن خبتا إلا أنهما مازالتا تحملان نظرة التحدى، ولطالما تفاهمنا بلغة العيون. رقدتك يا برتقالة ربما تكون الأخيرة، المحاليل المعلقة فى ذراعك لتضخ الكيماوى ببطء بداخل جسدك لمدة عشر ساعات كل يوم، لم تثنك عن جبروتك.

لم أكن أرغب بالمجىء لكن إلحاح التفاحة الغريب علىّ بالحضور السريع هو ما جعلنى أرضخ لتلك الزيارة. كما اننى أردت فى قرارة نفسى أن أعرف ما آلت إليه الأمور، فالبرتقالة كثيرا ما تندس فى أحلامى.

التفاحة تلازمها منذ بداية المرض، بل على الأصح منذ بداية الحياة، ولطالما كانت هى الأقرب لقلب البرتقالة.

المحلول ينفد من إحدى العبوات فتخرج التفاحة مهرولة لمناداة الممرضة لتركيب عبوة أخرى. ننظر أنا والبرتقالة لبعضنا فى صمت مهيب. نظرات صماء ليس بها أى قدر من محبة أو أسف! يالها من لحظة يا برتقالة! لم أكن أتخيلك يومًا فى هذا الضعف وبهذا الحال! يقطع الصمت دخول الممرضة، وتنظر لى التفاحة نظرة تستجدى بها عطفى قائلة: جميل أن تأتى لزيارتها فهى رغم كل شىء مريضة وزيارتها واجبة.

أنظر لها وعلى وجهى ابتسامة مصطنعة، أهز رأسى لها بالموافقة على كلامها، أزُمّ شفتى وأعاود النظر إلى البرتقالة. التى تغمض عينيها فى محاولة للهروب من عينى والاستكانة للمحلول المعلق فى ظهر يدها عبر كانيولا محاطة بالدماء.

تمد التفاحة يدها إليّ بعلبة عصير تفاح، فأجيبها بالرفض قائلة: لا شكرًا فأنا لا أحب التفاح. تنظر لى بخبث قائلة: هناك عصير برتقال لو تحبين أن أبدله لك بعصير التفاح.

أهز رأسى بالنفى وابتسامة مصطنعة على وجهى رغبة منى فى عدم إشعارها بأننى فهمت مقصدها الخبيث. آه يا تفاحة.. ما زلت تمارسين الخبث والمكر على الرغم من كل هذه السنوات! وعلى الرغم مما حاق بصديقتك الأثيرة، ساحرتك الشريرة الراقدة على الفراش بلا حول ولا قوة. تتنهد التفاحة قائلة بلغة آمرة: «عنبة»، سأخرج دقائق لأدخن سيجارة، فلتبقى معها حتى أعود، ثم تنصرف خارجة.

عنبة هى أنا، صديقتهن الثالثة، الصديقة الطيبة المستضعفة من وجهة نظرهما. وهو اسمى الحركى مثل اسميهما الحركيان. كنا صغارًا ووجدنا أنفسنا نتجاور فى بنية سكنية واحدة بحى مصر الجديدة، عمارة من ذوات الطراز القديم المرتفع السقوف البديع المعمار، لها هذا المدخل الرخامى الأنيق، ونوافذ خشبية بزجاج على شكل مربعات تزين الأدوار، ولأننا كنا الوحيدات وسط أخوة من الذكور، فقد تقاربنا معا وتصادقنا ولعبنا على درجات السلم وبداخل منازلنا، وأمام باب عمارتنا، وكبرنا وانفردت البرتقالة بهذا الحدث، وصارت لقاءاتنا تتم فى حجرتها نظرا لكونها ابنة وحيدة. وغدت غرفتها هى كهف سرنا وملعبنا.

كنا جميلات ولكل واحدة جمالها الخاص. كانت البرتقالة من أصل ريفى، لذا كانت تتمتع بجسد بض وبياض مشوب بحمرة، وشعر كستنائى ناعم. وكانت تهوى السيطرة والزعامة، ربما كان هذا لكونها ابنة وحيدة مدللة لا يقاسمها أحد فى شىء.

وكانت التفاحة رشيقة القوام ذات شعر أسود فاحم شديد الطول، كان صوتها رقيقاً وعيناها واسعتين وتمتاز بأنها أطول منا. بينما أنا عنبة كنت نحيلة، ذات بشرة خمرية تناسبها عينان عسليتان و شعر بنى قصير، وفم مكتنز الشفتين. كنتُ جميلة لكنه الجمال المختبىء خلف شخصية ضعيفة وخجولة. أضعفها عدم وجود أم تدعمنى، واخجلها طلاق والدىّ، هكذا نشأت مع أبى وأخى الوحيد، فتاة مستكينة قليلة الحيلة، وصرت هكذا أمام صديقتيَّ، بل وأمام الآخرين. وبمرور الأيام اشتد عود صديقتيَّ واشتدت معه ثقتهما بنفسيهما واشتدت استكانتى وشخصيتى المسالمة. ويوما بعد يوم حولتنا البرتقالة التى كنا نراها بهالة قدسية فوق رأسها إلى دمى كرتونية خاوية و مجرد تابعتين واحدة ذات حظوة لديها وهى التفاحة، بينما أنا فى المكانة الأدنى.

تتأوه البرتقالة تحت تأثير المحلول الذى طال تلقيه لثلاث ساعات منذ حضورى، فأتنهد متذكرة يوم أن حصلت على مجموع أكبر منهما فى الثانوية العامة، والتحقت بكلية مرموقة بينما رسبت التفاحة فى هذا العام، والتحقت البرتقالة بكلية غير التى كانت تتمناها، وظلتا تتعاملان معى بجفاء وحقد، آه كم عانيت من البرتقالة والتفاحة ومن خباثتهما..إلا أن التفاحة كانت تحافظ دائما على الشعرة الدقيقة التى تجعل من شخصيتها مصدقة ومقبولة.

تعود التفاحة من الخارج، فتمدد جسدها على السرير المقابل للبرتقالة، واضعة ذراعها فوق رأسها وهى تنظر لأعلى قائلة: ياااه.. يا عنبة.. جاء اليوم الذى نجتمع فيه ثلاثتنا مرة ثانية فى حجرة واحدة! لكن للأسف هذه المرة صديقتنا الأثيرة القوية على فراش المرض. أشير لها بالسكوت حتى لا تسمع المريضة حديثنا وأهمس قائلة: غدا ستعود البرتقالة لعافيتها وتعود لطفلها. كنت أعلم أننى أكذب، فكم تمنيت أن أرى البرتقالة تتألم، لكن الوضع كان أكبر وأسرع مما تخيلت.

تنام البرتقالة لبعض الوقت فأهم بالانصراف، تمسك بى التفاحة قائلة: ابقى قليلا.. أرجوك لا تتركينى وحدى، ابقى معى حتى يحضر زوجها من العمل وسننصرف معا. ينتفض جسدى لكلمة يعود زوجها! أتمتم فى سرى.. أيتها الخبيثة هل نسيت من هو زوجها؟!

أجلس وأنا أنظر للبرتقالة التى أراها تتألم أمامى لأول مرة، أنا التى طالما اكتويت بلهيبها البرتقالى صرت أعرف تمامًا لغة الألم وإن احترفت وسائل التمويه، أتذكر يوم جاء الحدث الجلل وتقدم لخطبتى عصام ضابط الشرطة جارنا الذى يقطن بالدور الأول بالعمارة، والذى طالما تحرش بالبرتقالة والتفاحة فى صعودهما ونزولهما، كانتا تستسلمان له فى غنج ودلال وهو يقترب بصدره من صدريهما ويخطف منهما قبلات سريعة. كان هناك شباب آخرون بالعمارة لكنه كان أخفهم ظلًا.

عصام ترك التفاحة والبرتقالة وتقدم لخطبتى أنا! لطالما اعتبرت هذا انتصارًا لكرامتى أمامهما، ووافقت على الخطبة التى تمت على عجالة نظرًا لانتقال عصام إلى محافظة أخرى للعمل ورغبته فى أن يتم الزواج سريعًا. وبالفعل تم الزواج وأصبحت شقتى الزوجية بالدور الأرضى بعمارتنا والتى هى شقة عصام سابقًا. كم كانت فرحة والدى كبيرة لهذه الزيجة التى أتاحت له وجودى معه فى نفس المكان.

وكم كان حزن وحقد صديقتيَّ لهذه الزيجة التى طالما دفعانى إلى رفضها متعللتين بأن عصام كان دائم التعرض لهما بالمعاكسات وهو غير كفء للزواج بى. فزيجتى أشعرتهما بالغيرة تجاهى لأول مرة فى حياتهما؛ فكيف لعنبة أن تتزوج قبلهما؟! بل وتتزوج من الشخص الذى لم يكترث بها يوما!

عامان من الفرح مرا عليّ وأنا مع زوجى فى تلك المحافظة التى انتقلنا إليها كما اقتضت ظروف عمله، ومثلهما حين عدنا لمدينتنا وشقتنا، وظلت السعادة ترفرف حولنا مثل جناحى فراشة. ولكن ما عكر صفو حياتنا هو تأخر الحمل على الرغم من أن جميع الفحوص أثبتت قدرتنا على الانجاب.

خلال تلك السنوات الأربع تزوجت التفاحة وتزوج أخوتها وتوفى والدها، وتمت خطبة البرتقالة ولكن الخطبة لم تستمر، ثم خطبت ثانية وفشلت أيضًا، مما أفقدها الكثير من كبريائها أمامنا. ثم طلقت التفاحة بعد عامين وعادت لتسكن مع والدتها بالعمارة. وعدنا من جديد ثلاث نساء فى ذات العمارة ومعًا مرة أخرى.

يزداد تأوه البرتقالة، أغمض عينى حتى لا أرى وجهها الشاحب الحزين الذى لا أستطيع أن أمنحه حتى بشاشتى، فأتذكر يوم أن اشتد الخلاف بينى وبين عصام فقام بطردى من المنزل وصعدت باكية إلى والدى الذى اعتبر ذلك إهانة له، وتجاهلاً لوجوده، وقرر أن يتدخل بالحزم مع زوجى. وهنا تم الجدال لأول مرة بينهما، واقترح أخى فى النهاية أن أبقى لأسبوع أقضيه معهما بالمصيف، حتى تهدأ الأمور ثم أعود بعدها لبيت زوجى مرة أخرى. ووافق عصام مرحبا ومتهللا، وودعنى تليفونيا ليلة السفر متمنيا لى مصيفًا سعيدًا.

تنظر التفاحة لى نظرة تحاول بها الولوج إلى داخل نفسى، كلا يا تفاحة لن تفلحى، فمثلك لا تتمتع بنقاء السريرة فتعرف أحاديث الباطن بلغة الباطن. أنا فقط التى تجيد ذلك، أنا الفتاة المنذورة للصمت، فحين طال صمتى بينكما، صرت أفهمكما بلا كلام. وها أنا أفرغ لكما خزائن صمتى، وانتما تطفوان على ذاكرتى كالعكارة فوق سطح البحر لألقى بكما على أقرب شاطىء.

تبتعد التفاحة بنظرها عنى متخلية عن فكرة قراءتى حين تتأوه البرتقالة بوهن فتنظر لها بعطف، هذا التأوه والوهن الذى يشملنا بلا حول ولا قوة حين تدور الأرض دورتها على الجميع يذكرنى بحالى يوم أن عدت مع أسرتى من المصيف، وصعدت مع أبى وأخى حيث منزلنا، بينما بقايا من علب المشروبات الكرتونية والورود مبعثرة على سلم العمارة، مما جعلنا نتساءل هل كان هناك فرح عند أحد الجيران؟! فى هذا اليوم سقطتُ على الأرض فاقدة الحركة والنطق، رقدت شهرًا فى المستشفى، تم فيه تعليق المحاليل وتلقى العلاجات، حتى استعدت حالى مرة أخرى وتعافيت من المرض وهدأت الصدمة.

لقد تزوجت البرتقالة من زوجك هكذا أخبرنى الجيران بحزن واستياء! زوجى الذى قام بنقل كل مقتنياتى إلى منزل التفاحة وأحل بدلا منه أثاث البرتقالة ومقتنياتها. فخلال هذا الأسبوع الحزين تم زواج البرتقالة فى هدوء وتكتم لم يعلم بهما سوى صديقتى التفاحة والجيران بعد ذلك. التفاحة التى تعيش فى شقة والديها بعد طلاقها، هى من اقترح استقبال أثاث بيتى ومقتنياتى بشقتها كى تفسح المجال لتنتقل صديقتها بمقتنياتها لمنزل زوجى!

كيف لم أنتبه إلى أن هناك خطة كانت تدار خلف ظهرى تلعبها صديقتاى بمنتهى الحقارة؟ ولا كيف وجدت البرتقالة وقتا لتغذية مكيدتها كى توقع زوجى فى حبالها بتلك السرعة؟! هذا هو الخطأ الكبير، ودرس عملى يضاف إلى الدروس التى علمتنى إياها الحياة.

البرتقالة بعد عام من زواجها انجبت طفلها الرضيع الذى لم يتم عامه الثانى، حين أصابها مرض سرطان النخاع الشوكى وضرب جسدها بشدة وضراوة.

انتفض خارجة من ذكرياتى حين تنتفض البرتقالة فجأة على سريرها، وتقوم بنزع المحلول من يدها صارخة بألم، فتسرع التفاحة إليها فتمسك يدها مربتة عليها قائلة: اهدئى حبيبتى، كل شيء سيكون بخير. وتخرج مسرعة لمناداة الممرضة. بينما أجدنى أسرع لأغلق فتحة المحلول الذى تنسكب قطراته على جسد البرتقالة وأنحيه جانبا، ثم أمسك بيدها التى كانت باردة ومرتعشة، كانت تتحاشى أن تنظر لوجهى، بل ترتكز نظراتها على الحائط المقابل لسريرها شفتاها ترتعشان وبعض من اللعاب يسيل من جانب فمها.

تأتى الممرضة وتقوم بتهدئتها ومسح لعابها وتغطيتها، ويستقر الحال وتنام، فيهدأ المكان بعد نومها وقد تم وضع المحاليل بيدها مرة أخرى. تنظر التفاحة لى بابتسامة تلازمها أناقة رهيفة فى محاولة منها أن تخفف من وقع الأحداث علينا، فأنظر لها بنفس الابتسامة فى محاولة للرد عليها بأن لا عليك، فتقفز برشاقتها المعهودة من فوق السرير ثم تشير لى باتباعها خارج الحجرة.

نجلس معا على مقاعد الزوار، ثم تشعل سيجارة أخرى وتقول بعد أن تنفث الدخان من فمها ببطء: هى ربما لا تنجو، فقد تمكن المرض منها تمامًا كما قال الأطباء، وقد يكون أمامها مجرد أسابيع قليلة فى هذه الحياة.

لا أكترث لكلامها، وأجيبها بشكل مقتضب: لا أحد يعرف متى تكون نهايته؟! فالعلم عند الله ولكل أجل كتاب، فقد يموت السليم قبل المريض.

تصمت التفاحة معاودة تدخين سيجارتها وكأنها تقول لى وماذا أنتظر منك غير ذلك. أنظر لها باستياء فالتفاحة تعبر لى بجلاء أن الأرض مليئة بالفائضين عن اللزوم.

يستمر صمتنا حتى تنتهى من تدخين سيجارتها، فتمد يدها لتلقيها بالمطفأة بجوارها وهى تقول بصوت خفيض: طبعًا أنت أكيد متسامحة مع البرتقالة؟ فأجيبها ببرود: ولماذا أكيد؟ ولماذا تسألين من الأساس هذا السؤال الذى لا يعنيك؟ وبأى صفة؟ تندهش لردودى وتتخذ وضعًا آخر أكثر جدية واحتراماً فى جلستها وتتراجع عن ثقتها قائلة: حرام عليك إنها تموت.

فأجيبها بتحد: فات الأوان، ثم أغرز عينى فى عينيها وأحدثها بلغة الباطن التى لا تفهمها قائلة: كيف ستعرفين كم عانيت من الوحدة والغدر حتى صرت حزينة وخائفة من كل شىء، من الوحدة ومن الليل ومن الأصدقاء بل ومن الجدران! منغلقة داخل نفسى وقد نحرتمونى جميعا بضربة سكين. وها أنا أتقيأ حزنى عليكما حتى أهجركما غير متجاوزة شركما بالحسنى، كى لا أدعكما تشعران بالخجل أو الأسف تجاهى.

تأتى لأسماعنا صرخة البرتقالة مدوية ومرعبة فيصيبنا الخوف، ونهرع للغرفة لنجدها جاحظة العينين ممتقعا لونها، تتصبب عرقا وقد تقيأت كل ما بداخلها.

وتخرج التفاحة مهرولة للمرة الثالثة خلال هذا اليوم الذى أوشك على الانتهاء لتنادى الممرضة من جديد، بينما البرتقالة تبدو كجثة هامدة لا تتحرك منها سوى عينين خابيتين من الضوء وتتساءل بصوت خال من الحياة: أين ابني؟ ربما فى هذه اللحظة فقط تعاطفت بشدة مع البرتقالة، تحركت مشاعرى وقوى إحساسى بالشفقة عليها، فمن الصعب رؤية أم جازعة على طفلها الصغير وهى فى صورة شبه ميتة، جسد لا لون له ولا كثافة! إن كل شيء كان مريرًا على نفسى رأيته يهون فى تلك اللحظة. وربما تأتى كل الأشياء بعد فوات الأوان.

لم يعد بداخلى القسوة والجفاء، اللذان لم يخلقا مع البشر، بل هما صنيعتهم الكبرى، فقط كان الخواء، وانسابت الدموع من عينى فأسرعت إليها أرفع رأسها من فوق الوسادة واحتضنها قائلة: اطمئنى يا برتقالة فالطفل بخير، هو مع والده وسيأتيان خلال دقائق لرويتك. رأيتنى أقبل رأسها، وأمسح بيدى على شعرها المبتل عرقًا، فتستكين لكلماتى وتهدأ على وسادتها. وبعد دقائق قامت كل من الممرضة والتفاحة بتغيير ملابسها وإعادة الأمور إلى نصابها من جديد.

يمر الوقت بطيئًا، وأنا مستيقظة على المقعد المقابل لسرير البرتقالة فلا جاء زوجها ولا أحد من أسرتها، أوشك النهار أن يبزغ بينما التفاحة مستسلمة لإغفاءة على السرير الآخر. يأتينى صوت تأوه البرتقالة محشرجًا وبلا انقطاع وكأنها تنازع الموت، أقترب منها ببطء

وحذر، أرى يدها منتفخة وقطرات المحلول تتساقط من خلال الكانيولا، أسرعت أوقظ التفاحة لتنادى الممرضة، فتأتى يعقبها الطبيب الذى يفحص يد البرتقالة وجسدها وعينيها ثم يعطى تعليماته بنزع الكانيولا والمحاليل. تفزع التفاحة ويتملكنى الرعب ونقف مشدوهتين عاجزتين عن فهم الأمر! أنظر للبرتقالة ونحن على هذا المسرح الدرامى فيحدث ما لا يمكن نسيانه، حيث تنظر لى البرتقالة نظرة بركانية، ثم تشهق شهقتها الأخيرة.

مع خروج الطبيب والممرضة من الحجرة، وبعد أن نُزعت المحاليل وأُسبلتْ العينان، واختفى الجسد تحت ملاءة بيضاء. خرجت من المكان أحمل الطفل الصغير بين ذراعى بعدما عرضت على زوجها وأسرتها التى جاءت مع طلوع النهار، أن يبقى معى بالبيت لحين عودتهم بعد الانتهاء من الاستعدادات الخاصة بتصريح الخروج والدفن.

فى طريقى للخروج كنت أحدق فى اللاشىء، أسير برأس خاو وقدمين خفيفتين. أركب عربتى مشدوهة بلا هدف محدد، ناسية طريقى للبيت، بينما الطفل الصغير الذى لا ذنب له نائما بالخلف فى براءة الملائكة، وربما لأول مرة تصاحبنى الملائكة، عبثا أحاول أن استوعب الأحداث فلا أفلح! أُقلبُ فى حصاد تلك اللحظات الأخيرة فلا أرى سوى نظرة غريبة من عصام كنظرة ممثل مبتديء غارقًا ظاهريًا فى حزن شديد، جاءت لى بالمستشفى وتلقيتها على عجالة ودون اكتراث، كانت كمن تقول لى بخبث أن استعدى، فالطفل سيكون لنا، وسنعود لبعضنا من جديد! نعم كانت كذلك، فأنا بفطرتى أجيد قراءة المآسى.

لا يا عصام، لن يحدث هذا أبدًا، أبهذه السرعة تقوم بالترتيب والإعداد والبرتقالة لم تنتهِ إلا من دقائق معدودة؟! كيف تستطيع أن تتجاوز الآلام والأحزان فى كل مرة بتلك السرعة؟!

ليتنى رأيتك بهذا الوضوح من البداية، كنت رفضت الزواج بك وجنبت نفسى وصديقتىَّ هذا الصراع المقيت. ولتطمئن يا زوجى السابق، فالبرتقالة التى تجيد التخطيط لابد وأنها أعدت لكل شىء قبل موتها ربما أوعزت للتفاحة بأن تتزوجك لترعى ابنها الصغير، والتفاحة التى باستطاعتها ارتكاب جريمة شنيعة والعيش معها، ستنفذ وصيتها بكل تفان، وبهذا يا عصام تكون أنت الرابح الأكبر وتكون قد حصلت على ثلاثتنا.

لقد اختلف الحال كثيرا ياعصام عما يدور فى رأسك، فأنت لم تعد زوجى، ولم أعد أنا عنبة السابقة، ولم يعد للبرتقالة وجود! وفقدت كل الأشياء أطرها المعهودة. كما أن البرتقالة لم ترد فى لحظاتها الأخيرة أن تطلب منى العودة إليك، لم ترد أن تجعلنى أنتصر!

لذا لن أرضى بعودتك ثانية، وبذلك سيكون ردى على نظرة البرتقالة النارية التى رمقتنى بها فى لحظاتها الأخيرة، سأتركك للتفاحة وأنا فى غاية النشوة، نشوة الانتصار الدائم عليهما، لأنى بخطتهما تلك سأبقى فى ترتيبهن دائما الأولى، وبرفضى لك سأبرهن لكم جميعا أنكم أحسنتم إلىّ.

مع نسيم الصباح المحمّل برائحة جديدة غير التى ألفتها، ومع سطوع شمس النهار، أقف بعربتى أمام مدخل عمارتنا التى ربما لن نغادرها إلا بالموت، أدخل حاملة بين ذراعىَّ روحًا جديدة هى الأمل والحياة، أنظر حولى حيث الجدران والسلم والأبواب والسقوف، حيث أشعة الشمس تنفذ من خلال زجاج النوافذ المتكسر فتضيء بأسواطها الذهبية المدخل الذى نالته الشيخوخة، أسمع زقزقة الطيور التى عششت فى زخارفه المحطمة، فتبدو لى الأشياء من جديد! تصير أكثر وضوحًا وعمقًا، وتطفو على السطح تلك الذكريات المندسة فى قاع الروح.

أحاول التوحد مع الزمن المنقضى، فأرانى وصديقتىَّ نصغر ونصغر، أسمع أصواتنا ونحن نضحك ونقفز على درجات السلم، أصعد دورًا تلو آخر كعمياء تصعد نحو الضوء، فأرانا ونحن ثلاث فتيات صغيرات يلعبن محدثات هرجًا وصخبًا أمام شقة جارتنا المتزوجة حديثًا بالعمارة، جارتنا الطيبة مريم التى فتحت باب شقتها ونحن نلعب فى براءة وطفولة، فقبّلتنا فوق جباهنا واستضافتنا، ثم وضعت أمامنا طبقا مستديرًا مملوءًا بالفاكهة، لكننا خجلنا من أن نمد أيدينا فضحكت لنا ثم قالت بحنان: فلتأخذ كل واحدة منكن الثمرة التى تحبها، وسنطلق عليها أسمها، فتناولت سلمى برتقالة، وتناولت نهلة تفاحة، بينما أنا هبة مددت يدى النحيلة على استحياء والتقطتُ حبة عنب.

** القصة الفائزة بجائزة إحسان عبدالقدوس

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق