الجمعة 3 من جمادي الآخرة 1440 هــ 8 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48276

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة يكتبه: أحـمد البـرى..
الوجه الآخر

بريد الجمعة

تستوقفنى رسائل قراء بريدك الشهير، وأتأمل تجاربهم، وأحاول الاستفادة بها فى حياتى، وجاء اليوم الذى أحّل فيه ضيفا عليك، وأروى تجربتى عسى أن تكون عبرة للآخرين، فيتعلمون منها ما يفيدهم، فأنا رجل تعديت سن الخمسين، ونشأت يتيم الأبوين، فلقد رحل أبى وأنا فى السادسة من عمرى، ولحقت به أمى بعد أربع سنوات، ولم أنعم بحنانهما، ولى أشقاء من البنين والبنات، وأنا أصغرهم، وعندما بلغت سن الزواج، رشحت أختى الكبرى بنت أخت زوجها، وهى من عائلة بمحافظة أخرى غير المحافظة التى نقيم بها فى الصعيد، وزرناهم للتعرف على العروس، فإذا بلقاء التعارف يتحوّل إلى عقد قران.. هكذا مضت الأمور دون أن يدع لى أحد من أهلى، ولا من الطرف الآخر فرصة للتفكير، وحددوا موعد الزفاف بعد عام، ولم أجلس مع فتاتى التى اختاروها لى سوى مرة واحدة طوال ذلك العام، ولم أتعرّف على طباعها، ولا طباع أسرتها، وشغلت نفسى بعملى، وجهّزت شقتى فى المدينة الساحلية التى أعمل بها، وفى الموعد المحدد أتممنا الزواج، وتطلّعت إلى حياة مستقرة تعوضنى عن سنوات الشقاء والحرمان التى عشتها بلا أبوين، وانشغال أخوتى بهمومهم، فإذا بى أفاجأ بأن زوجتى معدومة الشخصية، وأن أمها هى التى تحرّكها كيفما تريد، حيث تربت فى بيت أهلها على أن والدتها هى الآمر الناهى فى البيت، والكل معدومو الشخصية أمامها من الأب والأخوة بمن فيهم زوجتى، وكم عانيت من تدخلاتها فى أبسط أمور حياتنا التى كانت كتابا مفتوحا لها، وكلما حكت زوجتى لها عن أى موقف تقلب علاقتنا رأسا على عقب، وتتأزم الأمور، وأتحامل على نفسى حتى تمر الأزمة بسلام!

وتعبت زوجتى ذات يوم، فأسرعت بها إلى الطبيب، وجاءتنا البشرى بأنها حامل، فقفزت فى الهواء فرحا، بأننى سأكون أبا، وأننى سأمارس حنان الأب الذى افتقدته منذ رحيل أبى، وأنا طفل صغير، ورزقنا الله المولود الأول، وناقشتنى زوجتى فى أنها ترغب فى العمل، فلم أمانع وتركت حرية الاختيار بين التفرغ لرعاية الأسرة، والعمل مثل غيرها من الزوجات فى محيط معارفنا، والتحقت بالتدريس فى التربية والتعليم، ولم آخذ منها مليما واحدا، حيث أرسلت راتبها بانتظام إلى أمها، وتنفذ ما تشير به عليها بالحرف الواحد، ووجدتها معدومة الشخصية أمامها تماما، ووقعت مشاجرات عديدة بيننا لهذا السبب، إذ كانت أمها تبث سمومها فى أذنيها، وفى كل خلاف تغضب عند أمها بالشهور، وبعد أن تهدأ العاصفة أحاول رأب الصدع، فأواجه بفرمانات من أمها، وفشلت فى تنظيم النسل، حيث أفهمتها أن الذى يربط الرجل بالمرأة كثرة الأولاد، وصرف أمواله أولا بأول، فمن معه مال يفكر فى الزواج بأخرى، وهكذا نجحت مخططات حماتى، وجاءت المولودة الثانية، والثالثة، ثم المولود الرابع على التوالى، وانخرطت فى العمل ليلا ونهارا لتوفير متطلبات الأسرة من مأكل ومشرب وتعليم وعلاج وخلافه، وأصبحت كمن يدور فى «ساقية» ـ على حد التعبير الدارج لمن يعانى ظروفى ـ ومضت الأيام بحلوها ومرها، وكان المر فيها أكثر من الحلو.

وقد تسألنى أين حماك مما تفعله زوجته؟، فأقول لك: كان رجلا طيبا جدا، ومغلوبا على أمره، وظلت زوجته هى الميهمنة على كل شئ حتى رحيله عن الحياة، وقد حزنت عليه جدا، فلقد هوّن علىّ قسوة حماتى بكلامه الطيب، وأسلوبه العذب فى الحديث، ولا أنسى قوله لى: «أنت ابنى مش جوز بنتى»، ومرت الأيام، ومرضت أم زوجتى مرضا شديدا أقعدها عن الحركة، ورفضت زوجات أبنائها رعايتها، وعرضوا علىّ أن تقيم معنا، فرحّبت بها، ونسيت تماما كل ما فعلته بى، وتوليت مهمة تمريضها بنفسى، فكنت أعطيها الدواء فى مواعيده، وأجلس إلى جوارها معظم فترات وجودى بالمنزل بعد عودتى من العمل، وأنّبت زوجتى نفسها على ما كان يحدث منها تجاهى، واستغربت أمها أن يكون هذا صنيعى معها بعد كل ما فعلته بى، ورددت على مسامع زوجتى كثيرا بأن أمها هى مفتاحنا إلى الجنة، وطال مرض حماتى، وظهر ضيق زوجتى، ولاحظت أمها ذلك، فنظرت لى نظرات كلها ندم على ما فعلته بى، وكان لسان حالها يقول: «زوج ابنتى يخدمنى أكثر منها، وأنا التى كنت أقسو عليه فى عنفوانى».. والله كنت أقوم من نومى ليلا لكى أطعمها، وألبى طلباتها، وظللت كذلك إلى أن رحلت عن الحياة.

وتصورت أن زوجتى تعلمت الدرس، وأنها تقدر خدمتى أمها فى مرضها، ولكنى فوجئت بها تنتحل شخصية أمها، وخطر ببالى المثل القائل «من شبّ على شئ شابَ عليه».. فمن تربت وعاشت فى بيئة كالتى وصفتها لك، لابد أن تظل سلوكياتها كما هى حتى مماتها، وانشغلت بأولادى عن نفسى، وفوّضت أمرى إلى الله، وكبر أبناؤنا، والتحقوا جميعا بكليات الطب، وبعت كل ما أملك، حتى ميراثى من والدى، وأصبت بعدة أمراض، وأنهت الجهة التى كنت أعمل بها خدمتى لهذا السبب، وفى الوقت الذى صار فيه أبنائى أطباء، أصبحت لا أملك شيئا، فلفظونى من حياتهم، ومعهم أمهم، وتركونى وحيدا، فآثرت السلامة، وانغلقت على نفسى، ولم أعد أرى أحدا منهم، ومر على بعدهم عنى عامان، وصاروا أصحاب دخول مرتفعة، وأنا أتجرع مرارة المرض، وقلة الدخل، ونسى أبنائى أن لهم أبا ضحى بالغالى والنفيس من أجلهم.. لقد اضطررت إلى رفع دعوى فى المحكمة عليهم طالبا «نفقة أب».. لقد فوّضت أمرى إلى الله، ولعل كل من يقرأ قصتى يتعلم أن يدقق فى اختيار شريكة حياته، فما عانيته سببه أننى تزوجت ممن رشحتها لى أختى، ولم أعر الأمر اهتماما وقتها لقلة خبرتى، ولم أجد من يشير علىّ برأى صائب فى تلك المسألة، ولو أعطيت نفسى فرصة للتفكير قبل عقد القران، وحرصت على زيارة أسرة خطيبتى بانتظام، لاكتشفت طباعهم، وعرفت كيف تدار أسرتهم، ولما أتممت زواجى منها، وليت أبنائى يدركون أن الله يمهل ولا يهمل، وأنهم سوف يتجرعون المرارة التى أتجرعها الآن إن عاجلا أو آجلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

 ولكاتب هذه الرسالة أقول:

إذا انعدم التواصل بين كل زوجين لا تستقيم حياتهما، ولكى تنجح أسرتهما لابد من وجود منهج يساعدهما على تخطى الصعاب ومواجهة المتاعب التى تعترضهما، وأن ينتقل هذا المنهج تلقائيا إلى الأبناء الذين يورثونه للأجيال المتتالية من بعدهم، وهكذا تأخذ دورة الحياة مسارها الطبيعى فى الأسر المتعاقبة، فإذا اختل هذا التوازن واستأثر أحد الزوجين بزمام الأمور دون الآخر، تتفكك الأسرة، ويصبح كل أفرادها نهبا للأنانية.. إن لغة التفاهم ضرورية لجميع الكائنات الحية، فالنحل يتفاهم مع بعضه عن طريق الرقص!، حيث تخرج المكتشفات من النحل للبحث عن الأزهار، وبعد عودتها إلى الخلية ترقص فى الاتجاه الذى توجد به الأزهار، وتعبر مدة الرقص عن مسافة الأزهار من الخلية، وتعبر سرعة الرقص عن كمية الأزهار».. هذه هى الطريقة التى يتواصل بها النحل، وكل الكائنات الحية تتواصل بطريقة أو بأخرى، إلا أن التواصل عند الإنسان ربما يكون أكثر تعقيداً عن غيره من الكائنات، وتلعب درجة التواصل دورا رئيسيا فى إنجاح العلاقة الزوجية أو إفشالها، ومن ثمّ يجب على كل من الزوجين أن يفهم احتياجات شريكه، وأن يسعى إلى إشباعها، وبدون ذلك لا يمكن لعلاقة حقيقية أن تستمر، حتى لو ارتضى أحد الطرفين أن يكون هو الطرف الذى يقدم كل شيء، ولا يحصل على شىء.

أيضا فإن قلة الوعى لدى الزوجين تلعب دورا كبيرا فى تزايد المشكلات بينهما، ولابد أن تكون نية الإصلاح متوافرة عند الطرفين، وليس فرض رأى للطرف الأقوى على الآخر، كما أن تدخل الأهل من أكثر الأسباب التى تؤدى إلى تصاعد خلافاتهما، وكذلك عدم تهيئة الفتاة بشكل كاف للحياة الزوجية، والمؤسف أن الكثيرات يتصرفن مع تقدم العمر بطريقة مطابقة تماما لأمهاتهن حتى وإن كن ينتقدن هذه التصرفات قبل ذلك، ولم يعد لون الشعر أو العيون أو الطول، هى الصفات الوحيدة التى ترثها الإبنة من أمها، إذ أظهرت الدراسات الحديثة أن بعض الأمور النفسية أيضا كالحالة المزاجية، وراثية فى المقام الأول، وتعد التربية بالوراثة أيضا من أكبر المشكلات التى نواجهها، فهناك افتقار حاد للتجديد التربوي، ويستسهل الآباء والأمهات الأمور، ولا يطورون أنفسهم من أجل أبنائهم، ويتطلب الأمر إدراج المناهج التربوية فى المرحلة الجامعية لتأهيل الشباب من الجنسين لممارسة أدوارهم كآباء وأمهات، إلى جانب عقد دورات تدريبية لحديثى الزواج حول الأساليب التربوية المثالية.

هذا هو ما غاب عنكم جميعا، وأنتم تتزوجون وتتناسلون بغير رابط ولا ضابط، وتجاهلتم بدهيات اختيار الزوجات، فعلاوة على ما هو معروف علميا من توارث الصفات والتصرفات، تماما مثل التركيبة الجسدية، كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تخيّروا لنطفكم فإن العرق دساس»، وبالإمكان أن يتغير كل إنسان إذا أصلح نفسه، وتغلب على ما زرعه فيه الآخرون إذا وجد البيئة الصالحة لذلك، لكن أهلك لم يفعلوا ذلك بعد رحيل أبويك، وأنت صغير، وأخذت أختك بالمظاهر واصطحبتك للزواج ممن تصورت أنها مناسبة لك بشكل فطرى، ودون دراسة جيدة لطبيعة أسرة الفتاة، وأخطأت أنت الآخر بالتسرع فى الزواج فى سن صغيرة، وقبل أن تكتسب الخبرة التى تؤهلك للحكم على الأمور.

وبرغم أن حماتك أدركت خطأها فى حقك، فإن ابنتها لم تستوعب ذلك، وتقمصت شخصيتها بعد رحيلها، وسيطرت على أبنائها، وساروا وراءها كالقطيع دون أن يراجعوها فى أى موقف، وتناسوا أنك الذى ربيتهم، ولم تبخل عليهم بمالك، ولا حتى بما آل إليك من ميراث، وهو إثم كبير سوف يحاسبهم الله عليه، وقد يتجرعون مرارة ما فعلوه بك، وتجاهلهم لك، وهم على قيد الحياة.. هذه هى سنة الله فى خلقه، وأرجوهم أن يبادروا بالإنفاق عليك، وألا يدعوك فى الحال التى أنت عليها الآن بعد أن صرت عاجزا لا تستطيع الكسب، والإنفاق على نفسك، وأرجو من زوجتك أن تفيق من غيها، وتراجع نفسها، وأن تصلح ما أفسدته من علاقتكما، والله المستعان.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق