الجمعة 3 من جمادي الآخرة 1440 هــ 8 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48276

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الانفجار السكانى يحتم تقليل المواليد..
عشوائية الإنجاب.. إضاعة للذرية وإضعاف للمجتمع

تحقيق ــ رجب عبدالعزيز

  • التمكين من مقاصد الشريعة.. ولن يتحقق بأطفال شوارع!

 

"تناكحوا تناسلوا فإنى مباه بكم الأمم يوم القيامة".. بمن يباهى الرسول عليه الصلاة والسلام الأمم يوم القيامة".. وإذا كنا حقا متبعين هديه، غيورين على سنته «صلى الله عليه وسلم» فأين نحن من قوله «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ»، ولماذا صارت كثرة المسلمين اليوم «غُثَاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ»!.

الحديث عن الزيادة السكانية من القضايا الشائكة التى تجد رؤى واتجاهات مختلفة، ومتناقضة أحيانا، لكن الواقع المعيش يؤكد أننا أمام مشكلة حقيقية، لابد من مجابهتها ووضع حلول جذرية لها.ولعل فى مقدمة هذه الحلول أن يسأل كل أب وأم نفسه: هل يؤدى حق الله فى أبنائه، أين حظهم من الرعاية والعناية والتربية والتعليم، أين حظهم من الحياة المستقرة والعيش والسكن الكريم؟.

يقول الدكتور نبيل السمالوطي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر: إن الواقع السكانى فى مصر حاليا، نتيجة لسنوات طويلة مضت من انهيار فى مختلف المجالات، أدى إلى المعاناة من الانفجار السكاني، خاصة أن معدلات المواليد مرتفعة ومعدلات الوفيات منخفضة، مما أدى إلى زيادة السكان بمعدل 2٫5 فى المائة تقريبا أى مليونين ونصف مليون مواطن سنويا.

فى هذه الظروف كان من الضرورى تنظيم الأسرة، وتقليل معدلات المواليد على الأقل، حتى نقضى على هذا التخلف التعليمى والصحى والإسكاني، وحتى نجتذب استثمارات داخلية وخارجية قادرة على استيعاب هذه الأعداد المتزايدة من السكان سنويا.

فعندما يتقدم التعليم والتخطيط والصحة، ويزداد النمو الاقتصادى يكون كل عضو جديد فى المجتمع ثروة جديدة، ومن ثم فلا يكون هناك داع لقضية تنظيم الأسرة حتى نستطيع استثمار ثروات مصر وأراضيها الصحراوية التى تبلغ مليون كيلو متر مربع لا نعيش منها إلا على 7 فى المائة فقط.

وأضاف السمالوطى أن الواقع الذى نحن عليه الآن نبهنا إليه الرسول «عليه الصلاة والسلام» بقوله «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الْأُمَمُ، كَمَا تَدَاعَى الأكلة إلى قصعتها»، فقال قائل: من قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَال:«بل أَنْتُْم يوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ»، الأمر الذى يجعل تنظيم الأسرة وتقليل معدل المواليد واجبا حتميا تستوجبه الظروف الاجتماعية والاقتصادية الحالية فى المجتمع، وهو أيضا واجب ديني، فعندما يقول ـ عليه الصلاة والسلام «تناكحوا تناسلوا فإنى مباه بكم الأمم يوم القيامة» يجب أن يفهم هذا الحديث فى إطاره الصحيح، فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لن يباهى الأمم بمسلمين متخلفين تعليميا وصحيا واجتماعيا، ولن يباهى بأطفال وأسر شوارع، ولن يباهى بمتسولين أو مجرمين يمارسون الاتجار فى المخدرات والأعراض، وإنما رسولنا ـ عليه الصلاة والسلام ـ يباهى الأمم بمؤمنين متفوقين مبدعين، لهم قدرة على الإبداع العلمى والفكري، وهذا هو معنى قوله عليه الصلاة والسلام ـ «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» القوى إيمانيا وفكريا وثقافيا وعلميا ومهنيا واجتماعيا واقتصاديا.

البنون.. زينة

ويرى الدكتور محمد كمال إمام، أستاذ الشريعة والقانون بجامعة الإسكندرية، أن الزينة فى قوله تعالي: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) يقصد بها نعم الله الكثيرة، فالله سبحانه وتعالى قد أنعم على الإنسان بالذرية، وهى نعمة ينبغى أن يؤدى الإنسان حقها بمزيد من العناية بالأطفال ورعايتهم جسديا وعقليا وعلميا.. جسديا بأن يوفر لهم صحة عامة، وأن يسمح لهم بممارسة الرياضة بكل صورها وأشكالها؛ فالعقل السليم فى الجسم السليم، أما الرعاية العقلية فهى بتعليمه القراءة والكتابة والإلمام بالعلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية، أى أنه يوفر له إمكانية التعليم فى كل مراحله، إضافة إلى العنصر النفسى الذى يشمل تهذيبه وتربيته، ومحاولة جلب السعادة للصغار والكبار منهم حتى تحس الأسرة أنها قد أدت واجبها تجاه أبنائها وأمتها.. ولعل ذلك ما دفع بعض علمائنا المعاصرين إلى القول بجواز منع الحمل رعاية لحقوق الأطفال وتخفيف العبء الاقتصادى عن الأسرة، فتحديد النسل من المباحات عند بعض المعاصرين، لكن ينبغى أن يكون فى منطقة الضرورة حتى تتحقق مصالح البلاد والعباد معا.

من أجل ذلك كان هذا الموضوع من الموضوعات الشائكة والتى من الخطأ والخطر أن نعالجها معالجة إعلامية أو تشريعية فحسب، وإنما الأمر يدعونا إلى أخذ رأى أهل الاختصاص من رجال الشريعة والسياسة والاقتصاد، وكلهم يعتبرون من أولى الأمر فى هذا الموضوع.

ويؤكد الدكتور محمد عبدالعاطى عباس، عميد كلية الدراسات الإسلامية للبنات بالقليوبية، أن من مقاصد الشريعة الإسلامية حفظ النفس وحفظ النسل وحفظ المال، وعندما نريد تطبيق هذه الكليات على الزيادة السكانية نجد أن واقع الناس فى واد ومقاصد الشريعة فى واد آخر، فالإسلام عندما حث على الزواج وإنجاب الذرية إنما قصد التمكين فى الحياة وإعمار الأرض، ولا يتأتى التمكين من أطفال أو ذرية لا يجدون ما يطعمهم أو يكسوهم بل لا يجدون مأوى يؤون إليه، فهؤلاء ضررهم على المجتمع أكبر من نفعهم وخطرهم شديد. فماذا ننتظر من أطفال اتصفوا بأنهم أطفال الشوارع فلا تربية ولا تعليم ولا صحة؟! وهؤلاء ينتشرون كالجراد الذى يقضى على كل نافع ويأكل الأخضر واليابس، وبهم تنتشر الأمراض الاجتماعية، التى لا علاج لها ويكونون لقمة سائغة فى أيدى المنحرفين من أجل لقمة يطعمونها أو ثياب يلبسونها فنراهم وقودا للإرهاب وللتطرف ناشرين للفوضى والفساد والخراب.

حقوق الأبناء أولا

إننا نحتاج إلى ذرية قوية تسهم فى الإعمار والبناء والتقدم ولا نحتاج إلى ذرية متكاثرة لكنها غثاء كغثاء السيل لا يرجى منهم النفع ولا يحسب لهم حساب. فينبغى على الزوجين أن يعلما ـ بل ويتعلما ـ حقوق الأبناء أولا قبل الإفراط فى الإنجاب، فالطفل يحتاج إلى الرعاية بدءا من مرحلة الحمل، فينبغى أن تكون الحامل فى صحة عامة جيدة تعينها على الحمل والولادة بلا مضاعفات، ويحتاج كل مولود إلى فترة كافية ليأخذ حظه من الغذاء والرضاعة والتربية والحنان، لذلك قال تعالي: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) فالمولود يحتاج إلى رضاع فى حولين ويحتاج إلى كساء ودواء وغير ذلك مما تدل عليه لفظة «رزقهن»، وبحساب بسيط يتبين أن الفترة البينية بين الابن وأخيه إذا روعيت تحقق تنظيم النسل فيها وصار المجتمع قويا بأبنائه. إذن فالذى لا يراعى هذا الأمر وينجب كل عام مولودا جديدا إنما أسهم فى إفقار الناس وإضعاف المجتمع، وصار عبئا على وطنه الذى يعيش فيه والدولة التى تؤويه.

كما يحتاج الابن من أبيه ـ فضلا عن الرعاية والتربية السليمة ـ إلى سكن كريم، وحظ وافر من التعليم، وحياة اجتماعية كريمة مستقرة بلا ضغوط أو اضطرابات، وتزويج الفتاة بكفء عندما تصل إلى سن الزواج، ولا شك أن الأسر الفقيرة وكذا محدودة الدخل المكتظة بالأولاد تكون أكثر عرضة للضغوط والشجار وأحيانا الجريمة والطلاق! وكم من فتيات فى سن الطفولة بعن فى سوق النخاسة لأثرياء نتيجة فقر ذويهم تحت ما يسمى الزواج العرفى!.

ويرى الدكتور محمد قاسم المنسي، أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم، أنه إذا كان انخفاض النسل مشكلة تؤرق الغرب فإن علينا فى المقابل أن نعترف بأن زيادة النسل مع ضعفه وهوانه وقلة حيلته وعجزه هى مشكلة أكبر وأشد خطرا علينا وعلى الناس من حولنا من انخفاض عدد السكان.

والشريعة الإسلامية التى تشكل هوية وثقافة المنطقة العربية، ترغب فى زيادة النسل وتكثيره.. بل إن من أعظم مقاصدها الحفاظ على النسل الذى يقوم بدور مهم فى تحقيق رسالة العمران فى الأرض.. لكنها مع ذلك تطلب النسل الصحيح القوى الأمين الذى ينفع الحياة ويقوى شأن الأمة ويدافع عن كرامتها وشرفها..ورغم تحريم الشريعة للإجهاض وأى وسيلة أخرى تؤدى إلى عدم الإنجاب.. ومع ذلك فإذا كانت هناك ضرورة فردية تحتم تنظيم النسل، فللزوجين أن يتصرفا طبقا لما تقتضيه الضرورة، وتقدير الضرورة متروك لضمير الفرد ودينه.. وهذا ما قصده الشيخ محمد أبو زهرة بقوله: إن تحديد النسل (أو منع الإنجاب) حرام بالكل مباح بالجزء.. أى أنه مباح للأفراد بضوابط، لكنه حرام إذا أصبح قانونا عاما لجميع الأفراد.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق