الثلاثاء 30 من جمادي الأولى 1440 هــ 5 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48273

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حـــنان محــسن.. تنتصر بالعلم على الصـمم

دينا عمارة
اول صماء مصرية وعربية تحصل على الماجستير جامعة جاليوديت الامريكية

ذات صيف ملهب، اخترقت الحمى الشوكية جسدها النحيل، ظنت أسرتها أنه برد طارئ كعادة الأطفال، ولكن الحرارة الشديد أدخلتها فى غيبوبة تامة، وعندما فتحت عينيها رأت أكبر حقنة تغرس بظهرها لأخذ عينة لبذل النخاع، لتعود للإغماء من جديد، ثم فاقت بعد أسابيع لتجد كل من حولها يبكون، وفهمت أنها أصبحت صماء!.

كانت حنان محسن التى نشأت بمنطقة سيدى عبد الرحمن بالإسكندرية فى الصف الثانى الابتدائى، ولاعبة سباحة وجمباز بأحد الأندية، لم يدع والدها طبيبا إلا وأسرع إليه، ولا علاجا جديدا إلا وكان أول من يصل إليه، وأصبحت له مع ابنته رحلة أسبوعية إلى مركز السمع والكلام بإمبابة، وتجربة أحدث الأجهزة الموجودة فى العالم.

لم يفقد والدها الأمل فى استعادة طفلته لسمعها مرة أخرى، واضطر لعلاجها بالخارج ليفاجأ باندهاش مرسوم على وجوه أخصائى السمعيات بسبب شدة صممها، فهى مصابة بإعاقة سمعية تامة، شخصت بصمم حسى عصبى كامل بالأذنين. ورغم كل ذلك لم يقتنع الأب بمطالبة الأطباء له بالتسليم لواقع الحال، ولم يقم بما أشاروا عليه به بضرورة نقلها إلى مدرسة الصم، وجعلها تتعلم «حرفة» تقتات منها عندما تكبر كيلا تكون عالة، اخبروه أن مصلحة ابنته فى تعلمها لغة الإشارة وإخضاعها لتدريبات النطق والكلام.

بقيت الطفلة حنان بمدرستها العادية معزولة عن زملائها، وكان الكتاب صديقها الوحيد لا تتوقف عن التهام الكتب حتى وهى سائرة فى الطريق، واعتمدت على الدروس الخاصة فى المنزل من أجل النجاح.

كان للقراءة فضل كبير على تفوق حنان، فهى الأولى على المدرسة فى اللغة العربية كل عام، والتحقت بكلية دار العلوم وكان تفوقها ملحوظا، حصلت على الدراسات العليا فى العلوم الإسلامية، وأخرى فى التربية، وبعدها دراسات تخصصية عديدة فى تعليم الصم. وبجانب تفوقها العلمى، لم تنسى عشقها للرياضة، فحققت المركز الأول فى مسابقات السباحة والجمباز بمدرستها، وحصدت الميداليات والبطولات. بعد تخرجها فى كلية دار العلوم، صممت حنان على العمل مدرسة لغة عربية للصم، فهى لم تنس الصدمة النفسية التى تعرضت لها حين قامت مع والدها بزيارة مدرسة الصم، عندما طلب المختصون نقلها إليها. ولم تنس تدريبات التخاطب، فأرادت العمل مع أقرانها. وأصبحت عضوا بمجلس إدارة العديد من جمعيات الصم، بهدف تغيير واقعهم إلى الأفضل، حتى أصبح عملها يشغل كل حياتها، ولحسن حظها أن تدشن وزارة التربية والتعليم أول برنامج تعاون مع جامعة «جاليوديت» الأمريكية عام١٩٩٠، لتستمر فى التدريب معهم أربعة أعوام دراسية كاملة، لتكون من أوائل الخبراء الصم فى مصر والشرق الأوسط للغة الإشارة، وساهمت فى وضع «القاموس المصرى الأول للغة الإشارة» وتدريب المدرسين العاملين فى مدارس الأمل للصم وتدريب مترجمى لغة الإشارة وإعطائهم الترخيص اللازم لمزاولة المهنة بعد الخضوع لاختبار تحديد المستوى.

وبمرور الوقت أصبحت حنان عضوا بمجلس إدارة الاتحاد العربى للصم، وأعدت مع زملاؤها القواميس والمراجع العربية، وعدة مشروعات لتطوير تعليم الصم فى الوطن العربى، ولم تكن حياة حنان سهلة، فهى قابلت وزملائها العديد من المشكلات، أهمها عدم الاعتراف بهم وبشهاداتهم لأنهم صم، فتم تحجيم وجودهم، وقام مترجمو لغة الإشارة الطبيعيون بالحصول على شهادات، وأصبحت لغة الإشارة مجرد وسيلة لكسب المال.

لم تيأس حنان وحملت أحلامها وسافرت إلى الولايات المتحدة بعد حصولها على منحة من المنظمة الدولية لقادة النساء المعاقات «MIUSA»، ونالت دورة دولية «لا تقدم إلا لقادة الصم على مستوى العالم» وقامت بوضع خطة لعلاج المشكلات من خلال الصم أنفسهم، وتعهدت بتنفيذها بعد العودة إلى مصر وتدشين مشروع للعمل مع الصم والحكومة، ومن هنا وصلت إلى جامعة جاليوديت، الجامعة الأولى فى العالم والوحيدة المتخصصة بكل ما يتعلق بالصم وحقوقهم والتشريعات الخاصة بهم، وحصلت العام الماضى على درجة الماجستير فى العلوم السياسية المتعلقة بالصم وحقوقهم وإدارة المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، لتصبح أول سيدة صماء من الشرق الأوسط تحصل على هذه الدرجة، إلى جانب أربع شهادات دراسات عليا أخرى فى التربية وتعليم الصم، والقانون والدراسات الإسلامية.

وحجزت حنان مكانها فى جامعة جاليوديت، حيث كل من يعمل بها صم ويتحدثون بلغة الإشارة بدءا من «بوليس» الجامعة حتى عميدها حسب دستورها فيجب أن يكون أصم، ويكون حاصلا على أعلى الشهادات العلمية الممكنة، شعارهم فى الجامعة «الأصم يستطيع أن يفعل كل شىء باستثناء أن يسمع»، ومنذ أن قرأت حنان هذه الكلمات أصبح شعارها أيضا فى حياتها.

وسط هذا العالم الملئ بالتحديات تزوجت حنان لمدة عام واحد من شخص طبيعى، ولم توفق فى حياتها الزوجية بسبب الإعاقة التى كانت حائلا فى التفاهم بينهما، وقد رزقت خلال العام بابن وحيد، يدرس حاليا بالسنة النهائية فى كلية الهندسة، ولا يوجد حاجز فى التعامل بينهما لأنها تتحدث شفهيا معه.

تحلم حنان بإعادة بناء نظام حقوق الصم وتعليمهم، ليتماشى مع حقوق الصم فى الدول الأخرى بما نصت عليها الاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوى الإعاقة، ولديها مشروع جاهز على التنفيذ، يتناول كلا من التعليم والحقوق بصورة مقننة، ويحافظ على لغة الإشارة الخاصة بهم من الاستغلال.. ولدى حنان يقين تام بأن هذا ليس حلمها هى فقط، بل حلم نحو خمسة ملايين أصم فى مصر.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق