الثلاثاء 30 من جمادي الأولى 1440 هــ 5 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48273

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أمريكا بين العجز والارتباك فى سوريا

من يملك المصداقية فى واشنطن: الإدارة أم الكونجرس؟ فرض هذا السؤال نفسه بسبب الارتباك الشديد الذى أضحى يحكم القرار الأمريكى الذى مازال غائباً وهو: ماذا بعد قرار الرئيس الأمريكى ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا: هل سيسحب الأمريكيون قواتهم من سوريا حسبما أراد الرئيس، أم سيخضع الرئيس وإدارته لمطالب البقاء فى سوريا والتراجع عن قرار الانسحاب؟ وهل الدور الأمريكى إلى رحيل من الشرق الأوسط فى ظل أولويات وتهديدات ومصالح أكثر أهمية تفرض نفسها الآن على صانع القرار الأمريكي، أبرزها بالطبع التصعيد الأخير فى أزمة الصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى بعد أن قررت واشنطن تجميد العمل بالاتفاقية الموقعة مع موسكو عام 1978 والتى تحكم هذه الترسانة الصاروخية الأمريكية والروسية لمدة ستة أشهر بسبب ما تعتبره واشنطن انتهاكات روسية لهذه الاتفاقية، وبعدها تقرر رفع التجميد أم الانسحاب نهائياً من الاتفاقية والدخول بالتالى فى تصعيد الأزمة مع روسيا، التصعيد حدث بالفعل بعد أن ردت روسيا على القرار الأمريكى بإعلان تعليق التزامها بهذه الاتفاقية، يحدث هذا فى وقت تتفاقم فيه أزمة فنزويلا، فى ظل إصرار أمريكى على التدخل العسكرى بعد أن أعلن مايك بنس نائب الرئيس الأمريكى أن الحوار انتهى مع الرئيس الفنزويلى مادورو.

المؤكد أن الرئيس الأمريكى وإدارته فى مأزق متعدد الأبعاد:أول هذه الأبعاد يتمثل فى التحدى غير المسبوق الذى أظهره الكونجرس الأمريكى وبالتحديد مجلس الشيوخ الذى يسيطر عليه الجمهوريون، أى حزب الرئيس. فبعد أقل من يومين على إعلان وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» أنه «من المتوقع أن يفقد تنظيم «داعش» آخر أرض يسيطر عليها فى سوريا خلال الأسبوعين المقبلين»، أصدر مجلس الشيوخ قانوناً قدمه زعيم الأغلبية الجمهورية ميتش ماكونيل بأغلبية 68 صوتاً «من أصل مائة صوت» يعارض بشدة سحب القوات الأمريكية من سوريا وأفغانستان.

إعلان وزارة الدفاع على لسان باتريك شاناهان القائم بأعمال وزير الدفاع بأن «99.5% من الأراضى التى كان يسيطر عليها «داعش» أعيدت إلى السوريين، وستصبح 100% فى غضون أسبوعين» كان يهدف إلى تقديم مبررات لقرار الانسحاب الأمريكى من سوريا، ودعم تأكيدات الرئيس ترامب بأن القوات الأمريكية قامت بالمهمة كاملة وقضت نهائياً على تنظيم «داعش»، لكن القانون الذى أصدره مجلس الشيوخ وسيحال إلى مجلس النواب يدحض ما يمكن وصفه بـ «أكاذيب» الرئيس وإدارته حسب ما جاء على لسان ميتش ماكونيل زعيم الأغلبية الجمهورية فى مجلس الشيوخ الذى «أكد أن داعش والقاعدة لم يهزما بعد ومصالح الأمن الوطنى الأمريكى تقتضى استكمال مهماتنا هناك».لم تقتصر المواجهة مع الرئيس ترامب وإدارته على الكونجرس وحده، ولكن دخلت كبرى الأجهزة الاستخباراتية الأمريكية طرفاً فى هذه المواجهة فقد أصدر مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية دان كوتش، ومديرة الاستخبارات المركزية الأمريكية «سى.آى.إيه» جينا هاسبل تحذيرات صارخة ضد «داعش» فى رسالة تتناقض مع إعلان ترامب تحقيق الانتصار الكامل عليه وتحذر من أن «تخفيف الضغوط على التنظيم الإرهابى قد يسمح له بإعادة تنظيم نفسه مجدداً فى سوريا والعراق، وأن «داعش» قد يسعى إلى شن هجمات على الولايات المتحدة».

ماذا سيفعل ترامب أمام هذا الرفض لقراره بالانسحاب من سوريا؟ وأمام التأكيدات بأن تنظيم «داعش» الإرهابى مازال موجوداً فى سوريا والعراق، مازال يشكل خطراً على المصالح الأمريكية ومصالح حلفاء واشنطن فى المنطقة الذين شاركوا الأمريكيين فى تأسيس «التحالف الدولى» الذى دخل العراق ثم سوريا بهدف القضاء على «داعش»؟البعد الثانى يتعلق بهؤلاء الحلفاء الذين انسحبت أو قررت واشنطن أن تنسحب من سوريا دون استشارتهم، إضافة إلى كل من تركيا وإسرائيل.

هناك دول عربية شاركت أمريكا فى ذلك التحالف الدولى وهناك الأكراد السوريون وبالتحديد قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية الذين يواجهون الآن أصعب خياراتهم مع كل من تركيا وسوريا، فى ظل المسعى التركى لاستئصال أى وجود لـ «وحدات حماية الشعب» باعتبارها تنظيماً إرهابياً تابعاً لحزب العمال الكردستانى التركى المعارض، وفى ظل الرفض السورى لمطالب أو لشروط الأكراد للاندماج مجدداً فى الدولة السورية وبالذات ما يتعلق برفض سوريا القبول بمطلب الاعتراف بـ «الإدارة الذاتية» للأكراد فى شمال شرقى البلاد، وتعرض فقط «الإدارة المحلية المطورة».

وإذا كانت تركيا تطالب واشنطن بدعم مطلبها تأسيس «منطقة آمنة» خاضعة للسيطرة العسكرية التركية شمال سوريا بطول 250 كلم وعرض 32 كم بهدف حماية الحدود التركية، فإنها، أى واشنطن، تبدو عاجزة عن تحقيق هذا المطلب الذى سيدفع ثمنه حتماً حلفاؤها الأكراد، علاوة على الرفض السورى المدعوم من روسيا وإيران لإقامة هذه المنطقة، وهو ما يفاقم الإرتباك الأمريكي، الذى يقف عاجزاً أيضاً عن الوفاء بالمطالب الأمنية الإسرائيلية فى الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية التى احتلتها فى يونيو 1967 وأعلنت ضمها بقانون أصدره الكنيست فى ديسمبر 1968.

أما البعد الثالث فيخص الدول العربية التى تطالبها واشنطن بأن تشاركها تأسيس حلف إستراتيجى إقليمى، فى ذات الوقت الذى تقرر فيه الولايات المتحدة الانسحاب من سوريا دون أى استشارة لهذه الدول التى باتت معنية بتدبير أمر إعادة دمج سوريا فى الجامعة العربية من ناحية، وبمواجهة المخاطر التى تتهدد الأمن السورى من جراء الأطماع التركية فى شمال سوريا فى غيبة من الحليف الأمريكى، ويتحمل مسئولية التصدى لـ«داعش» بعد الانسحاب الأمريكى من ناحية أخرى.

ماذا ستفعل إدارة ترامب للخروج من هذا المأزق المتشعب؟ وكيف ستكون خياراتها الجديدة فى الشرق الأوسط؟ هناك من يعتقد أن الاجتماع الذى سوف تستضيفه وزارة الخارجية الأمريكية غداً الأربعاء «6/2/2019» لوزراء خارجية الدول الشريكة فى «التحالف الدولى» للحرب ضد الإرهاب سيقدم طمأنة لهؤلاء الشركاء كما سيقدم إجابات عن كل أو بعض التساؤلات خاصة مستقبل الحرب على الإرهاب، لكن الأرجح أن الخارجية الأمريكية لا تملك أكثر من تقديم تفسيرات لقرار الانسحاب، لكنها ستكون عاجزة عن طمأنة شركائها، وهذا هو المأزق الكبير الذى يواجه واشنطن الآن بين العجز عن مواصلة المهمة والارتباك فى تبرير الانسحاب.


لمزيد من مقالات د. محمد السعيد إدريس

رابط دائم: