الجمعة 26 من جمادي الأولى 1440 هــ 1 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48269

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العلماء بعد مبادرتى الرئيس: «الحياة الكريمة» مسئولية الجميع

الأسر الأكثر احتياجا [تصوير ــ مجدى عبدالسيد]

► المبادرات يجب أن تكون بداية انطلاق وليست نهاية مطاف
► المسلمون الأوائل بنوا حضارتهم على العلم والعمل فاستحقوا الريادة

 

عقب إطلاق الرئيس عبدالفتاح السيسى مبادرة «حياة كريمة»، لرعاية الفئات الأكثر احتياجا خلال العام الحالى، ومبادرة «نور حياة»، سارعت كثير من الوزارات والهيئات والمؤسسات للإسهام في هاتين المبادرتين، تخفيفا لمعاناة الفئات غير القادرة. علماء الدين أكدوا أن ما نادى به الرئيس يعد مبادرات كريمة لفئات تستحق العون والتكريم، لكن يجب أن تكون هذه المبادرات بداية انطلاقة، وليس نهاية مطاف.

وأشار العلماء إلى ضرورة تحقيق التكافل والمساندة للفئات غير القادرة، وألا يكون ذلك وقفا على توقيت معين، انتظارا لمبادرة رئاسية أو نحوها، ذلك أن منهج الإسلام يكفل فيه الغنى الفقير والقوى الضعيف، فتوفير حياة كريمة للمحتاجين والفئات الضعيفة مسئولية الجميع (أفرادا وجماعات)، وليس مسئولية وزارة أو مؤسسة بعينها فقط.

الدكتور محمود مهنى، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، قال: إن الاهتمام بالفئات الفقيرة أو الضعيفة منهج إسلامى أصيل، حتى إن التقاعس فى حقوق هذه الفئات قد يخرج المؤمن من دائرة الإيمان الكامل، لقول رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ: «ما آمن بى من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به».

وها هو عمر بن الخطاب كان يسير يوماً فى الطريق فرأى رجلاً كبير السن يسأل الناس، فسأله: مالك يا شيخ؟ قال الرجل: أنا يهودى وأتسول لأدفع الجزية، فقال عمر: والله ما أنصفناك نأخذ منك شاباً ثم نضيعك شيخاً والله لأعطينك من مال المسلمين، وبالفعل أعطاه من بيت المال.

وأضاف مهنى أن هذه المبادرات الرئاسية تستوجب مشاركة الجميع، كل بما يستطيع، امتثالا لقوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، فعلى أصحاب الأموال والموسرين الإسهام فى تحقيق حياة كريمة للفقراء والضعفاء، والإسهام فى بناء الدولة التى ينعمون بخيرها وأمنها وأمانها، وأوضح أن هذه القضية عالجها القرآن الكريم فى كلمة واحدة جاءت فى صيغة الأمر (خذ) فى قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) والخطاب هنا وإن كان موجها للنبى «صلى الله عليه وسلم»، إلا أنه ينسحب على كل حاكم وولى أمر لسد حاجات الفقراء وتحقيق التكافل بين أبناء المجتمع. وعلى ذلك فإن من حق الحاكم أن يأخذ الزكاة من الأغنياء إلزاما، وليس اختيارا، لأنها حق للفقراء.

ولفت الدكتور ناصر محمود وهدان، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة العريش، إلى أن هذه المبادرات الكريمة، التى دعا إليها الرئيس، يجب ألا تكون وقفا على توقيت معين بل يجب أن تكون انطلاقة جديدة لتحقيق التكافل الاجتماعى الذى هو أساس من أسس الإسلام، ولغرس الوعى فى وجدان الجميع بالمسئولية الاجتماعية التى هى أيضا جزء من الدين.

وطالب الإعلام بتنظيم حملة مكثفة لتبصير الناس بفريضة الزكاة، فيم تجب؟ وكيف تحدد؟ ولمن تخرج ومتى؟.. مع بيان خطورة الامتناع عن أداء هذه الفريضة، أو التراخى فى إخراجها. والأمر نفسه فيما يتعلق بالصدقات، وكذا الوقف كمصدر متجدد لأعمال البر والخير، مما يستوجب التركيز على نشر ثقافة الوقف وإحيائه من جديد. كما تجدر الإشارة إلى أهمية القرض الحسن لإغاثة اللهفان وفك كرب المكروبين، وبيان أن الاستثمار مع الله خير من الاستثمار مع العباد.

واختتم وهدان بتأكيد أن كفالة الفقراء والفئات المحتاجة ليست منة على أصحاب هذه الفئات، بل هى حق لهم قصر فى أدائه الموسرون والقادرون، فلو أخرج أصحاب الأموال زكواتهم لما وجدنا جائعا أو فقيرا أو مريضا لا يجد ثمن علاجه.. لكننا بكل أسف قصرنا وتقاعسنا، وتخلى كثير من الموسرين عن دورهم، اللهم إلا ما يجمل صورتهم ويروج بضاعتهم فى وسائل الإعلام ونحوها.. لقد آن الأوان لأن يبحث الاقتصاديون عن آلية فاعلة وعادلة لتحصيل أموال الزكاة إجباريا، فالزكاة حق للفقراء فى رقاب الأغنياء.

فقه الحياة

الشيخ أحمد ربيع الأزهري، من علماء الأوقاف، قال: إن منهج الإسلام فى تأسيس فقه الحياة الآمنة التى ينعم الإنسان فى رحابها بالطمأنينة والسكينة والاستغناء، ويأمن على دينه ونفسه وعقله وماله وعرضه، يعتمد على بناء مجتمع الحقوق والواجبات من ناحية، والمبادرة التطوعية لصناعة الخير من ناحية أخرى، مشيرا إلى أن الإسلام يهدف إلى تماسك أفراده وجعلهم فى باب التراحم والتكافل كالجسد الواحد، لقول النبى ــ صلى الله عليه وسلم ــ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى»، بل ونص على أنهم كالبنيان المرصوص فقال  ــ صلى الله عليه وسلم ــ «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ».

وأوضح أن فلسفة المنهج الإسلامى فى باب التكافل والتراحم بين أفراد مجتمعه تبنى على رؤية تنقل الناس من الضيق والإضرار إلى السعة والاختيار، ومن العوز والحاجة والافتقار إلى الغنى والاستغناء والافتخار، وذلك من خلال ثلاث مراحل: (الكفاف، الكفاية، الكفاءة).

فمرحلة الكفاف: تستهدف المعالجة الملحة لمن يقبعون تحت خط الفقر ويمدون أيديهم بالسؤال لمأكل ومشرب وكساء، وهؤلاء هم المستهدفون بزكاة الفريضة والتى شملتهم الآية الكريمة «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِى الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ  فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ  وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ».. وهؤلاء هم المستهدفون من بنوك الطعام والدواء ومبادرات الكساء والغطاء وبرامج الحماية .

ومرحلة الكفاية: وهى مرحلة تتبنى فلسفة «بدلا من أن تعطينى سمكة علمنى الصيد» وبمعنى أدق أن ننقل اليد الممدودة بالسؤال إلى المستكفية بعمل يحفظ ماء وجهها ويرفع قدرها، لأن اليد العاملة المنتجة هى يد يحبها الله ورسوله ــ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ــ والمثال التطبيقى على ذلك، الحديث المشهور عن النبى صلى الله عليه وسلم،  للرجل الذى جاء يسأله، قال له النبى «اذهب فاحتطب»، وتطبيق ذلك فى زماننا ما يعرف بالمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر. وهذه المرحلة تعالجها الصدقات من غير الفريضة وما يعرف بالصدقات الجارية.

ولأن العدو الحقيقى لنا يتمثل  في المرض والفقر والجهل، فإننا لكى ننتقل بالمجتمع من مرحلة الكفاف إلى الكفاية، لا بد من محاربة هذا المثلث والذى تتكامل الأدوار فى مواجهته وإذا تأملنا قول النبي  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ــ: « إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ:  مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»، نجد فى قوله  صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ــ: (صدقة جارية) يفهم منها أنها ليست صدقة زكاة الفريضة، بل هى زائدة عن الفريضة، الدافع إليها الإسهام فى تخفيف الآلام والبناء والعمران والاستثمار فى الإنسان، وهذا ما يمكن أن يدخل تحت ما يسمى فى عصرنا بـ «المسئولية الاجتماعية»، وقوله عليه الصلاة والسلام (جارية) يفهم منها معنى دوام آثارها ونفعها، وهو ما يعرف فى زماننا بـ «التنمية المستدامة»، أما قوله (علم ينتفع به) فهو دعوة للعلم والتعلم والبحث العلمى ومحاربة الجهل، وهو تأكيد على الاستثمار فى العقول، أما قوله ــ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َــ: (أو ولد صالح يدعو له)، فإن الولد هو كل ما يولد، ذكرا كان أوأنثى من صلبك أو من غير صلبك.

فلو فهمنا هذا الحديث بهذه الرؤية لتكاملت أدوار الدولة بجهود المجتمع المدني، ونهض أصحاب رؤوس الأموال بالمسئولية المجتمعية لبلادهم وانشغلنا بالتنمية المستدامة جاعلين من العلم سبيلا، لو تحقق فينا ذلك لقضينا على كثير من آفات المجتمع، ولانتقلنا بعد ذلك لمرحلة الكفاءة لبناء مجتمع العلم والمعرفة والقيم.
دور الأوقاف.

وأضاف الأزهرى أن الإسلام انشغل بمرحلة الكفاءة وأسس لها ما يعرف بالأوقاف، فنجد أوقافا على دور العلم والمستشفيات، وانشغلت بما يمكن أن نسميه اليوم بـ «فقه الضعفاء»، حيث أوقفت الأوقاف على الفقراء والمرضى واليتامى والأرامل وذوى الاحتياجات الخاصة والمسنين والمشردين.

وهكذا بنيت حضارة المسلمين من خلال التكاتف والتراحم والتعاون والعلم والعمل فاستحقوا بذلك الرفعة والتقدم، وهذا ما يجب أن نفعله جميعا، حيث نؤسس «بنوك أفكار» للمبادرات الخلاقة والتى نستطيع من خلالها أن يتشارك الجميع مع الحكومة ـ بوصفها المسئولة عن ذلك فى الأساس ـ يعاونها المجتمع المدنى وصناع الخير، لتحقيق حياة كريمة لجميع أفراد المجتمع.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق