الجمعة 26 من جمادي الأولى 1440 هــ 1 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48269

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تاريخه يتجاوز تجاهل معرض الكتاب..
حجازى.. وعمر من الشعر الجميل

عزمى عبدالوهاب

يحدث فى مصر فقط، أن تكتب تاريخك على أنقاض الآخرين، إذا كنت شاعرا، فلا شعر إلا ما تكتبه أنت، وإذا كنت واحدا فى شلة، فالتسامح سيدفعك للاعتراف بالآخرين، داخل إطار هذه الشلة فحسب، نحن لا نحترم تاريخنا؟ نعم هذا يحدث كثيرا، نحن نهين ما يمكن أن نطلق عليه رموزنا الثقافية؟ نعم هذا يحدث كثيرا، فلدينا شاعر كبير هو أحمد عبد المعطى حجازى (1935) يتعامل معه المسئولون عن العمل الثقافى باستخفاف، رغم أنه – كأبسط الأمور - يستحق أن تقام له أمسية شعرية بمفرده، فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، وفى قاعة تليق باسمه وبمنجزه الأكبر؟ ما يحدث عكس ذلك، رغم أن حركة التجديد الشعرى، المعروفة باسم «حركة الشعر الحر» فى منتصف الخمسينيات، تم اختزالها فى فرسى رهان فقط: صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطى حجازى.
..............................

الأول مات كمدا، فى سن صغيرة إلى حد ما، بسبب المهاترات الثقافية والشائعات، بينما الثانى استهلكناه فى معارك صغيرة، بعد عودته من منفى اضطرارى فى باريس، دام لمدة خمسة عشر عاما تقريبا، فليس مسموحا له أن يعبر عن رفضه لقصيدة النثر، حتى لو وضع فى سلة واحدة اسم أدونيس بجوار أصغر شاعر، يجرب كتابة النثر، وليس مسموحا له بأن يغير آراءه، أو يراجع التجربة الناصرية، لأنه كان مغنيا فى موكب عبد الناصر.

وإذا توقف عن كتابة القصيدة حقت عليه اللعنة، وكأنه ماكينة يجب أن يكون رهنا لعملية الكتابة، طوال العمر، حتى لو أعاد تكرار ما يكتبه، شأن آخرين، ظلوا يكتبون بروحية الاستمرار والوجود فقط، دون أن يصنعوا تراكما ما، كثيرون أرادوا نفى حجازى خارج جنة الريادة، لصالح اسم محدد هو أدونيس، كتبوا مقالات عن «الساحر» فى مقارنة بينه وبين حجازى، وأصدروا أعدادا خاصة من مجلات الدولة عن «الأفق الأدونيسى» يوم كانت لهم الهيمنة على العمل الثقافى.

هذه الكتابة عن حجازى تريد التنويه عن حجم الجريمة، التى ترتكب فى حق هذا الشاعر الكبير، الذى سجل اسمه فى كتاب الشعر، وكتب سيرته الشعرية فى «الشعر رفيقى» وتبدأ من فصل عنوانه «الخروج من الأسطورة» يضيء فيه ما خفى علينا فى علاقته بصلاح عبد الصبور، الذى كان يعمل معه فى مؤسسة روز اليوسف فى مقتبل العمر، إضافة إلى تضمينه رسائل متبادلة بينه وبين الشاعر أمل دنقل.

يبدأ الكشف لدى حجازى من الزمن، من الظهيرة «التى يهرب منها الإنسان بالذهول والحلم» ففى تلك الساعات وعى الطفل على الأم، وهى تجلس وحدها فى الباحة الفسيحة، تبكى من ماتوا فى شرخ الشباب، وبذلك كانت إيقاعات النواح ينبوعا من ينابيع الشعر عند حجازى، حتى وهو يمجد الحياة، ويعترف بأنه حاول فى عدة قصائد أن يقبض على هذه اللحظات، لكنه كان يخفق دائما.

لأنه لم يكن كبقية الأطفال يحب اللعب بالطين، ولأنه كان منشغلا بموضوع الموت اتجه حجازى إلى النحت بالحجر، وفى ذهنه التمثال الفرعونى الذى يجسد المعنى والنموذج، والتمثال الإغريقى الذى يخلد حالات الجسد العابرة وملامحه الشخصية الفردية، ثم انتقل إلى الموسيقى محاولا أن يتعلم العزف على الكمان، وكان قد ورث الصوت الحلو عن أبيه، فكثيرا ما كان يرفع صوته بالغناء فى سهراته مع الأصدقاء.

حاول حجازى أن يتعلم العزف على العود، حين التحق بمدرسة المعلمين، لكنه انصرف عن الموسيقى، وبدأ ينظم أولى قصائده، معترفا بفضل «فتيين أزهريين» يكبرانه بسنوات، أحدهما: «كان يصحح أوزان محاولاتى البائسة بصبر لا ينفد، وتشجيع أنقذنى من السقوط فى هاوية اليأس، وأنا أحاول عبثا أن أسيطر على إيقاعات، لم تكن فى يدى آنذاك أقل صلابة أو خشونة من حجارة تماثيلى».

بفضل هذا الأزهرى، وبفضل تجربة عاطفية أولى تعلم حجازى الوزن، قبل أن يتعلم العروض، ثم انتقل بعد ذلك إلى ما يريد قوله فى هذه الأوزان، وكان الفضل فى ذلك للفتى الأزهرى الثانى، الذى كان قارئا لتوفيق الحكيم وعبد الرحمن بدوى وبشر فارس، وقد أهداه حجازى مقطعا فى ديوانه «كائنات مملكة الليل» فعلى يديه تلقى أول دروس فكرة الشكل، والعلاقات باعتبارها جوهر التشكيل، وفكرة «الثيمة» الأساسية التى يجعلها الفنان مصيدة – حسب تعبير حجازى – أو طعما لاكتشاف عالمه، والتى تتكرر فى أعماله كلها، وتتخذ صورا وأحوالا متعددة.

عن طريق هذا الفتى نشر حجازى قصائده الأولى فى مجلة «الرسالة الجديدة» وكلها قصائد رومانتيكية، تلتزم الأشكال الموروثة فى الوزن والقافية، متأثرة برمزية محمود حسن إسماعيل، وهو الشاعر الوحيد الذى سعى حجازى للقائه، حين استقر به المقام فى القاهرة، ويصفه بأنه «أستاذى فى الشعر بلا منازع» وفيما بعد تعرف إلى الكبار: توفيق الحكيم طه حسين هيكل.

كان العقاد خصما عنيدا لحركة التجديد، وانبرى حجازى فى هجائه بقصيدة لاذعة، ثم ذهب لزيارته فى بيته رفقة سعد الدين وهبة، وخرج من بيته قائلا: «لا أحس بقربى نفسيا لأحد من الكبار كما أحس بها للعقاد» وقد كتب بالفعل قصيدة ترد الاعتبار له فيما بعد، وكأنها بمثابة اعتذار عن هجائيته له فى طيش الشباب واندفاعاته المتهورة.

أحيط حجازى برعاية كثيرين حين قدم إلى القاهرة، وعمل فى روز اليوسف، ويقر بأن: «الصداقة التى ربطتنى برجاء النقاش منحتنى عونا نفسيا عميق الأثر» لكن الرجل الذى ساعده فى بناء ثقافته هو لويس عوض، وهنا يقول: «ربطتنى به إلى ما قبل رحيلى إلى باريس علاقة مرتبكة، فقد كنت أخالفه ولا أزال فى عدد من آرائه الثقافية ونظرياته السياسية، لكن حوارى الدائم معه كان عنصرا فعالا فيما اكتسبته معارفى المتواضعة من تنظيم ووضوح وترابط».

كانت القصيدة الأولى التى قدمت حجازى شاعرا مجددا هى «الطريق إلى السيدة» وقد نشرتها مجلة «الرسالة الجديدة» عام 1955 وفى هذا التوقيت كانت المعارك حول القصيدة الجديدة فى أوج اشتعالها، يقول: «تبادلت فيها إلى جانب زملائى مع الشعراء والنقاد المحافظين أقسى الاتهامات، لكنى أعترف الآن بكل موضوعية أن معرفتنا بالشعر القديم فى ذلك الوقت، لم تكن أفضل من معرفة خصومنا بشعرنا الجديد».

فى العام 1959 صدر ديوان حجازى الأول «مدينة بلا قلب» وكما يقول: «اعتبرنى النقاد مسئولا عن باب المدينة والقرية فى الشعر العربى المعاصر، لكن دواوينى التالية كانت صدمة لهم، لأن ما فيها من شعر حول هذا الموضوع أخذ يتناقص، وهكذا وقعوا فى حيرة البحث لى عن تخصص آخر، فلم يوفق أكثرهم، وظل الديوان الأول مرجعهم الأساسى فى الحديث عنى حتى الآن».

يعترف حجازي: «لم أكن أنا أول من نظم حول الريف والمدينة فى الشعر العربى، فهذا موضوع قديم قدم هذا الشعر، وإنما أنا الذى حاول فى مجموعة شعرية كاملة أن يضيف شيئا جديدا إلى ما قيل فى هذا الموضوع» لم يكن الديوان رفضا للمدينة ولا تشبثا بالقرية، وإنما كان شعورا بالانقطاع ومحاولة لمد الجذور فى أرض المستقبل، كان محاولة للتغلغل فى تفاصيل عالم معاد غير مفهوم، ورغبة فى الكشف عن مأساة الانتقال إلى عصر آخر، غير العصر الذى قدم منه، مثقلا بالأسطورة الدينية الشعبية، وكان الديوان من ناحية أخرى رهانا على تحويل موضوعات النثر إلى موضوعات لشعر من نوع جديد، وبصيغة أخرى كان تأكيدا لمشروعية القصيدة الجديدة.

أما بشأن صلاح عبد الصبور، فيقول عنه حجازي: «كنا زميلين متكاملين كثيرا، ومتنافسين أحيانا، وقد تعلمت منه شيئا نافعا هو أن حاجتنا للحلم، لا تحمينا دائما من وقوع الكابوس» وكان اللقاء الأول بينهما فى أواخر العام 1955 فاترا، إلى أن ضمهما مكان عمل واحد، ويكشف حجازى عن علاقتهما الملتبسة: «عندما التقينا لأول مرة كنت شابا فى العشرين مغلقا على إحساس فادح بالموهبة والاضطهاد، وكنت قد قرأت لصلاح الذى يكبرنى بأربع سنوات قصائده الطليعية، التى بدت لى آنذاك نثرا، بالمقارنة بشعرى الرمزى، لكن صلاح كان مشهورا، ولم أكن أنا إلا شاعرا مبتدئا».

إلى أن يقول: «كان فى الخامسة والعشرين حين تحقق له كل شيء، الشهرة والعمل المرموق والأجر المجزى، ورضى الجميع بما فيهم الدولة التى اختارته ضمن النادرين من أبناء جيله لتخلع عليه أوسمته وجوائزها، وتعهد إليه منذ أواسط الستينيات بإدارة عدد من أهم مؤسساتها الثقافية» مثل هذه العبارات تمثل مفتاحا مهما لفهم طبيعة العلاقة بين الشاعرين، والتى انتهت بموت أحدهما فى بيت الآخر، لكن فيما يشبه الرثاء يكتب حجازي: «أشعر أننى أفهم الآن صلاح أفضل مما فهمته فى حياته، ولهذا أحس بندم شديد، ويتضاعف شعورى بالخسارة، لأنى لم أبذل مثل هذا المجهود لفهمه وهو بجانبى».

الندم نفسه سيجربه حجازى مع أمل دنقل، فى رسائل متبادلة بينهما، حين كان أمل على سرير المرض، فها هو يكتب له: «كنت قد وعدتك فى نهاية رسالتى الأخيرة، أن أكتب لك بعض خواطرى عن السخرية فى شعرك، لشد ما أشعر بالندم لأنى لم أكتب هذه الرسالة فى وقتها المناسب، وأذكر أنك سألتنى مرة أو مرتين أن أكتب رأيى فى شعرك، لم تكن محتاجا إلى اعتراف منى أو من غيرى، بل كنت تتلمس دفء الصديق».

هذه الرسالة كتبها حجازى بعد رحيل أمل بعامين، لكنه فى رسالة أخرى كتبها إليه فى 20 نوفمبر 1982 يقول: «لم نتحدث أبدا عن الشعر، رغم ما بيننا من قرابة حميمة، تقول إنك تتلمذت على، وهذا التصريح لا يقدر عليه تلميذ، ولعلك كنت مجاملا على غير العادة، ولعلك كنت ترد عنى حملات الكراهية ومؤامرات الصمت، التى ظلت تحاك ضد شعرى وأنا غائب، وأعلم أنك قد أغظت بعض الناس حين فعلت، فقد جعلت لى امتدادا، وسلحتنى باسمك الشائك المتلألئ».

كان صاحبى يقول إن حجازى يكتب الشعر الحر، ويمشى ويتحدث كقصيدة عمودية، وأنا أحب حجازى الشاعر، الذى اشتريت أعماله الكاملة، طبعة دار العودة ببيروت، بستة جنيهات من مكتبة بوسط القاهرة، ودخلت بيته، وعملت معه فى مجلة «إبداع» مراجعا ومحررا لباب «إصدارات حديثة» حين كنت أخطو أولى خطواتى فى القاهرة، قادما من إحدى قرى الدلتا، ونشر لى فى المجلة، دون أن يعرفنى، فقط أرسلت قصيدتى فى مظروف، وأنا قابع هناك، فى غرفة تطل على البحر الصغير بالدقهلية.

رأيت كيف وشى عمال المطابع لدى سمير سرحان، بمقال لمكسيم رودونسون، فى ملف أعدته هيئة تحرير مجلة «إبداع» عن هذا المستشرق الكبير، صديق الحق العربى، بعد رحيله، واستبدل سرحان المقال فى غيبة حجازى، الذى عاد من باريس دون أن يحتج أو يعترض على ما حدث، لا علاقة لى بحجازى الخصم الدائم لقصيدة النثر، ولا الرجل الذى كان يتولى رئاسة لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، فهو عندى أكبر من هذا كله، إنه تاريخ وعمر من الشعر، نشأنا وتربينا على ضفافه، أنا أحب الشاعر الكبير الذى قال يوما: «فى العالم المملوء بالأخطاء مطالب وحدك ألا تخطئ» وقال أيضا: «قل لا هنا لتقولها فى كل مملكة سواها/ لتقولها يوم الحساب/ إذا أتى يوم الحساب».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق