الجمعة 26 من جمادي الأولى 1440 هــ 1 فبراير 2019 السنة 143 العدد 48269

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ماذا يفعل أصحاب.. «السترات الخضراء» فى شوارع القاهرة ليلا؟

تحقيق: محمد المراكبى
تصوير: محمد مصطفى

  • سداد 41 ألف جنيه ينقذ العجوز "صباح" وحفيدتها من النوم فى الطريق
  • حكاية مجدى تاجر الملابس الميسور الذى يقيم فى الشارع منذ 9 سنوات
  • خيرى يحتمى من الأمطار بـ"جوال بلاستيك" ويرفض البطانية لأجل مشرد آخر

 

فى أوقات كثيرة لا يجد الصحفى، مهما تكن قوة قلمه وبراعة أسلوبه، كلمات يصف بها مشهدا رآه بعينه، أو لحظة عاشها بنفسه، من خلال تغطيته حدثا ما، سواء كان هذا الحدث مفرحا أو محزنا، حيث يعجز العقل وتقصر اليد عن إيجاد تعبير يناسب حجم اللحظات التى عاشها. إذ كيف يعبر القلم - والقلب- بالكلمات عن «عم خيرى» الذى يحتمى من البرد القارس ببطانية و«شوال بلاستيك» يفرشه فوقها ليقيه من الماء فى الليالى الممطرة؟!، وأين يجد العقل تعبيرات يصف بها حال «أبو فراج» الذى يتخذ من حديقة فى حى فيصل مسكنا ومأوى له بعد أن جاء من أسوان للبحث عن عمل فى القاهرة؟.

وكيف يمكن أن تصف الكتابة بدقة مشاعر سيدة عجوز تتخذ هى وحفيدتها ذات السنوات الثلاث من رصيف شارع الهرم مخدعا لها؟. مهما يكن الإتقان والبراعة فى الوصف فلن تستطيع أن تحكى عن مشهد لشباب فى العقد الثالث من عمرهم من موظفى وزارة التضامن الاجتماعى يعملون يومياً 10 ساعات فى عز البرد وظلمة الليل بكل ضمير وإخلاص وتفان، ليحموا شيوخنا وأطفالنا وأمهاتنا من قسوة الشارع ومآسيه. هؤلاء الشباب هم أصحاب «السترات الخضراء» أو فرق الإنقاذ التابعة لوزارة التضامن الاجتماعى المسئولة عن توفير رعاية متكاملة للمشردين وأطفال الشوارع سواء عن طريق توفير أماكن لهم بدور الرعاية أو تزويدهم بالبطاطين والوجبات الغذائية والعلاج فى إطار مبادرة «إحنا معاك». نقطة التجمع والانطلاق كانت مع غروب الشمس فى ميدان الجيزة، هناك وقفت سيارة كبيرة مجهزة بمعدات طبية ومطبخ صغير لإعداد الوجبات السريعة، ومقاعد وشاشة تليفزيون وجهاز «بلاى ستيشن»، للوهلة الأولى تبدو لك التجهيزات غريبة متناقضة مع بعضها، لكن وائل صلاح إخصائى إدارة الحالة بوحدة إنقاذ ««الجيزة 2»» أوضح أن لكل شىء بالسيارة استخدامه، وأن تفاصيل الحملة مدروسة بالكامل، بدءا من اختيار أعضاء فرق الإنقاذ، مرورا بالتجهيزات، ونهاية بطرق التعامل مع المشردين والأطفال بلا مأوى، هذا ما ستشاهده «الأهرام» فى أثناء جولتها مع وحدة إنقاذ «الجيزة 2».

قبل التحرك من ميدان الجيزة جاءت سيارة صغيرة محملة بعشرات الوجبات الغذائية المكونة من طبق أرز وعلبة شوربة وخضار وقطعة لحم ورغيف خبز وعلبة «مهلبية»، بدأ أعضاء فريق الإنقاذ فى تسلم الوجبات بالعدد، الوجبات كانت مغلفة بشكل جيد بما يحفظ سخونتها أو دفئها على الأقل حتى تصل إلى المستحقين. بعد تسلم الوجبات بدأت مرحلة استخراج البطاطين من مخزن السيارة وإعدادها للتوزيع. قائد الفريق بيشوى عدلى الإخصائى النفسى يعطى الإذن بالتحرك لكن عملية التحرك تتوقف لثوان بعد ظهور الدكتور سمير الفقى رئيس وحدة المعرفة والبحوث بوزارة التضامن الاجتماعى الذى جاء ليطمئن بنفسه على أن كل شيء يسير على أكمل وجه، وأنه لا توجد مشكلات تواجه الوحدة. فى أثناء وضع خطة وخط سير الوحدة يظهر بائع شاى اسمه «عم أحمد» يخبر الفريق بأن «خيرى» الذى يبحثون عنه ظهر وعاد إلى مكانه الذى يبت فيه فوق هوايات نفق مشاة الجيزة، ينزل بيشوى عدلى مسئول الوحدة ومعه عدنان عبد الستار الإخصائى الاجتماعى مسرعين إلى الحالة.

إنه خيرى حسن (49 سنة)، من النظرة الأولى له قد تعتقد أنه إنسان فاقد العقل أو يمر بأزمة نفسية، لكنه ما إن يبدأ الكلام حتى تجد نفسك أمام رجل كامل الأهلية، فى منتهى الذكاء، لكن الحياة بقسوتها هى ما جعلته على تلك الهيئة، خيرى يعيش فى الشارع منذ عام ونصف العام، لكن معاناته الحقيقية بدأت منذ طفولته بعد أن توفيت والدته وتزوج والده من سيدة لم ير منها أى لون من ألوان الحنان، فقرر التوجه للشارع والعمل، بالفعل بدأ خيرى فى الاعتماد على نفسه والعودة ليلاً إلى بيته بعد أن يكون الجميع قد خلدوا للنوم حتى يتجنب الاحتكاك بزوجة والده، لكن زوجة الأب كانت مصرة على مضايقته حتى دفعته للهروب من البيت، والبحث عن سكن منفصل، وظلت الحال مع خيرى هكذا حتى توقف عن العمل ولم يعد له دخل فما كان من صاحب الغرفة التى كان يعيش فيها إلا طرده ومن وقتها وهو يتخذ من ميدان الجيزة مسكنا له، كل حصنه فى ليالى الشتاء الباردة بطانية ينام عليها وأخرى يتغطى بها و«جوال بلاستيك» يستخدمه وسادة وفى الأيام الممطرة يفرشه فوق الباطنية حتى لا يبتل بالماء.

خيرى تبدو حياته غريبة، لكن الأغرب سلوكه الذى يتناقض مع البيئة التى نشأ وعاش فيها، فمن المفترض أن يكون قد تعلم فى الشارع ومن قبله زوجة الأب القسوة والطمع، لكن المفاجأة أن هذا الرجل صاحب البشرة السمراء كان قنوعا جداً، حيث رفض البطانية التى قدمها له فريق الإنقاذ، ولم يقبل غير وجبة الطعام، معللا رفضه بأنه ليس فى حاجة للبطانية حيث يمتلك اثنتين وهناك من هو أحق بها فالشارع ملىء بالمشردين والعراة، وكل ما يريده أن يجد مأوى يحفظ كرامته ويصون إنسانيته، وأن يجد عملا حتى لا يكون متسولا أو عالة على أحد، وعندما طلب منه أعضاء فريق الإنقاذ أن يأتى معهم ليبيت ليلته على سرير داخل إحدى دور الرعاية ظهرت على وجه الرجل ابتسامة واسعة رائعة لا توصف، لكنه طلب منهم أن يمروا عليه فى اليوم التالى، حتى يكون قد استعد لبدء حياة جديدة نظيفة على حد قوله.

بعد العودة للسيارة نجد رجلا يقف على بابها بجلباب مهلهل رث متسخ وعلى رأسه عمة لا يظهر لونها هى والجلباب بسبب ما يكسوهما من سواد، هذا الرجل هو أبو فراج (50 سنة) من محافظة أسوان، هجر بلدته وأمه بعد أن ضاقت به سبل العيش، وأغلقت أمام عينيه كل أبواب الأمل، جاء إلى القاهرة المدينة الصاخبة ليل نهار أملاً أن يعيش حياة أفضل بعد الحصول على فرصة عمل، لكن الرياح أتت بما لا تشتهى السفن، فكل وظيفة عمل بها إما أن يتم الاستغناء عنه ترشيداً لنفقات رواتب العمال، أو يتم النصب عليه، حيث يتم الاتفاق معه على راتب معين وعندما يتسلمه بعد تأخير 3 أو 4 أشهر يجد أن ما يتقاضاه لا يزيد على 400 جنيه، فلم يجد أبو فراج غير الشارع مأوى ومصدرا للدخل، وأصبح يبيت فى سيارة عبارة عن قطعة خردة فى نهاية شارع فيصل، ومن الشارع يجمع معلبات المياه الغازية الصفيح ليبيعها بالكيلو ويحصل على 14 جنيها مقابل كل كيلو يبيعه لمتعهد فى حى مصر القديمة.

والغريب أن الرجل رفض الذهاب إلى دار رعاية واكتفى بالحصول على وجبة غذائية، ولم يستجب لكل الإغراءات وأساليب الإقناع التى كان يمارسها معه الدكتور سمير الفقى ووائل صلاح إخصائى إدارة الحالة، مما أثار العديد من علامات التعجب والاستفهام فى أذهاننا، لكن الدكتور سمير الفقى رئيس إدارة البحوث والمعرفة أكد أن سياسة الضغط والإجبار غير واردة فى سياسة حملة «إحنا معاك»، وأن أى مشرد أو طفل من أطفال الشوارع لا يتم اصطحابه إلى دور الرعاية إلا عن اقتناع كامل منه حتى لا يهرب من الدار بعد إيداعه بها، وفى حالة رفض الحالة الذهاب للدار يتم تقديم مساعدة عاجلة لها متمثلة فى بطانية ووجبة غذائية وإسعاف أولى وعلاج فى الحالات المرضية البسيطة.

وفى أثناء الجولة فى خط سير الحملة الذى بدأ من ميدان الجيزة حتى نهاية شارع الهرم ثم العودة لمناطق الدقى والعجوزة، طلب جمال عزت إخصائى النشاط من قائد السيارة التوقف سريعا لأنه لمح طفلا يسير أسفل نفق نصر الدين تبدو على ملامحه أنه من أطفال الشوارع، وبعد نزول إخصائى الحالة بدأ يتعامل مع الطفل بحرص حتى استطاع أن يطمئنه أنه ليس من رجال الشرطة، بدأ الطفل زياد (13 سنة) يحكى قصته لإخصائى الحالة، التى كان ملخصها أنه اعتاد الهروب من المنزل بسبب معاملة زوجة والده المليئة بالقسوة وتمييزها لأبنائها عليه، وأنه يجد فى الشارع أمانا وحنانا أكثر من بيت والده، وانه ينسى مرارة الحياة مع تعاطى المخدرات، زياد يصمت قليلا ثم يطلب من إخصائى الحالة انتشاله من تلك الحياة وعلاجه من الإدمان دون أن يعلم والده.

أمنية زياد تتحقق فى دقائق، الفريق يجرى اتصالات سريعة فيتم على الفور توفير دار رعاية له، والتنسيق مع مستشفى نفسى لعلاجه من الإدمان. الحالات التى تشبه حالة زياد يكون التعامل معها وفق ما أوضح وائل صلاح إخصائى إدارة الحالة عن طريق أكثر من مرحلة، أولا يتم رصد الحالة من الشارع، ثم يتم التحويل للمؤسسة أو الدمج المباشر لأسرته، وفى فترة التحويل للمؤسسة تتم بها عملية تسمى إعادة التأهيل وتعديل وتقويم السلوكيات التى اكتسبها الطفل من الشارع، فى الوقت نفسه يتم البحث والتواصل مع أسرته والوقوف على المشكلات التى تعانيها أسرة الطفل ويتم حلها عن طريق ربطها بباقى الخدمات التى تقدمها وزارة التضامن الاجتماعى، وبعد إعادة تأهيل الأسرة والطفل تتم عملية إعادة الدمج بأن نعيد الطفل لأسرته مرة أخرى، ثم يسلم ملف الطفل لمكاتب المراقبة التابعة لوزارة التضامن لتتابع وصول الخدمات للأسرة ووجود الطفل بينهم وعدم هروبه ويكون هذا لمدة 6 أشهر على الأقل. والمشكلتان الأساسيتان اللتان تدفعان الطفل للهروب من البيت هما من نوعية المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المتمثلة فى عدم وجود مصدر دخل ثابت لرب الأسرة وإدمان المخدرات.

إذا أردت أن تلتقى بمثال حى لمقولة «عزيز قوم ذل» فعليك أن تتعرف على مجدى (55 سنة)، تاجر الملابس ميسور الحال المتزوج والأب لولد وبنت، عم مجدى كان يمتلك محل ملابس فى العتبة اشتعلت النيران به فى حادث حريق كبير فى العقار الذى كان به المحل، مع احتراق المحل احترقت بضاعة بـ 180 ألف جنيه لم يسدد ثمنها مقدماً، استطاع عم مجدى أن يسدد منها مائة ألف جنيه لكنه لم يستطع سداد باقى المبلغ فتم الحجز على المحل لمصلحة أصحاب الدين، بعدها توجه لبيع فرش الشعر والمحافظ فى عربات المترو والأتوبيسات لكن كل يوم كان يتم القبض عليه ومصادرة بضاعته من قبل شرطة النقل والمواصلات، فلم تتحمل زوجته هذا الوضع وطلبت منه الطلاق حتى تستطيع أن تحصل مرة أخرى على معاش والدها وتصرف على أبنائها، بالفعل طلقت الزوجة، وترك مجدى المنزل منذ 9 سنوات ليعيش فى الشارع من وقتها.

عم مجدى كانت أول حالة من الحالات التى بلا مأوى يطلب من الفريق أن يذهب معهم إلى دار رعاية ويبيت فيها ليلته، لكن الرحيل مع الحملة كان مشروطاً من قبل عم مجدى وهو توفير فرصة عمل أيا تكن طبيعتها وتهيئته مظهريا ومساعدته لأن يرى أبناءه مرة أخرى بعد غيابه عنهم 9 سنوات، السعادة التى ارتسمت على وجوه الفريق لا توصف بعد أن نجحوا فى إنقاذ أول حالة من برد الشتاء ومخاطر الشارع. فى منتصف شارع الهرم هناك سيدة عجوز تجلس مع حفيدتها الطفلة البالغة من العمر 3 سنوات، ربما تمر على السيدة يوميا، لكنها لا تلفت نظرك أو على أقصى تقدير تعطيها «اللى فيه النصيب» وترحل دون أن تعرف ما الذى يجعلها تجلس على الرصيف ليل نهار ولا تبرحه دقيقة، راندا محمد مسعفة الوحدة كانت أول أعضاء الفريق تعاملا مع السيدة صباح (60 سنة)، تلك السيدة العجوز كل مشكلتها تتلخص فى 14 ألف جنيه تقريباً بعد وفاة ابنتها عكفت هى وزوجها وابنها على تربية حفيدتهما، ابنة ابنتهما المتوفاة، وبعد 3 أشهر من وفاة الابنة توفى الأب، وبعدها تم سرقة «التوك توك» الذى اشترته السيدة العجوز لابنها بالدين والقروض لكى يعمل ويصرف عليهم، يمرض الابن ولا يقدر على الحركة، ولم تجد صباح أى مصدر للدخل فيتم طردها من شقتها بعد عجزها عن دفع الإيجار، ولا تجد غير الشارع لتتخذه ملجأ وملاذا هى وحفيدتها، سيدة عجوز وطفلة ينامان فى الشارع فى هذه الليالى الباردة وكل ما يملكانه بطانيتان، الحاجة صباح كل ما تريده أن يتبرع أحد بسداد المبلغ المتبقى عليها من ثمن «التوك توك» لتترك الشارع الذى تسترزق منه عن طريق بيع المناديل كى تسدد ما عليها وتستطيع أن تذهب هى وحفيدتها إلى دار رعاية ويناما على سرير مثل باقى البشر بدلاً من «نومة الرصيف» التى قصمت ظهرها هى وحفيدتها.

بعد أن أنهينا جولتنا مع أصحاب «السترات الخضراء» أو فرقة «الجيزة 2» لإنقاذ المشردين، كان يتبقى أن نتأكد أن المنظومة تسير كلها بنفس الإخلاص والتفانى فى العمل الذى وجدنا عليه فرقة «الجيزة 2»، فقامت «الأهرام» بالاتصال بالخط الساخن 16439 المخصص لنجدة إيواء المشردين وأبلغت عن حالة لرجل بلا مأوى فى المعادى بشارع مصر حلوان الزراعى، جاءت سرعة الرد والاهتمام بالحصول على أكبر قدر من المعلومات عن الحالة المبلغ عنها مؤشرا إيجابيا لمدى مصداقية الحملة، تمهيدا للتعامل معها، وما يبقى هو أن يتحول كل فرد فى المجتمع إلى واحد من أصحاب «السترات الخضراء»، من خلال عمل إيجابى بسيط، يتمثل فى الاهتمام بالإبلاغ عن أى حالة من المشردين فى الشوارع، عبر الاتصال بالخط الساخن، حتى تبدأ فرق الإنقاذ التابعة لوزارة التضامن الاجتماعى عملها، لحماية أبنائنا وآبائنا من البرد والتشرد.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق