الخميس 25 من جمادي الأولى 1440 هــ 31 يناير 2019 السنة 143 العدد 48268

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بوتين و«الغائب الحاضر» فى الحوار حول جزر كوريل

رسالة موسكو: د. سامى عمارة
صورة ارشيفية تجمع بين بوتين و شينزو آبي

بعد صخب تواصل لما يزيد على الشهرين حول احتمالات توقيع معاهدة السلام  وحل مشكلة جزر كوريل المتنازع عليها بين روسيا واليابان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، توقف الحديث فجأة عن هذه القضية. لم تسفر الساعات الثلاث التى استغرقها اللقاء الخامس والعشرون بين الرئيس فلاديمير بوتين وضيفه رئيس الوزراء اليابانى شينزو آبى سوى عن اتفاق حول ترحيل الحديث حول هذه القضية الى يونيو المقبل.

فماذا دار فى مباحثات بوتين-آبي؟. ولماذا تعثرت هذه المباحثات وهى التى كان الطرفان يعلقان عليها الكثير من آمال التوصل الى اتفاق يضع حدا لنزاع دام لما يزيد على السبعين عاما؟ كان سقف التوقعات عاليا.

وانتظر العالم ومعه شعبا البلدين روسيا واليابان أن يخرج الرئيسان فى موسكو ليعلنا عن توصلهما إلى الاتفاق المنشود الذى يمكن أن يضع حدا للنزاع القائم بين البلدين منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية حول ملكية جزر كوريل. وكانت المصادر اليابانية استبقت مباحثات موسكو بسلسلة من التصريحات مفادها قرب احتمالات توقيع معاهدة السلام بين البلدين على اساس بيان 1956 الذى صدر عن موسكو وطوكيو حول الاتفاق بشأن إنهاء حالة الحرب، وموافقة موسكو على تسليم اثنتين من الجزر الأربع. وذلك ما لم تكن موسكو قد أعلنته صراحة، وإن ألمحت فى أكثر من مناسبة عن احتمالات مثل هذا الحل، رغم أن أحدا لم يتراجع عن التصريحات التى قالت إن روسيا تظل تعتبر الجزر جزءا لا يتجزأ من الأراضى الروسية.

ومع ذلك كانت الأوساط السياسية المحلية والدولية تنتظر «حلا وسطا»، يتلخص فى أن موسكو قد توافق على «عودة اثنتين من الجزر الأربع المثيرة للجدل: شريطة اعلان اليابان التزامها بعدم السماح بوجود أى قوات أمريكية فى هذه الأراضى.

إلا أن الإعلان عن مثل هذه التوقعات أثار الكثير من السخط والجدل فى الأوساط الروسية وكان من أسباب خروج المظاهرات إلى شوارع العاصمة الروسية التى نددت باى محاولات للتنازل عن أى من الجزر، فى نفس الوقت الذى كشفت فيه استطلاعات الرأى عن «أن نسبة الروس الذين يرفضون رفضا قاطعا التنازل عن الجزر، لم تنخفض عن 70%، فضلا عن تمسك سكان الشرق الأقصى بشكل خاص، بموقفهم المناهض لأى تنازل بخصوص هذه الجزر». وعلى الرغم من صعوبة اعتبار ذلك وحده سببا  فى «التشدد المفاجئ» الذى طرأ على الموقف الروسي، فإن هناك ما يشير إلى أن ما تكابده موسكو من مخاوف تهديد أمنها وسلامة أراضيها على نحو مماثل لما تعيشه اليوم تحت وقع تمدد الناتو على مقربة مباشرة من حدودها الغربية، ليس بعيدا عن إعادة موسكو للنظر فيما كانت تراه ممكنا فى الأمس القريب.

ولعل ذلك أيضا قد يكون تفسيرا لعودة موسكو الى تصريحاتها السابقة حول ان الجزر «جزء لا يتجزأ من الاراضى الروسية ولا حديث عن التفريط فيها»، فضلا عن إصرارها على الاعلان عن «أن المفاوضات حول هذه المسألة غير واردة قبل إعلان طوكيو اعترافها بمجمل نتائج الحرب العالمية الثانية، وكذلك سيادة روسيا على كامل أراضيها بما فيها هذه الجزر».

ومن هذا المنظور جاءت مباحثات سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسية مع نظيره اليابانى تارو كونو فى موسكو قبيل القمة الخامسة والعشرين بين بوتين وابى والتى لم تسفر عن أى تقدم بهذا الشأن، بل بلغ الأمر بالوزير اليابانى أن رفض حضور المؤتمر الصحفى التقليدى المشترك فى ختام مباحثاته مع لافروف.

لكن ماذا عن الاسباب الحقيقية وراء التشدد المفاجئ من جانب موسكو؟ ولماذا يعود الكرملين عما سبق أن كشف عنه من احتمالات استعداده لقبول التخلى عن اثنتين من الجزر الأربع؟ عودة سريعة الى تاريخ الماضى القريب تقول إن الكرملين ومنذ سنوات حكم نيكيتا خروشوف لم يكن على قناعة تامة بجدوى «بيان 1956» وتوقيع معاهدة السلام مع اليابان أساسا لتسوية مشكلة الجزر.

وهناك من قال صراحة إن التاريخ يذكر الكثير من المعاهدات والمواثيق التى عاد عنها موقعوها تحت مختلف الحجج والذرائع. وهناك من أعاد إلى الأذهان الكثير من الحروب التى نشبت بين روسيا واليابان خلال الأعوام المائة الاخيرة. بل ظهر من يقول ان سلسلة جزر هابوماى تمتد لمسافة 100 كم وما يتبع ذلك من مساحات تمتد داخل بحر اوخوتسك فى الشرق الاقصى والتى تعتبر اليوم «بحرا داخليا روسيا»، بما يعنى ضمنا ان تسليم هذه الجزيرة لا بد ان يفرض بالتبعية، وحسب المصادر الروسية ضرورة ان تعود روسيا اذا ما تخلت عن هذه الجزيرة الى طلب الاذن لدخول «ما يعترف به العالم اليوم ضمن آراضيها». 

ويذكر المراقبون فى روسيا وفى اليابان أيضا، ما سبق وأن شار إليه الرئيس بوتين فى مباحثاته مع شينزو آبى حول أن المتغيرات الدولية وما ارتبط بها من تطورات تمثل بعضها فى ظهور القواعد العسكرية الأمريكية على مقربة مباشرة من أكبر قاعدة بحرية سوفيتية روسية فى فلاديفوستوك للأسطول الروسى فى الشرق الأقصى تقتضى إعادة النظر فى الكثير مما سبق وكان مطروحا للنقاش بين الطرفين.

ولعل ذلك يعنى ضمنا أن الدروس التى استوعبتها موسكو فى أعقاب تفريطها فى مواقعها فى أوروبا الشرقية وتخليها الطوعى عن «حلف وارسو» فى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، دون أى ضمانات أو تعهدات من جانب الولايات المتحدة وحلف الناتو بعدم التوسع شرقا، هو ما يفسر الكثير من خطوات الكرملين الذى لم يعد عمليا يثق فى أى من وعود أو تعهدات دون اتخاذ ما من شأنه تأمين المصالح الوطنية الروسية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق