الجمعة 19 من جمادي الأولى 1440 هــ 25 يناير 2019 السنة 143 العدد 48262

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريد الجمعة يكتبه:أحـمـد البـرى..
اللعب بالنار !

بريد الجمعة

أنا سيدة أقترب من سن الثلاثين، نشأت فى أسرة متوسطة لأب يعمل فى وظيفة حكومية، وأم لم تكمل تعليمها، وكرّست حياتها لبيتها وزوجها وأبنائها، ولى ثلاثة أشقاء «ولدان وبنت»، يصغروننى جميعا، وكنت محط اهتمام الأسرة، والحق أن والديّ بثّا فيّ منذ صغرى القوة والشجاعة والثقة بالنفس، وعندما التحقت بالجامعة جمعتنى مع زملائى لقاءات الرحلات التى كانت الأسر الطلابية تنظمها لأعضائها، ولاحظت من خلال أحاديثهم وأساليبهم فى الحوارات والمناقشات أننى بتركيبتى الجادة لن أستطيع الارتباط بأى منهم، فلى منهجى ولهم مناهجهم فى التفكير والحياة، بل والمظهر العام والتصرفات، إذ لا يروق لى أن يرتدى رجل البنطلون «الساقط»، والـ «تى شيرت» المقطّع، وأن يطيل شعره على النحو الذى تصعب معه التفرقة بينه وبين الفتاة!.. وقد دعانى ذلك إلى أن أفكّر فى الزواج من رجل يكبرنى فى السن، يتمتع بالهيبة والوقار، وأحمل له التقدير والاحترام، وأن أؤكد لنفسى أننى مؤهلة لحياة زوجية ناجحة بما أحوزه من جمال، وما أتمتع به من قدرات ثقافية تجعلنى أفكّر جيدا فى كل أمورى قبل الإقدام عليها، ووضعت نصب عينيّ هذا الزواج من منطلق ألا يكون الفارق فى السنوات، وإنما فى شكل الحياة الذى أتمناه مع زوج يدرك المعنى الحقيقى للحياة الزوجية القائمة على التفاهم والاحترام المتبادل.

وطرق بابنا الكثيرون من الشباب، وفتشت بينهم عن الشخصية التى تداعبنى فى خيالي، فلم أجدها، ولذلك رفضتهم واحدا بعد الآخر وسط ذهول تام من أفراد أسرتي، وكم حدّثتنى أمى بأننى سأندم على الفرص التى تضيع منى فى زيجة تحلم بها كل البنات فى مثل سني، وقال لى أبى إنه لا يؤيدنى فى نظرتى للزواج والاستقرار، لكنى استمعت إليهما، وأنا عازمة على ما أراه أمامي، ومرت الأيام وبعد تخرجى فى كليتى التحقت بوظيفة فى شركة كبري، وركزت فى عملي، ونحيت جانبا مسألة الزواج، وتعرفت على رئيس أحد القطاعات بالشركة، ولاحظت أنه تعمّد طلبى للاستفسار عن بعض جوانب عملى أكثر من مرة، وشيئا فشيئا حدثنى عن نفسه، بأنه مطلق، وأن لديه ولدا وبنتا يعيشان مع أمهما التى انفصل عنها لكثرة شجارها معه، بعد أن أحالت البيت إلى جحيم بلا أسباب، ولم يجد بدا من تطليقها، وأنه نادم على زواجه منها منذ البداية، لأنه تزوجها بحكم قرابتهما، ولم يكن يشعر تجاهها بمشاعر الحب والارتياح التى هى أساس الزواج، ووجدتنى أنجذب لحديثه العذب، وأسلوبه الراقى فى التعامل، فبحت له بمكنون قلبي، وبأننى قررت ألا أتزوّج شابا هوائيا لا يفهم الحياة الزوجية، ولا يقيم وزنا للقواعد التى تعتمد عليها علاقة كل زوجين يسعيان إلى الاستقرار.

عند هذه النقطة التقينا، وانتظرت أن يطلب يدي، ولم أبال بفارق السن الكبير بيننا، إذ كان وقتها على وشك الخروج إلى المعاش، بينما أنا مازلت فى بدايات الطريق، وكان يقينى أن الحب يصنع المعجزات، وبالفعل طلب يدي، ووافقت بلا تردد، وكانت العقبة التى لا مخرج منها هى رفض أهلى الذى كنت متأكدة منه، واعتصرنى التفكير، واعتقدت أن قوتى وثقتى بنفسى ستجعلنى أتخطى الصعاب مهما تكن شدتها، فتواعدنا أن نلتقى عند المأذون، وأن نستعين بشهود من طرفه، وعقدنا القران وصرت زوجة له، ولم ألتفت إلى شقة أو أثاث ولا مهر، ولا قائمة منقولات.. فقط كتب لى مؤخر صداق بمبلغ مناسب، وترددت عليه بعد ذلك لفترات فى أثناء النهار، وحرصت على ألا يلاحظ أحد من أهلى أى علامات تغيّر عليّ انتظارا للحظة المناسبة التى أخبرهم فيها بزواجي، وأضعهم أمام الأمر الواقع، ولم تمض أسابيع معدودة حتى وجدتنى فى عالم مختلف تماما عما كنت أحلم به، وغاب الحوار والانجذاب الذى كان قائما بينى وبين من ظننت أنه فارس أحلامي، صاحب الفكر الثاقب والعقل المستنير، ووجدته يحدثنى عن أن لقاءاتنا ستكون فى شقة أخرى لأن ابنيه ضغطا عليه لإعادة زوجته الأولى إلى عصمته، فثرت عليه وعلا صوتي، وانخرطت فى بكاء مرير، وكاد ينطق بلفظ الطلاق، ثم تدارك الأمر فى آخر لحظة، وتركنى أضرب أخماسا فى أسداس، وعدت إلى المنزل فى ذلك اليوم، ولم أستطع السيطرة على نفسي، ولاحظت أمى شرودي، وذبولي، فأخذتنى فى حجرتها، وكان أبى وقتها يؤدى الصلاة فى المسجد، وأخوتى فى أعمالهم، وأصرت على أن تعرف ماذا ألمّ بي، فأفضيت إليها بسري، وما فعلته بنفسى خروجا على طاعتهما، فإذا بها تسقط على الأرض مصابة بجلطة فى المخ، فصرخت بلا وعي، وتجمّع الجيران، وجاء أبى وأشقائى، ونقلناها إلى المستشفي، والحمد لله أن الأطباء تمكنوا من إذابة الجلطة قبل أن تتفاقم حالتها، وسألنى أبى عما حدث فلم أقل له الحقيقة، وادعيت أنها تعبت فجأة، ونحن نجلس معا، واتصل بى زوجى محاولا إقناعى بالبقاء على ذمته كزوجة «زائرة»، فرفضت بإصرار طالبة الطلاق، وقلت له: «كفاية كدة».. لقد دفعت الثمن غاليا، وأصيبت أمى بجلطة عندما أخبرتها بزواجى منك دون علمهم، وقد يموت أبى عندما يعلم ما فعلته بنفسي»، لكنه قال إنه لن يطلقني، وسيتركنى مثل «البيت الوقف»، فقررت أن أضع حدا لهذا الأمر، وأن أخبر أبى بالحقيقة، وليكن ما يكون، وبالفعل أحطته علما بما فعلته، وعلم شقيقاى بالأمر، وكانت أمى مستلقية على السرير بجوارنا، ويا له من إحساس مدمر، وأنا أراها ترمقنى بنظرات الاستهجان لما فعلته بهم.. أما أبى فقد صمت لفترة، ولم يثر أو يهتز، وطلب منى رقم هاتف ذلك الشخص ـ على حد تعبيره ـ وطلب منه المجىء إلينا، وجلس معه قرابة نصف ساعة، واتفقا على إعلان الزواج أمام الجميع، وإخبار أسرته به، وأن يكون لى بيت مستقل، وحاول زوجى الفكاك من هذه الزيجة، لكنه لم يفلح خشية افتضاح أمره أمام أسرته، وفى النهاية استجاب لضغوط أبي، وأعلنا الزواج وسط دهشة واستغراب المحيطين بنا، أما أبى فتوقف عن الكلام معي، وكذلك أمى التى تعافت بعض الشىء من آثار الجلطة التى خلّفت لديها شللا نصفيا مؤقتا حسب ما فهمناه من الأطباء.. وانتظرت أن ينفذ زوجى اتفاقه مع أبي، فإذا به يتوقف عن الاتصال بي، وأغلق هاتفه، ولم أره فى العمل، وسألنى زملائى عن حقيقة زواجى به، فأكدت لهم أننا تزوجنا، وأن الأمور على ما يرام، ومر أسبوع كامل ثم ظهر، وقال لى إنه أخطأ فى حقى وحق أسرته، عندما طلب منى الزواج، فهو لم يطلق زوجته أصلا، وإنما قال لى ذلك لكى أوافق عليه بعد أن رأى منى علامات تدل على أننى سأوافق عليه دون النظر لزواجه السابق ـ باعتبار ما قاله لى من أنه مطلق ــ وفارق السن الكبير بيننا، وأسرته التى أحالت حياته إلى جحيم منذ علمهم بزواجه بي، وأنه لن يستطيع الاستمرار معي، ولن يواجه أبى أو يجلس معه، وأبلغنى أنه سيطلقنى غيابيا، وسيعطينى حقوقى كاملة.. لقد كان الموقف قاسيا، وأصبحت سيرتى على كل لسان فى الشركة بعد أن كنت مضرب الأمثال فى العقل والاتزان، ولم أجد بدا من الحصول على إجازة دون راتب، والتزام المنزل بعيدا عن نظرات الناس، وها أنا الآن أعيش أسوأ أيام حياتى دون أن أقترف ذنبا أو أرتكب جرما، وكم حاولت أن أستعيد توازنى بلا جدوي، فهل لديك ما تنصحنى به؟.

> ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

ما فعلته هو لعب بالنار، ولا علاقة له بالثقة فى النفس وقوة الإرادة، فلقد اتخذت منهجا خطأ فى حياتك، عندما تصورت أن فارق العمر بينك وبين من سوف ترتبطين به هو الأساس لإقامة زيجة ناجحة، باعتبار أن صاحب السن الكبيرة يتمتع برجاحة العقل وحسن تصريف الأمور، ولم تقيمى وزنا للعوامل المهمة من تقارب السن، والاهتمامات، والعاطفة، والأخذ برأى الأهل فى مسألة الزواج، ولذلك فشلت فى إقامة الزيجة الناجحة التى تمنيتها، لأنك لم تأخذى بأسبابها.

إن الإرادة لا يمكن أن تقوي، والثقة بالنفس لا يمكن أن تتحقق إلا إذا أصرّ المرء على تحقيق أهدافه وذاته، وامتلك العوامل التى تؤهله لذلك، وقاوم جميع المغريات والرغبات على المدى القصير من أجل تحقيق الأهداف بعيدة المدي، وهناك ثلاثة أمور أساسية لنجاح الحياة الزوجية هى النضوج المتبادل، وفارق السن الطبيعي، والجهاد المشترك، وبالطبع فإن الفارق المثالى فى السن لا يأتى بالسعادة وحده، حيث إنها تقوم على اعتبارات أخرى أيضاً، فالكفاءة مطلوبة فى الزواج، وتعنى أن يكون الزوجان متساويين أو متقاربين فى المستوى الدينى والعلمى والخلقى والاجتماعى لأنه كلما كان هناك تقارب بين الزوجين فى السن والصفات العقلية والاجتماعية وغيرها، صارت حياتهما معا سعيدة وأقرب إلى النجاح والتفاهم، مما يؤدى إلى دوام الألفة والانسجام والود والتراحم بينهما، فيكون الزواج آية من آيات الله القائل فى كتابه الكريم: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» (الروم 21)

والكفاءة فى الزواج معتبرة ومهمة، ولهذا فإن المرأة إذا زوّجت نفسها من غير كفء لها، فإنه يجوز شرعاً لأوليائها حق الاعتراض على هذا الزواج، لكنك للأسف لم تبالى باعتراض أبيك على زواجك ممن يقترب منه فى السن من منطلق أن من عرفتيهم من زملائك يلبسون «البنطلونات الساقطة»، ويتبادلون أحاديث تافهة، وعمّمت فكرتك الخاطئة على كل الناس، فليس كل الشباب على هذه الشاكلة، وكان الأولى بك منذ البداية أن تتخيّرى بين ممن تقدموا لك شريكا متكافئا تتعاونين معه على إقامة الحياة التى تنشدينها، فمع تراجع عوامل الكفاءة يحدث تفاوت شديد غالباً ما يولد المشكلات، ما ظهر منها وما بطن، ومن المهم مراعاة الكفاءة فى التدين.

وعلى جانب آخر فإن فارق السن الكبير بين الزوجين يكون سببا فى غياب التفاهم بينهما، وقد يعود الرجل المطلق إلى زوجته الأولي، أو يصالحها إذا ظلت على ذمته بعد زواجه بأخري، وهو ما فعله مطلقك بعد أن نال غرضه منك، كاشفا عن وجهه الحقيقي، وهو درس يجب أن تتعلمه كل شابة، فالفارق المثالى بين الزوجين يتراوح بين سنتين وخمس سنوات حتى يسهل التواصل والتوافق بينهما، فمن مزايا الفارق المعقول أن الزوج تكون لديه القدرة على التحمّل تمكنه من قيادة عائلته، مما يسهم فى الاحترام المتبادل بينهما، وحصول الزوجة على العطف والحنان من زوجها، أما عندما يكون الفارق كبيرا، فإن الطرف الأكبر بعد مرور عدة سنوات يصعب عليه مجاراة شريك حياته فى العلاقة الخاصة، والأنشطة الاجتماعية المختلفة كالتنقل من مكان إلى آخر، والسفر والرحلات، وبالتالى يكون له تأثير سلبى على الطرف الآخر.

أرجو أن تكونى قد استوعبت الدرس، وأن يكون أبواك قد تعافيا من الصدمة التى ألمّت بهما بعد صنيعك الذى جنيت به على نفسك، وأرجو التَّأهيل النفسى للزَواج لكل من الشباب والبنات فى ظل ما تعيشة اليوم من تطوُّر سريع ودخول التُّكنولوجيا فى كل نواحى الحياة، فبرغم أن وسائل التواصل الاجتماعى لم تكن موجودة من قبل فإن الأبناء فى الماضى كانوا يمرون بفترة التأهيل النفسى على أيدى آبائهم وأجدادهم، فكان الرجل يجلس مع ولده ليروى له ما يجب فعله، ويلقى عليه النَّصائح، وكذلك الفتاة كانت فى الماضى تجلس معها والدتها لتحفزها على تحمُّل المسئولية، وتشرح لها حقوقها وواجباتها فى هذه المرحلة، أمَّا الآن وبرغم التغيُّر الملحوظ والسريع فى الحياة، أصبحت الزِّيجات تتم دون نصح وإرشاد وتأهيل نفسى لهذا الزَّواج، مما يجعل الشَّباب يفقدون صبرهم، ويكون أسهل أمر يلجأون إليه هو الطَّلاق، ومن هنا على المقبلين على الزواج أخذ دورات تأهيل ما قبل الزواج، وعلى الفتاة ألا تنظر إلى الزواج على أنه «مصباح علاء الدين»، الذى سيحقق لها أمنياتها، فالحياة الزوجية أساسها المسئولية المشتركة، ولابد أن يعرف كل منهما واجباته قبل البحث عن حقوقه، فالزواج لا يعنى «الحياة الوردية»، بل هو حياة تتخللها الصعاب والمشكلات والاختلافات وسط أجواء الحب والمودة والتَّفاهم التى يخلقانها معا، ولابد أن يعرِّفا نفسيهما بأنَّ الزَّواج مرحلة بناء، فكلُّ شخص منهما يعطى ويبنى فيها، ولا يستعجل فترة الحصاد، فدائماً أصعب شيء هو بناء «الأساسيات» التى إذا تمَّ بناؤها بشكل سليم، لن يتزعزع استقرار الأسرة.

أيضا عليهما أن يتعلما كيفية تقبُّل الرأى والفكر الآخر بصدر رحب، وأن يدخلا الحياة الزوجيَّة، وهما على علم بأنَّ هناك «اختلافات» فى شخصيتهما حتى لا يصطدما بالواقع، وأن أساس العلاقة الزوجية الرضا والتفاهم والحب مع المودة، وأن تكون حياتهما ملكاً لهما فقط، فعلاقتهما الزوجية لا تخرج من غرفتهما، وألا يخبرا أحداً بأسرارهما مهما تكن درجة قربه منهما، فلا يجعلا حياتهما مكشوفة للآخرين، وأن يحتفظا بخصوصيتها، وألا يقارناها بحياة آخرين، وليعلما أن العنف فى الحياة الزوجية مرفوض، فلا يعنِّف الزوج زوجته لفظاً أو فعلاً، فهناك العديد من الزيجات انتهت بالطلاق بسبب إهانة الزوج زوجته أو ضربها، والشخص الضعيف هو من يلجأ إلى العنف وليس المناقشة.

إننى أرجو أن تكون الأمور قد اتضحت أمامك، وأن تطوى صفحة الماضى بكل أفكارها غير السوية، وتجاربها المؤلمة، وأن تبدئى صفحة جديدة قائمة على أسس الحياة الناجحة، وأسأل الله لوالدتك الشفاء العاجل، ولأسرتك الاستقرار وراحة البال.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق