الجمعة 19 من جمادي الأولى 1440 هــ 25 يناير 2019 السنة 143 العدد 48262

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

خطابات لم تنشر لـ«العقاد» تكشف عن..
مؤامرة على «زعيم الأمة» سعد زغلول

إبراهيم عبدالعزيز

«هتلر» يتوعد «العقاد» بالشنق عقابا على كتابه عن النازية

--------------------------------------------
عباس محمود العقاد كنجيب محفوظ ويحيى حقى والدكتور حسين فوزى وتوفيق الحكيم وكل أدبائنا الكبار المعاصرين لثورة 1919(التى تحل ذكراها المئوية فى شهر مارس القادم، مما يقتضى استعدادا قوميا لإحيائها بما يليق بها فى تاريخنا الوطنى) والتى يعتبرونها هى الثورة بمعناها الحقيقى، كما يعتبرون سعد زغلول هو الزعيم الذى لا زعيم غيره، إلى درجة أن نجيب محفوظ حينما لم يتمكن من رؤيته كان يحلم به فى نومه، أما العقاد فكان أكثر انحيازا ولا نقول تعصبا لسعد زغلول الذى أطلق عليه إعجابا «الكاتب الجبار»، ولذلك كان دائم الدفاع عنه إلى درجة سب وشتم من يتعرض لسيرته بسوء، وبين أيدينا خطابان لم ينشرا من قبل للعقاد،أحدهما يكشف عن سبب لجوئه للسودان، والخطاب الثانى يكشف عن مؤامرة ضد سعد زغلول، نكشف تفاصيلها المجهولة لأول مرة. وقد كتب العقاد هذين الخطابين إلى صديقه عبده حسن الزيات الذى كان صديقا لكبار أدباء مصر
..............................

الخطاب الأول أرسله العقاد من السودان حيث اضطر إلى الهروب أمام تقدم الجيوش النازية التى كانت تطرق أبواب الإسكندرية، وقضى هناك بعض الوقت فى الخرطوم إلى أن ابتعد الخطر، أما علاقة العقاد بالنازية فبسبب كتابه «هتلر فى الميزان» الذى صدر 1940، وقد استغلته إنجلترا والحلفاء للدعاية به ضد هتلر الذى توعد العقاد إن دخل القاهرة أن يشنقه جزاء تشهيره به فى كتابه، فنصحه بعض أصدقائه أن يبتعد عن القاهرة إلى السودان ريثما يزول الخطر، وترك لهم مكتبته لكى يسددوا بثمنها ما عليه من ديون، وكان العقاد قد شرع قبل سفره بالتحضير لكتابه عن «عبقرية عمر» وبدأ فى الصفحات الأولى منه حتى فاجأته فكرة السفر بغير استعداد إلى السودان يقول فى مقدمة كتابه عن ذكرياته عن تلك الفترة: فوصلت إليه وليس معى من مراجع الكتاب إلا قليل، وكانت الصفحات الأول التى كتبتها فى القاهرة مما تركته مع المراجع الكثيرة فيها، فأعدت كتابتها فى الخرطوم ومضيت فيه هنالك حتى انتهيت من أكبر شطريه، واستغنيت بمراجع الخرطوم عن المراجع التى أعجلنى السفر عن نقلها، لأن أدباء السودان وفضلاءه يدخلون جملة صالحة من هذه المراجع، ويجودون بها أسخياء مبادرين إلى الجود، فلا أذكر أننى طلبت كتاباً فى المساء إلا كان عندى فى بكرة الصباح، وإنى لأتوفر على كتابته وأحسبنى منتهيا منه فى السودان، إذ رأيتنى مرة أخرى على سفر بغير أهبة إلى القاهرة، فعدت إليها بالطائرة ألتمس العلاج السريع، لأن يديّ أوشكتا أن تعجزا عن تناول القلم بما عراهما من ثآليل «الخريف» وهى حبوب مستديرة مشققة فى حجم الحمصة أو دونها. وفى خطابه إلى عبده الزيات يتحدث عن جملة أحواله الصحية فى السودان رداً على خطاب صديقه.

يقول العقاد فى خطابه: أخى الأستاذ عبده تحياتى إليكم وشكرى لسؤالكم وأحسب أن الأحوال خير مما تركناها قبل ثلاثة أسابيع، أما التفكير فى العودة الآن غير بعيد، وعسى أن نراكم وإخوانكم فى وقت قريب. المقام فى الخرطوم لابأس به، ولولا أيام يشتد فيها الحر والرطوبة معاً لكان الجو هنا أشبه بجو المصائف المحبوبة. وليس الأمر مع ذلك بالعسير الاحتمال ما استرحنا من الجهة الصحية ونحن مستريحون منها الآن بحمدالله. عباس محمود العقاد 26/7/1942 وقد كتبت الرسالة السابقة بالحبر الأحمر على ورقة متوسطة الحجم، أما الرسالة الثانية فهى أطول قليلاً وكتبها العقاد بالحبر الأسود، ويكتنف سطورها كثير من الغموض الذى حاولنا الكشف عنه ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وهى رسالة غاضبة فى مجملها وقد تضمنت أكثر من موضوع.

فقد اجتمع بعض عارفى فضل العقاد للاحتفال بعيد ميلاده السبعين بوضع كتاب عنه، ولكن يبدو أن هذا الكتاب لم يحظ برضاء العقاد الذى افتقد فيه أنصاره المعجبين به، ومنهم عبده حسن الزيات الذى عاتبه لعدم مشاركته فى هذا الكتاب، رغم أنه أخبر العقاد بأنه لم يعرف بخبر هذا الكتاب فى حينه ولم يطلب منه أحد المشاركة فيه، غير أن الذى أثار غضب العقاد أكثر من غضبه لنفسه فهو مهاجمة سعد زغلول الذى ارتبط به حباً وإعجاباً وتقديراً متبادلاً، منذ أن كان سعد وزيرا للمعارف قبل أن يصير زعيماً، وقد سماه سعد: «الكاتب الجبار» وكتب عنه العقاد: «سعد.. سيرة وتحية»، وكان يستفزه مهاجمة سعد أو انتقاده، ويبادر بالرد والدفاع. من أمثلة ذلك رده على الرافعى فى مجلة «الهلال» (عدد سبتمبر 1947) متهما إياه بتناسى الوقائع، من خلال «كلام قرأناه فى كتاب المؤرخ الفاضل الأستاذ عبدالرحمن الرافعى بك عن أعقاب الثورة المصرية، يقول فيه: إن سعداً خذل مشروع الجامعة باستقالته من لجنته بعد ولايته «نظارة المعارف العمومية». أما استقالة سعد من لجنة الجامعة فقد كانت ضرورة لا فكاك منها فى ذلك الموقف، لأنه لم يكن فى وسعه ولا من مراده أن يخضع اللجنة الأهلية لتفتيش نظارة المعارف وأحكام برامجها.. ولم يكن اشتراكه فى اللجنة باعتباره ناظراً للمعارف ميسوراً بغير إخضاعه لتفتيشها وبرامجها، ولكنه نفع الجامعة من جانب الحكومة كما نفعها من جانب الأمة، فواصل سعيه فى الحكومة حتى تبرعت لها بخمسة أضعاف ما حصلته من أموال المتبرعين...».

ويضيف العقاد فى تفنيده لآراء الرافعى فى نقد سعد زغلول .. «وقال الأستاذ الرافعى إن سعداً قاوم التعليم باللغة العربية، وهو غير صحيح، وكل ما فعله سعد أنه رأى أن نقل التعليم فى جميع المدارس من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية غير مستطاع فيما بين ليلة ونهار، لأنه يحتاج إلى كتب توضع ومدرسين يتعلمون، ويتخرج منهم العدد الكافى للمدارس الحكومية والأهلية.. وفى خلال ذلك بدأ سعد بإسناد النظارة فى المدارس الثانوية إلى المصريين بعد أن كانت مقصورة على الإنجليز دون غيرهم، وكان هو أول من اقترح على الجامعة المصرية أن تضيف تعليم الآداب العربية إلى آداب اللغتين الإنجليزية والفرنسية، وكانت آداب هاتين اللغتين هى موضع العناية الأولى فى قسم الآداب.. وكل الجامعة المصرية يومئذ كانت قسم آداب».

ويمضى العقاد فى رده على الرافعى مؤكداً أن مكانة سعد «باقية ما بقى للحركة القومية فى مصر تاريخ مذكور». وإذا كان العقاد يحسن الرد على من يحسن النية فى انتقاد سعد زغلول كالرافعى، إلا أنه أمام الافتراء والادعاء لا يملك إلا أن يكون عنيفاً كما جاء بخطابه إلى صديقه عبده الزيات الذى كان يشاركه الإعجاب بسعد، كما يؤكد يحيى حقى «كان معشوقه فى السياسة سعد زغلول، وفى الأدب طه حسين».

ومن ثم كان من الطبيعى أن يبث العقاد شكواه إليه ممن يتقولون على سعد، مثل أحمد فؤاد صاحب جريدة «الصاعقة» الملقب بفؤاد الصاعقة، ويتذكر عبده الزيات «قرأت فى المجلة مقال العقاد عن صاحب الصاعقة، فارتددت أربعين عاماً إلى الوراء ورأيتنى يوم الجمعة يوم نزهة القسم الداخلى بالمدرسة الخديوية أسير من درب الجماميز إلى شارع محمد على، تحت البواكى إلى العتبة الخضراء، أقلب الصحف أو هذه الأوراق فى أيدى الباعة ومنها «الصاعقة»، ورأيتنى أسخط عليها كل السخط حين أقرأ شتمها لسعد زغلول فى إسفاف بلغ إلى قوله «إنه قوّاد وليس قائدا».

وهذه الشتائم لاتخلو من غرض يؤكده الشاعر صالح جودت كشاهد من أهلها حين يقول «سمع من المرحوم أحمد فؤاد صاحب جريدة «الصاعقة» الملقب بفؤاد الصاعقة.. أنه كلما أعوزه المال، أوفد إلى شوقى (الشاعر) رسولاً يخبره بأن فؤاد الصاعقة سوف يهاجمه. وكان شوقى يفزع من النقد، فكان إذا سمع هذا، أوفد إلى صاحب الصاعقة من ينفحه بما شاء من المال ليسكت عنه». وقد فعل فؤاد الصاعقة شيئاً مثل ذلك مع أحد المحامين الذى تولى إقامة دعوى جنحة مباشرة ضد صحيفة «الصاعقة» التى هاجمت أحد المستشارين، فما كان من صاحبها إلا أن ذهب للمحامى ليغريه بالعمل عنده فى جريدته، روى ذلك عبده حسن الزيات فى كتابه «يوميات محام»، وأضاف «ولكنى خطر لى خاطر مؤلم بعض الإيلام إثر قراءة مقال العقاد. أليس من الناس حتى اليوم من يدارون الصحف خشية من نقدها أو التماسا لسكوتها أو طلباً لحديثها عنهم، وتنويهها بهم. أليس فى الصحف حتى اليوم ما يبين أحياناً أنها تسعى إلى أغراض خاصة عن طريق الكلمة أو التهديد بالكلمة أو السكوت عن الكلمة؟».

فما أشبه اليوم بالبارحة. وفى محاولة من عبده الزيات لتهدئة العقاد تجاه الهجوم على سعد قام بتذكيره بمسامحة سعد زغلول نفسه لأحمد شوقى، فرد العقاد «أن المسامحة فى تلك الفترة قد شملت ما هو أشد من ذلك وأغلظ وأسفل، وهو المؤامرة على قتل سعد فى أسيوط». فما هى قصة مسامحة سعد زغلول لأمير الشعراء، وما هى قصة المؤامرة على قتل سعد فى أسيوط؟ إنها إشارات غامضة فى رسالة العقاد لعبده الزيات، مما يحتاج معه إلى إيضاح وتفسير.

لنبدأ بشوقى، وسوف نجد تفسيراً لقصته عند الشاعر صالح جودت فى كتابه «بلابل من الشرق» حين يقول «ولقى شوقى كذلك حرباً عواناً من بعض الصحف الكبيرة، لظروف قاسية شتى، منها صلاته الوثيقة بالقصر، وخصومته فى بعض الآونة لسعد زغلول، وصلة المصاهرة التى ربطته بإسماعيل صدقى، وكان الكتاب يومئذ يخلطون بين السياسة والأدب، ولا يفرقون بين شوقى الشاعر وشوقى صهر إسماعيل صدقى». ومما كان له أثره فى الجفوة بين شوقى وسعد، هو شقيق سعد نفسه، فتحى زغلول.. يقول صالح جودت «حسبنا من أمره أنه كان قاضى دنشواى، وعون الإنجليز على شهدائنا.. وحين رقى إلى منصب وكيل الحقانية (العدل الآن) مكافأة له من الإنجليز على أحكامه فى قضية دنشواى، أقام له الوصوليون حفلة تكريم فى فندق شبرد (القديم) ودعوا شوقى إلى أن يسهم فى الحفلة بقصيده، فظل يسوفهم، ويسوفهم إلى أن استيأسوا، فإذا بهم يفاجأون بظرف يصل إلى «شبرد» قبل بدء الحفل بلحظات، وبداخله هذه الأبيات: إذا ما جمعتم أمركـم وهممتمـــوا بتقديــــم شيء للوكيل ثمين ــ خذوا حبل مشنوق بغير جريـــرة وسروال مجلود وقيد سجين ــ ولا تعرضوا شعرى عليه فحسبه مـن الشعر حكم خطه بيمين ولا تقرأوا فى «شبرد» بل اقرأوا على ملأ فى دنشواى حزين. ويضيف صالح جودت أنه رغم الجفوة التى كانت بين شوقى وسعد فى بعض الآونة إلا أن «تقدير كل من الرجلين للآخر لم يتأثر بهذه الجفوة فى يوم من الأيام، بل إن كلا منهما كان يطوى صدره على ودّ كامن للآخر، تحول دون إظهاره قسوة الظروف.

فإن أردت مصداقاً لهذه الحقيقة، فحسبك أن تعرف أن سعداً، يوم زفاف «على» ابن شوقى، أجّل البرلمان (الذى كان يرأسه) ساعة كاملة ليحضر الحفل.. وهذا شىء لا نظير له فى تاريخ البرلمانات. وحين ذهب وجلس مع شوقى، أخذت لهما صورة معاً. وقال الأستاذ الجديلى، وهو يومئذ سكرتير سعد: «هذه صورة الخالدين». فابتسم سعد، وأشار إلى شوقى قائلا: «هنا الخلود» وخرج سعد، فقال شوقي: حقاً إنه لزعيم حائز لكل صفات الزعامة. قيل له: وما صفاتها؟ قال: أن يكون الزعيم على بسطة من العلم والجسم، قوياً على نفسه، جريئاً فى الحق، خبيرا بمختلف الشئون السياسية والقانونية، قوياً وليس بقاس، رحيماً وليس بضعيف، خطيباً قوى الحنجرة، حسن البيان والإلقاء، يقدر الكبير من أعوانه، ولا يجرح صغيرهم.. وقبل ذلك يكون حسن الوجه، فلم يرسل الله نبياً قبيح الخلقة قط».

فهل اعتبر شوقى أن سعداً كان يشبه الأنبياء، نبياً للوطنية طبعاً! فقد كانت هذه حكاية شوقى مع سعد. فما هى حكاية سعد مع مؤامرة أسيوط؟ سألت المؤرخ الراحل عبدالعظيم رمضان عن قصة هذه المؤامرة فاعترف أنه لا يدرى عنها شيئاً رغم أنه الذى حقق وأشرف على إخراج مذكرات سعد زغلول إلى النور، وأطلق مفاجأة أخرى وهى أنه لا تزال لمذكرات سعد زغلول بقية لم تنشر بعد لأنها موجودة فى الصحف وباتت معروفة بعد تسليط الأضواء على سعد كزعيم للأمة، ومن ثم فقد تم التوقف عند المرحلة المجهولة من حياة سعد وهى التى باتت بين يدى القراء.

وسألت الراحل أيضا د.رءوف عباس أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، عن المؤامرة على قتل سعد فى أسيوط فلم أجد عنده أيضاً جواباً. واتجهت أخيراً إلى الراحل كذلك د.يونان لبيب رزق أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر، والذى كان يتابع تاريخ مصر من خلال ما نشرته الأهرام يوماً بيوم، حيث تمكنه متابعته اليومية للأحداث فى تلك الفترة من الإلمام بتفاصيلها، ولكنى أيضاً لم أجد الإجابة المتوقعة، وإن كان قد دلنى على مفتاح الجواب عند سعد فخرى عبدالنور، حيث كان والده فخرى عبدالنور هو أحد زعماء الصف الثانى لثورة 1919، وهى ميزة تضاف إلى سعد زغلول الذى نظم أكثر من صف لاستمرار الثورة فى حالة اعتقال أو نفى الصف الأول.

وقد وجدت الإجابة عن مؤامرة أسيوط المشار إليها فى خطاب العقاد، عند سعد فخرى عبدالنور «سكرتير حزب الوفد» الذى التقيته قبل رحيله بأيام، حدثنى عن الظروف التاريخية التى وقعت خلالها هذه المؤامرة التى كان والده فخرى عبدالنور شاهداً عليها، عندما سافر عدلى يكن رئيس الحكومة ليفاوض الإنجليز 1921 كان من رأى سعد زغلول أن رئيس وفد التفاوض يجب ألا يكون رئيس الحكومة، بل يكون زعيم الأمة أى سعد زغلول، وانقسمت الأمة بين سعديين وعدليين، وألقى سعد زغلول خطبة فى شبرا تساءل فيها: على أى أساس يقوم عدلى بالتفاوض، وهو المعين من قبل السلطان فؤاد، وهو المعين بالتالى من قبل الإنجليز، فكأن «جورج الخامس يفاوض جورج الخامس»، وقد فشلت المفاوضات فى يوليو 1921. وقد أرادعضوا «الوفد» سينوت حنا فى أسيوط وفخرى عبدالنور فى جرجا دعم سعد زغلول فى موقفه وإظهار التأييد له فى صعيد مصر، فرافقاه على الباخرة «نوبيا» فى رحلة عبرالنيل فى الفترة من 16 إلى 17 أكتوبر 1921، وذلك بعد أن رفض سعد زغلول ركوب القطار فى تلك الرحلة، وحين وصل سعد إلى أسيوط كان المعادون لسعد من الموالين لعدلى يكن من بيتى «محفوظ» و»خشبة» قد هدموا الزينات التى أقامها سينوت حنا، تحية لسعد، بل وأطلقوا ألف طلقة كمحاولة لاغتيال سعد مما لم يجعله قادراً على النزول من الباخرة إلى أسيوط، مما اعتبره «سينوت حنا» إهانة شخصية له، لأنه لم يستطع استضافة سعد فى بلده، فحاول الانتحار، ولكن فخرى عبدالنور خفف عنه وراح يقنعه بأنه سيعوضه عما حدث باستضافة سعد فى جرجا، وسيكونان معاً على رأس المستقبلين لزعيم الأمة، ووصلت الباخرة بسعد وصحبه إلى سوهاج فأحسن الجميع استقبالهم، وعلى رأسهم آل محمود الحمادى، واعتزم المناوئون لسعد إفساد استقباله فى جرجا، بإحراق بيت فخرى عبدالنور، مما استفز الشيخ «أبو الوفا الشرقاوى» شيخ نجع حمادى، فسافر قبل وصول سعد إلى «جرجا» وطلب فتح حجرة النوم بالدور الأول فى بيت فخرى عبدالنور ليبيت فيها قبل مجىء سعد فى الصباح، وأبرق إلى اللورد اللنبى المندوب السامى البريطانى فى مصر والذى كان يعلم أنه وراء كل المؤامرات التى تريد إفساد زيارة سعد إلى صعيد مصر، وأخبره متحدياً أنه إذا كان يريد إحراق بيت فخرى عبدالنور فسيحترق بداخله، وعليه أن يتحمل النتائج!.

وأسقط فى يد اللنبى الذى أبرق إلى حكومته أنه لا يستطيع أن يحكم مصر فى ظل وجود سعد، وأوصى بنفيه نهائياً مثل عرابى، وقد استقبل سعد فى «جرجا» أحسن استقبال، ولكن تم القبض عليه بعد ذلك فى 21 ديسمبر 1921 وتم نفيه إلى سيشيل فى رحلة قصد منها ألا يعود، ولكن ثورة الشعب اضطرت السلطات البريطانية إلى إعادته، ليعلن بعد عودته تسامحه مع كل من أساءوا إليه قائلاً «إن الوطن غفور رحيم» ليضع خصومه فى عباءته.

ولعل هذا ما يفسر قول العقاد فى رسالته إلى عبده الزيات «وللسياسة الوطنية أحكام». أما رسالة العقاد فنصها كالتالى: عزيزى الأستاذ الزيات أما بعد فالمسئولية عن كتاب «العقاد» مقبولة ولكن بعد تحديدها على الوجه الذى يرتضيه القانون كما يرتضيه الأدب. هى مسئولية كمسئولية أبى الطيب (المتنبى) مثلاً عن دارسيه الذين يكتبون عنه ويقيمون المحافل لذكراه المئوية والألفية ولا يشركون معهم أنصاره والمعجبين به من أبناء اللغة العربية، ويلزمه من هذه المسئولية ما يلزمنا بغير اختلاف.. وإننى على استعداد لسحبه معى إلى ساحة القضاء عند الاقتضاء. ومسئولية أخرى كهذه تماماً وهى مسئولية الأستاذ عبده الزيات عن عدم اشتراكه فى كتابة المجموعة، ولا يعفيه منها أنه لم يعرف بخبرها ولم يسأل عنه، بعد العلم بإعدادها أو إعداد ما هو من قبيلها لمناسبة السبعين، منذ سنتين.

وامسح ونحن نمسح، أو حاسب ونحن نحاسب على مشقة الإنصاف والمساواة! أما الأقاويل عن سعد فقد أرحت نفسى وأرحت سعدا من سوقه إلى قفص الاتهام كلما خطر لرقيع أن يسىء إليه وإلى التاريخ، وملعون أبو هذا التاريخ الذى يلجئ عظمة سعد إلى رد الاعتبار أمام كل افتراء وكل ادعاء، ورأيى فى ملاحظتكم عن مسامحته لشوقى أن المسامحة فى تلك الفترة قد شملت ما هو أشد من ذلك وأغلظ وأسفل، وهو المؤامرة على قتل سعد فى أسيوط. وللسياسة «الوطنية» أحكام. وعندكم الجبلاوى (صديقه) يعلم فوق ما نعلم مغترفاً من نيلها العذب أو من بحرها الطامى كما قال شوقى سامحه الله أيضاً.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق