الجمعة 19 من جمادي الأولى 1440 هــ 25 يناير 2019 السنة 143 العدد 48262

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أفراح الذاكرة الله يصون دولة حسنك

السّماح عبد الله;

كان «عبده الحامولى» معتادا على زيارة السيدة زينب، المقام يمنحه هدأة روحية، وقصّاد المكان يمنحونه ونسا وألفة، والفوانيس الدوّارة خطافةٌ للوجدان، يصلى، ويملأ عينيه من الفرح، وجيوبه من الموسيقى، ويعود ليحتضن عوده، ويغنى. مرة، وهو عائد من زيارة المقام، أحس بالعطش، فميل على سبيل إبراهيم المانسترلى ليشرب، كان السبيل مزدحما بالنسوة اللأئى كن يملأن صفائحهن النحاسية وأباريقهن الفخار، وكن يساعدن بعضهن فى حمل الأوانى على رءوسهن، فيتسلل خيط الماء على وجوههن، فيضحكن، انتحى جانبا حتى ينتهين من ملأ الأباريق ومن حصة الضحك، وكان عطشانا.

.............................................................

إحدى هاتيك النسوة كانت أكثرهن فرحا، وعرف من كلامها مع رفيقاتها أن ابنها سيزف إلى عروسه الخميس المقبل، وقد كانت تدعوهن جميعا لحضور الفرح، وعرف أن ابنها هذا هو وحيدها الذى طلعت به من الدنيا، وعرف أن هذا الفرح هو فرحها الذى تنتظره طوال عمرها، رفيقتها، وهى تسند لها إبريقها الفخار، قالت لها بصوت عال:

ما كل هذا الفرح الذى أنت فيه، هل «عبده الحامولى» سيغنى فى فرح ابنك، حتى تقومى بكل هذا الصخب. من الواضح أن المرأة كانت فقيرة جدا، حتى إنها لم ترد على تساؤل من سندت لها الإبريق الفخار، فحملته، ومضت.

«عبده الحامولى» مشى وراءها، وقبل أن تدخل لبيتها استوقفها، وقال لها:

أنا عطشان، والنسوة فى السبيل كن كثيرات فلم أشرب، فهل تبلين ريقى من إبريقك الفخار؟

ميلت الإبريق وقالت له:

بالهنا يا ولدى.

شرب، وحمد الله، وقال لها:

وأين ستقيمين فرح ابنك؟

ببساطة أشارت له على مدخل بيتها وقالت:

فى هذه الفسَحة.

بارك لها فرح ابنها، وتركها ومضى.

صباح الخميس الذى سيقام فيه فرح ابنها، طرق الفراشون والجزارون والعمال بابها، يستأذنونها فى القيام بأعمالهم، اندهشت، وسألتهم:من الذى أوصاكم بهذا؟ أجابوها واحد من محاسيب السيدة زينب.أطلقت السيدة زغرودة، وهى ترى الكناسين يكنسون الفسحة، والسقائين يرشونها بالماء، والعمال ينصبون الصوان، والجزارين يذبحون الخراف ويوقدون النيران.

انطلق المنادون فى شوارع الحسينية وبولاق والأزبكية، يدقون على الدفوف ويقولون بصوت منغم: من يريد أن يستمع إلى «عبده الحامولى» فليذهب إلى فرح السيدة زينب، بعد العشاء.

الصوان، ابتدأ من مقام السيدة زينب، وامتد حتى نهايات شارع الخليج المصرى الذى كان يمر به فرع من نهر النيل، ليسقى سكان قلعة محمد على، وقد امتلأ عن آخره بسميعة «عبده الحامولى»، الذين تعشوا وشربوا من سبيل الست صالحة، ومن سبيل يوسف بك، ومن سبيل إبراهيم المانسترلى، وجلسوا فى انتظار «عبده الحامولى».

عندما أهل على المطرح، صفق السميعة، وزغردت النسوة، فصعد وجلس على كرسيه، واصطف تخته وراءه، وصمت الناس كلهم كأن على رءوسهم الطير، ولما أعطى إشارة لتخته بالبدء، انسابت الموسيقى رقيقة حالمة وخاطفة، ثم رفع «عبده الحامولى» يده بجوار فمه، وبدأ يغنى من مقام الحجاز كار: الله يصون دولة حسنك على الدوام من غير زوال ويصون فؤادى من جفنك ماضى الحسام من غير قتال أشكى لمين غيرك حبك أنا العليل وانت الطبيب إسمح وداوينى بقربك واصنع جميل إياك أطيب.

وغنى من مقام النهاوند، ومن مقام الرصد ومن مقام الصبا، غنى حتى أن الحمائم انتقلت من هوائها الدوار حول مقام السيدة زينب، وحطت على شبابيك البيوت القريبة من الصوان، وحتى أن السقائين الذين يملأون قربات الماء من الأسبلة كلها، تركوا مياههم تقطر من أفواه القرب حتى صارت جلدا خاويا، ولم يشعروا بخفة أحمالهم من نشوة المقامات ومن حلاوة الكلام.

غنى «عبده الحامولى» كما لم يغن من قبل، وتسلطن ربما أكثر من تسلطنه وهو فى حضرة الخديو «إسماعيل»، وبعد أن وقف ليحيى السميعة، ويرد على قافية المقفين بقوافٍ شبيهة، فرد منديله المحلاوى الكبير، وقال بصوت ليس منغما وليس له مقام طربى:

من يحب «عبده الحامولى» فليُنَقّطه.

ومر عليهم واحدا واحدا، الأعيان والخفراء والأفندية، المعممون والمطربشون وأصحاب الطواقى الشبيكة، اللصوص وتجار الليل، وفتوات الحارات، حتى امتلأ منديله بالجنيهات الذهبية والفرنكات والريالات والقروش والملاليم.

المرأة التى سندت الإبريق الفخار لأم العريس، اقتربت منها وسألتها:يا لك من قادرة، كيف دعوت «عبده الحامولى»، فأنا كنت أمزح معك.

قبل أن ترد عليها، وجدت «عبده الحامولى» يقف أمامها، ويقدم لها صرة المنديل المحلاوى، ويقول لها:

هذا نقوط ابنك.

ثم خلع خاتمه الذهبى وقدمه لها وهو يقول:وهذا هديتى أنا له.

المرأة، أخذت منه الصرة والخاتم، وقالت له:انتظر حتى أعود.

ذهبت لبيتها، وعادت وهى تجرى، حاملة إبريقها الفخار، كان ممتلئا بالماء، وهى كانت ممتلئة بالفرح، وقدمته له، وهى تقول:

أنت العطشان الذى سقيته منذ ثلاثة أيام أمام البيت من هذا الإبريق، ولم أكن أعرف أنه سيد الصييتة وإمام المطربين، اشرب يا ولدى، إنه من سبيل إبراهيم المانسترلى، والسيدة زينب تباركه، وتبارك كل من يشرب منه.

أخذ منها الإبريق، وشرب، كان الماء له رائحة النعناع، وهو كان عطشانا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق