الأربعاء 17 من جمادي الأولى 1440 هــ 23 يناير 2019 السنة 143 العدد 48260

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

من الأرجنتين لـ«بنما».. محاولات الإصلاح الاقتصادى

مها صلاح الدين
ماوريسيو ماكرى

تماما عكس ما تصوره لنا التقارير الإعلامية دوما عن أمريكا اللاتينية بوصفها إحدى بؤر القلق العالمى، ولا سيما لجاراتها الشمالية سواء الولايات المتحدة أو كندا، فالاقتصاد اللاتينى يزخر بالكثير من النماذج والأمثلة المشرفة للاقتصاديات الناشئة القادرة على تحقيق معدلات نمو هائلة تصل فى كثير من الأحيان إلى 7% و8%، بالتأكيد قد تتعثر أحيانا، شأنها فى ذلك شأن معظم دول العالم، لكنها دائما قادرة على تجاوز كبوتها، والعودة من جديد لتقديم أفضل ما عندها.

ولعل الأزمة الراهنة التى تمر بها الأرجنتين، ثالث أكبر اقتصاديات القارة بعد المكسيك والبرازيل، هى الأقرب للأذهان خاصة فى ظل الهبوط الحاد الذى شهده البيزو الأرجنتينى حيث فقد فى بضعة أشهر أكثر من نصف قيمته، وتضاعفت معدلات التضخم سريعا لتصل إلى 48%.

الأزمة بدأت مع تشديد البنك المركزى الأمريكى لسياساته النقدية، ورفعه لأسعار الفائدة على القروض، فى الوقت الذى تغرق فيه الكثير من الحكومات فى الاقتراض حتى أذنيها، ولا سيما الحكومة الأرجنتينية التى تصارع معدلات تضخم مرتفعة طوال الوقت لا تقل فى أفضل الأحوال عن 20٪.

هنا سارع المستثمرون العالميون بالهرب بعيدا عن الأصول الأكثر عرضة للخطر، فكانت الأرجنتين على رأس قائمة الدول المحظورة، نظرا لأزمتها التى اندلعت قبل خمس سنوات عندما عجزت عن سداد مستحقات مستثمرين فشلت صفقتها معهم فى اللحظة الأخيرة.

« البيزو»، من جانبه، انهار سريعا، ليصبح الدولار بـ41 بيزو، بدلا من 19 بيزو قبل الأزمة.

هنا هرولت حكومة الرئيس الأرجنتينى ماوريسيو ماكرى سريعا إلى صندوق النقد الذى قدم قرضا بقيمة 57 مليار، ليكون الأعلى فى تاريخه. الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد، بل ما زاد الأمر سوءا هو ذلك الجفاف الذى ضرب البلاد الصيف الماضى بقوة، وأتلف محاصليها الاستراتيجية ـ مما أدى إلى انكماش الاقتصاد وتراجعه بنسبة 6.7٪، ليكون أسوأ أداء له منذالأزمة المالية العالمية. لكن، وبالرغم من كل هذا، فإن الأرجنتين حتما ستتمكن من تجاوز أزمتها سريعا، كما فعلت من قبل خلال أزمتى عام 2001 و2014.

وبعيدا عن الأرجنتين، توجد نماذج أخرى كثيرة مشرقة فى أمريكا الجنوبية، ولا سيما تجربتى بوليفيا وبنما. تضررت الدولتان بشدة من أزمة الديون السيادية التى عصفت بالعديد من الاقتصاديات الناشئة حول العالم مطلع ثمانينيات القرن الماضى، لتشهد بوليفيا وحدها، على سبيل المثال، تراجعا غير مسبوق لعملتها فى مواجهة الدولار الذى تضاعف أمام البيزو البوليفى فى السوق السوداء، ووصل سعر صرفه بدلا من 5 آلاف بيزو بوليفى فى يونيو 1983 إلى 2 مليون بيزو فى يونيو 1985. حاليا، تتصدر بوليفيا معدلات التنمية فى القارة اللاتينية بمعدلات نمو تبلغ 5% سنويا ، بل احتلت المركز الأول فعليا على مدى ثلاث سنوات متتالية انتهت عام 2017.

نجت بوليفيا ليس فقط عبر اعتمادها على هبات وحزم إنقاذ المؤسسات المالية الدولية، بل انتهجت فكرا جديدا فى علاج أزمتها، يعرف باسم «العلاج بالصدمات» الذى يعمل على تفكيك كامل النموذج الاقتصادى للبلاد لتحويله إلى نظام الاقتصاد الحر، مما مكن البلاد بالفعل من تخفيض تضخمها الجامح إلى 10% فقط فى مدة لم تتجاوز العامين.

أما بنما، فواجهت أزمتها باعتماد إصلاحات هيكيلة، وإعلانها تحرير السوق والتجارة، لتتعافى سريعا من أزمتها وتوفر موارد جديدة قادرة على جذب الاستثمارات المحلية والدولية، لتشكل اقتصادا من أسرع اقتصاديات القارة نموا. ويبقى هذا بعضا من كل، فالقائمة مازالت طويلة، والأمثلة كثيرة. فالقارة اللاتينية أبدا لم تكن عبئا عالميا، بل إضافة جيدة لاقتصاده، ومعلم «شاطر» لكل من يريد أن يضع قدميه على بدايات الطريق الصحيح.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق