الجمعة 12 من جمادي الأولى 1440 هــ 18 يناير 2019 السنة 143 العدد 48255

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مى زيادة.. كيف خرجت مذكراتها من مصر؟!..
ليالى القسوة والألم فى مستشفى الأمراض العقلية

أشـرف عبد الشـافى

 جوزيف.. الشاب الذى أحبته.. فسرق عقلها واستولى على ممتلكاتها!

 

عندما رأى الدم يسيل، زاد هياجه كثور جريح،حمل مزهرية وهو يغلى: اليوم سأقتلك يا مجنونة!. منذ تلك اللحظة نسيتُ أنى موجودة فقد امتدت كل الأيادى نحوى لتمزقنى.. أصبح جسدى مستباحا.. أصبتُ بدوار عندما ضربنى «جوزيف» على رأسى وجرّنى من شعرى ورمانى بين يدى الطبيب والممرضة، الكل كان متشبثا بجسد منهك..، كانوا ثلاثة ضد امرأة واحدة ووحيدة، هل كانت التى بين إيديهم هى «مى» الكاتبة المعشوقة من عشرات الرجال،الأنيقة التى تختار كلماتها وجملها وألبستها ومكياجها، أم كائنا آخر من كوكب غير معلوم؟!.. «هكذا تبدأ مى زيادة مذكراتها التى كتبتها فى « العصفورية» وهى مستشفى الأمراض العقلية والنفسية ببيروت، وبعد رحلة طويلة وشاقة عثر الروائى الجزائرى «واسينى الأعرج» على تلك المذكرات المفقودة فى قصة مثيرة سنتوقف عندها كما نقلها فى كتابه: (ليالى إيزيس كوبيا: ثلاثمائة ليلة وليلة فى جحيم العصفورية دار بردية للنشر 2018)، لكن دعونا نعود إلى «مى زيادة» ودموعها التى صاحبتها فى ليالى العصفورية القاسية.

..............................

وقائع اغتيال كاتبة كبيرة

ما كانت ترويه لنا هو مشهد دخولها مستشفى الأمراض العقلية، وجوزيف الذى ضربها وأهانها هو ابن عمها الذى أجبرها على ذلك فى مؤامرة للاستيلاء على أملاكها، فانكسر قلبها وعاشت ثلاثمائة ليلة وليلة فى جحيم الصدمة والمكان الذى وجدت نفسها فيه وحيدة معزولة لا يصاحبها سوى البكاء والصراخ الهيسترى والألم والمهدئات حتى وهن القلب وجف الدمع حزنا وحسرة على الدنيا والأصدقاء الأنذال والعشاق الغدارين والأخلاء الخونة، ثلاثمائة ليلة وحيدةً بعد أن كانت مُلهمة الشعراء وأسطورة المفكرين.. «مى» التى ملأت الدنيا حضورا فى قاهرة العشرينيات وشغلتْ عقول الكبار وألهبتْ خيالهم ورسائلهم أصبحت وحيدة مع جدران باردة وموحشة ومخيفة!، تركها الجميع واعتبروها «مجنونة» لتواجه مصيراً هو أسوأ ما يمكن أن يحدث لإنسان من ذويه وأهله وعائلته وكل الذين عاشوا فى حياته!. يروى «واسينى الأعرج» وفقاً للوثائق التى حصل عليها أن جوزيف زيادة، ابن عم مى، هو من أدخلها العصفورية، وطلب منها توكيلا لإدارة أموالها وأملاكها الكثيرة والشاسعة بحجة عدم سلامتها صحيا، وبقيت هناك بالقوة مدة تجاوزت السبعة أشهر، ذاقت خلالها كل ألوان التعذيب النفسى والجسدى، خاصة بعد أن قررت الإضراب عن الطعام فأجبروها عليه بالقوة.

كانت «مى» فى تلك الفترة (1936) تعانى الوحدة والاكتئاب وتنتابها حالات بكاء هيستيرى بعد أن فقدتْ ثلاثة كانوا يمثلون حماية روحية ونفسية لها، أولهم والدها الذى توفى فى حضنها عام 1929، ثم والدتها فى عام 1932، أى بعده بثلاثة أعوام، وقبلها بعام حارس أحلامها الأديب جبران خليل جبران الذى كان يكبرها بثلاث سنوات، والذى توفى فى عمر الثامنة والأربعين بسرطان الكبد، فلم تجد أمامها أحداً تطلب منه مساعدتها وتعترف له بما تعانيه سوى «جوزيف»، وليتك تعلم أن جوزيف كان السر الأعظم فى حياة مى زيادة، ليتك تعلم أنها اختارته عندما كانت شابة مراهقة وتحدت من أجله العائلة التى كانت تريد تزويجها من شقيقه «نعوم»، لكنها أصرت على فسخ خطوبتها حتى تظل مخلصة لحبها الحقيقى، ليتك تعلم أنه تركها وسافر إلى باريس لدراسة الطب عام 1905 وظل يعيش بداخلها حتى الفصل الأخير من حياتها: «أخى الصغير مات وانتهى،لماذا ظللتُ أصر على أن يكون لى أخ يرافقنى، يحسسنى بالأمان.. كان ميلى إلى ابن عمى جوزيف من هذا الباب فى البداية، أحببت جوزيف فخطبوا لى أخاه «نعوم»!، كيف أعيش مع رجل أنا أحب أخاه؟، نحن فى 1903 وقد وقعتُ بين كماشتى جوزيف ونعوم، نعوم كان ثقيل الظل وجامدا مثل حجر،وجوزيف كان قريبا إلى قلبى يقاسمنى كل شيء حتى قُبلى المدرسية المسروقة وأكثر ثقافة وأناقة وحبا للحياة،مولع بالطب الذى كان يدرسه فى بيروت..».

اتصلت «مى» بجوزيف فطلب منها القدوم من القاهرة إلى بيروت لتستريح قليلا وتهدئ أعصابها، وهناك احتجزها فى بيته وجاء إليها بشخص مزيف على أنه باحث متخصص فى الآداب الانجلوسكسونية للتخفيف من عزلتها ثم اتضح بعدها أن الرجل المزيف لم يكن إلا مدير مستشفى العصفورية الذى جاء به جوزيف ليؤكد له أن «مى» أصبحت خطرا على العائلة بجنونها، وعندما فهمت اللعبة واعترضتْ وصرختْ فيهما كانت سيارة العصفورية فى انتظارها، فألبسوها جاكيت المجانين، واقُتيدت أمام نظر الجميع إلى مستشفى الأمراض العقلية: «منذ الأسبوع الأول فى بيروت، ذكّرت ابن عمى الدكتور جوزيف زيادة بوعده، وقلت له إننى أرغب فى الرجوع إلى بيتى، فأنا بخير ولا أحتاج إلى أى شيء. فطيّب خاطرى ببعض الكلمات، وأبقانى عنده شهرين ونصف الشهر على مضض منى، وأنا أطالبه بالعودة. حتى استكمل برنامجه فى أمرى، فأرسلنى إلى العصفورية، بحجة التغذية، وباسم الحياة ألقانى أولاد الأقارب فى دار المجانين أحتضر على مهل. أحتضر على... مهل..».

فى العصفورية وجحيم لياليها التى بدأت فى ربيع عام 1936 واستمرت سبعة شهور، كتبت «مى زيادة» أحزانها وآلامها فى مخطوطة أجهدت كل الذين بحثوا عنها سنوات طويلة،حتى عثر عليها «واسينى الأعرج» ليضيف إلى المكتبة العربية والعالمية وثيقة مهمة فى مسيرة هذه السيدة التى ظلمها أهلها واتهموها فى أعز ما تملك ألا وهو عقلها وذكاؤها وحضورها الذى صاحبها منذ طفولتها وحتى ريعان شبابها وهاهم فى نهاية المطاف يسلبونه منها ويحشرونها حشراً وسط المجانين والمهابيل!. ثلاثمائة ليلة عاشتها «مى» فى هذا المعتقل النفسى والجسدى، وكتبت أحداثها وتألمت من أصدقائها وعشاقها الذين شاركوا فى اغتيالها المعنوى عندما تركوها وحيدة،أمين الريحانى، كان أهم من وقف بجوارها وانفرد بنشر وثائق كثيرة ساهمت فى تخفيف معاناتها، حيث تدخل رجال السياسة والقانون ووصلت القضية بلاط الأمراء والملوك فتدخل ملك الأردن وطلب إنهاء مأساتها، وبعد تداول القضية بالمحاكم، طلب منها القضاة أن تلقى محاضرة فى الجامعة الأمريكية، وحضر مجموعة من المحامين والقضاة المحاضرة، فلم تتحدث عن معاناتها ولا كلمة،ولم تسقط منها دمعة حزن أو ألم، وتحدثت بثبات وقوة لمدة ساعة ونصف الساعة عن دور المثقف العربى فى قضايا العصر وأهمية التواصل بين الكاتب والقارئ فهتف القاضى: من أحضر هذا العقل للمستشفى هو المجنون.

وعادت «مى» إلى القاهرة حزينة بائسة وتضاربت قصص وحكايات عن أيامها الأخيرة،وأشيع أخيرا أن هناك مزاداً لعرض مقتنياتها بوسط القاهرة واتضح أنها مجرد كذبة انطلت حتى على وزارة الثقافة المصرية، المهم أنها قضت سنواتها الأخيرة فى القاهرة.

2 جوزيف.. العاشق الذى هدم قصور الأدباء الكبار

منذ رحيلها فى أكتوبر 1941 مرورا بالستينيات والسبعينيات وحتى وقت قريب لم تتوقف الموضوعات الصحفية المثيرة عن علاقات الحب والغرام فى حياة مى زيادة، ولم تتوقف المطابع عن نشر عشرات الكتب ومئات التقارير التى تعلن اكتشاف قصة حب فى حياة «مارى» المولودة عام 1886والتى جاءت إلى القاهرة عام 1907 بصحبة والدها إلياس زيادة الذى انتقلت إليه ملكية جريدة المحروسة وإصدارها يوميا، كانت «مارى» آنذاك فى الحادية والعشرين من العمر وتحمل ثقافة واسعة وتجيد الفرنسية والإنجليزية والألمانية وعكفت على اللغة العربية فأصبحت رائدة عصرها، وكانت مصر تشهدا تطورا كبيراً آنذاك وتنافس عواصم أوروبا بنهضة عمرانية وفنية وأدبية وثقافية دعا إليها الخديو إسماعيل وأصبحت القاهرة عاصمة الفنون التى استقبلت مئات اللبنانيين والسوريين ليصنعوا معا تراثا خالدا إلى اليوم فى كل المجالات، تألقت «مارى» وأضاءت سهرات القاهرة الثقافية ومنذ عام 1911 أصبح اسمها «مى زيادة» الكاتبة والمترجمة التى لقبها خليل مطران بفريدة العصر، ومصطفى صادق الرافعى بسيدة القلم، ويعقوب صروف بالدرّة اليتيمة، ومصطفى عبد الرازق بأميرة النهضة الشرقية، وشكيب إرسلان بنادرة الدهر، والتى اقترن اسمها بعشرات القصص الغرامية مع مشاهير الأدب فى مصر والعالم العربى. على أن الروائى الجزائرى «واسينى الأعرج» هدم كل قصورعشاقها بهذه الاعترافات التى عثر عليها فى مخطوطها الأخير، فلم يكن جبران بهذا الحجم فى قلبها،صحيح أن مراسلاتهما استمرت 20 عاما إلا أنهما لم يلتقيا وظل ما بينهما إعجاب وتقدير لم يصل إلى درجة الغرام، «أمّا حضور جبران خليل جبران فى الرواية، فكان خجولًا جداً، ربّما لأنّه خارج مرحلة المخطوطة الزمنية، إذ بقى كأيقونة رمزًا، روحًا تذكره مع أمّها وأبيها حين اشتداد حنينها إليهما».

وكذلك فإن كل هذا الكم الهائل من رسائل العقاد ولطفى السيد والرافعى والمازنى ومطران وانطون الجميل لم يكن سوى أوهام عاشها الكبار بينما كان قلب الفتاة البيروتية الصغيرة معلقا بابن عمها «جوزيف» الذى كتب نهايتها المحزنة بعد أن حطم فؤادها وأهان كبرياءها ومرمغ بتاريخها الأرض. كان جوزيف هو سرها الحقيقى، فلم تحب سواه رغم مئات القصص والأساطير التى قيلت عن عشاقها، كان جوزيف هو الفتى الذى وهبته روحها وقلبها، لقد أعطت حسب المخطوطة كل طاقتها لهذا الحب، حتى ان أول كتاب صدر لها عام 1911 بعنوان «أحلام الزهور» كان عنه ووقعته باسم «ايزيس كوبيا» وهو الاسم الذى كانت تتخفى وراءه، والذى اختاره واسينى الأعرج بطلا لعنوان كتابه عنها.. وتقول «مى» عن اختيارها هذا الاسم: «كان عليّ أن أخرج من دائرة البشر وأكتب باسم إلهة، استعرت من مارى البداية والنهاية، مى تصغير مارى عند الإنجليز. إيزيس كوبيا يكاد يكون الترجمة الحرفية لمارى زيادة، إيزيس أخت الإله وعروسه، مارى أم الابن وعروس البحر، كوبيا اللاتينية مرادفة لزيادة، أى الشىء الفائض».

3 الرسائل المقطوعة بين مى وعشاقها فى رواية والأعرج

رحلة مؤلمة ونهاية مفجعة سجلتها «مى» فى تلك المخطوطة النادرة التى أجهدت عشرات الباحثين وراءها سنوات طويلة، والتى تبدو جديرة بإعادة النظر فى تاريخ عريض قرأناه على أنه حقائق، فى حين جاءت تلك المخطوطة التى يقال إنها موثقة لتقول إنها «أكاذيب»!،والذين يعرفون أن الكاتبة السورية الشهيرة سلمى الحفار الكزبرى قضت 17 عاماً (منذ عام 1967) تبحث عن أوراق ومقتنيات وتراث مى زيادة،وجمعت قرابة 200 مخطوطة بخط يدها فى مؤلف ضخم صدر عام 1987 وحصلت به على جائزة الملك فيصل، أقول إن الذين يعرفون جهود الكزبرى التى التقت بكل من كان على قيد الحياة من أسرة مى وأصدقائها وأقاربها يعرفون أهمية وخطورة العثور على «ليالى العصفورية» المفقودة منذ رحيل مى عام 1941.. اخفاء جريمة العائلة فى حق «مى زيادة» كان السبب وراء اختفاء تلك المخطوطة الخطيرة كما يرى «واسينى الأعرج» الذى بدأ رحلة البحث عن المخطوطة بالتعاون مع الباحثة الكندية روز خليل، إذ يعمل واسينى بالأساس فى قسم المخطوطات العربية بالمكتبة الوطنية الفرنسية فرانسوا ميتران منذ ثلاثين عاماً، وبدأ التحضير لمشروع تسجيلى وثائقى عن مى زيادة لكن القدر أخذه مع الباحثة الكندية اللبنانية المعروفة «روز خليل» المتخصصة فى الدراسات النسائية العربية فى مركز الأبحاث التاريخية والأدبية بمونتريال إلى البحث عن أهم وأخطر وثائق «مى» التى كتبتها فى العصفورية، فصعدا الجبال والهضاب وفتشا الأماكن وسجلا الحكايات فى رحلة بحث بدأت مقر العصفورية الذى تم بيعه ومرورا بالناصرة فى فلسطين حيث مولدها ثم رحلات بين باريس فلم يعثرا إلا على ثلاث ورقات من المخطوطة، وفى رحلتهما الأخيرة للقاهرة عثرا معا على أهم كنوز «مى زيادة» حيث توصلا إلى سيدة تدعى أم الصبايا فى أحد شوارع الجيزة جنوب القاهرة تمتلك المخطوط الذى بدأ من الورقة الرابعة وخضع للفحص بعين خبير قبل الشراء وقبل اقتناء هذا الكنز لحساب المكتبة الوطنية الفرنسية (!).

من حسن حظ «مى زيادة» أن تقع لياليها الأخيرة فى يد روائى كبير وليس باحثا متخصصا وحسب، فقد أضاف «الأعرج» روحاً روائية على السيرة المكتوبة بحرفية شديدة.. لقد أنصفها بهذا العمل الروائى وأعادها فى صورة أكثر صدقاً، لكنه تجنى على عشرات من محبى وعشاق كتابنا الكبار الذين ظهروا كمجموعة من الأنذال الذين باعوا صديقتهم فى محنتها،لم يلتمس لهم عذراً حتى إن كانت «مى» فى قمة غضبها قد حنقت عليهم فلم يكن من الضرورى أن يزيد الجراح جراحا! فعميد الأدب العربى طه حسين لم يكن يعلم شيئاً عن قصة أقاربها الذين احتجزوها فى لبنان، وعندما عادت إلى القاهرة هاتفها مرحباً بها وتعجب من قسوتها عليه فى الرد وقال لأصدقائه إنه لم يكن يعرف شيئا، أما العقاد الذى قال «الأعرج» إنه كان يريد علاقة جنسية مع «مى» واستشهد على ذلك بإحدى رسائله إليها، فإن الرسالة التى أوردها منقوصة وقد استكملها الراحل طاهر الطناحى، أحد القلائل الذين وثقت بهم مى والذى حصل على رسائلها فى حياة العقاد والذى يعتبره الأعرج مرجعا مهما، وقراءة الرسالة كاملة والرد الذى بعثت به مى إلى العقاد يكشف عن أن الرجل لم يقل ما يؤذى مشاعرها بدليل ردها عليه عندما تغزل بها،لا أقول إن الروائى الكبير واسينى الأعرج اختلق قصصا أو قصد إظهارهم على هذا النحو، لكنه كان قاسيا بقدر كبير،على أن الهدية التى قدمها لنا مع «روز خليل» التى ننتظر كتابها تسمح لهما ببعض القسوة من أجل الحقيقة، فلهما كل الشكر على جهدهما الكبير وإن كان خروج المخطوطة من مصر يحتاج إلى نقاش طويل.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق