الجمعة 12 من جمادي الأولى 1440 هــ 18 يناير 2019 السنة 143 العدد 48255

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

قراءة فى حدث تاريخى..
المسجد والكاتدرائية على خط مواجهة التطرف

مسجد الفتاح العليم - وكتدرائية ميلاد المسيح [تصوير: محمد حسنين - ياسر الغول]

  • مصر النموذج الحي للتآخي بين الأديان

المشهد المهيب للإمام الأكبر شيخ الأزهر وهو يلقى خطابه أمام كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة، والبابا تواضروس وهو يوجه رسالة أمام مسجد الفتاح العليم، يعبر بصورة صادقة عن حقيقة العلاقة بين المصريين ويؤكد أن علاقتهم راسخة تضرب بجذورها فى عمق التاريخ الإنسانى وتتخطى حدود التباين الدينى أو الثقافى أو العرقى ويشير بقوة الى هذا الخطر على المجتمع المصرى حيث كان ومازال سبباً من أسباب النزاعات واندلاع الحروب وتهديداً لأمن عدد من الشعوب واستقرارها. فضلا عن بعض العوامل الأخرى والتى تتمثل فى فرضيات التناظر بين الأديان والثقافات المختلفة أو دوافع الهيمنة لطرف على حساب الطرف الآخر أو غيرها من العوامل والنظريات الأخرى التى تمثل عائقاً أمام تحقيق السلام والتناغم والانسجام بين الشعوب كصدام الحضارات ونهاية التاريخ.
هذا المشهد لفت نظر الدكتور كمال بريقع، منسق عام مركز حوار الأديان بالأزهر الشريف، داعيا إلى الاستفادة من التجارب الإنسانية الناجحة فى إدارة التنوع ونقل هذه التجارب إلى المجتمعات الأخرى لتحذو حذوها وتسير على دربها. ويضيف أن رمزية هذا اللقاء التاريخى تتجسد فى العديد من الرسائل الضمنية والصريحة والتى كانت على مستوى الحدث، ومن هذه الرسائل الضمنية أن مصر تمثل النموذج الحى والأمثل فى التآخى بين الأديان وأنها قادرة على إدارة هذا التنوع الذى يسهم فى الثراء الحضارى بين الأمم والشعوب. والرسالة الثانية هى وقوف المسجد والكاتدرائية على خط المواجهة فى معركة مواجهة التطرف واستعادة الوعى لدى العديد من الشباب والتى نجحت جماعات التشدد والعنف فى استقطاب بعضهم وتغييب وعى الكثيرين منهم وتشويه تعاليم الادينا السمحة فى نفوسهم ولتقضى بذلك على كل الدعاوى التى يطلقها دعاة الكراهية وحملة لواء التعصب والفرقة والإقصاء والتشويه والقطيعة والانعزال. كما تمثلت رمزية اللقاء فى تلك الرسالة التى تبعثها مصر صاحبة أقدم الحضارات التى عرفتها الإنسانية للعالم بأنها كانت وستظل أرض الوئام والتسامح والمحبة والأمان للشعب المصرى بمختلف طوائفه، وأنها ستظل دائما تضرب بهذا التماسك أروع الأمثلة فى الحفاظ على الشخصية المصرية وصيانة هويتها وحمايتها من أيدى كل عابث أو مستهتر أو مستغل يسعى لإعلاء مصالحه الذاتية الضيقة على مصالح الوطن العليا. والرسالة الأخرى التى نلمحها من هذا الحدث الاستثنائى هى ضمان حق الاحترام المتبادل واستنهاض قيم المواطنة والتقاليد الأصيلة للشعب المصرى العريق، والتأكيد على كرامة الإنسان والحفاظ عليها بغض النظر عن اختلاف جنسه أو عرقه أو دينه أو لونه أو لغته أو أى صفة أخرى، وهو مبدأ أرسته الشرائع السماوية، وأن مصر من حقها أن تفخر بهذا الإنجاز الحضارى والمعمارى الرائع حيث تم تشييد صرحين كبيرين فى ذلك الوقت القياسى والترسيخ لمبدأ نعم إننا قادرون على كتابة التاريخ وصنع المعجزات إن توافرت لدينا الإرادة الحقيقية للبناء والعمل فى ظل سياسة واعية وقيادة حكيمة راشدة وسواعد فتية تعمل لصالح هذا الوطن، مصرنا الحبيبة. ويؤكد أن رسائل الإمام كانت واضحة وقاطعة ومحددة وبعيدة عن المجاملة فى التأكيد على موقف الإسلام من الكنائس، فى قوله: «الإسلام أو دولة الإسلام ضامنة شرعا لكنائس المسيحيين وهذا حكم شرعي، وإذا كان الشرع يكلف المسلمين بحماية المساجد فإنه وبالقدر ذاته يكلف المسلمين بحماية الكنائس، والمسلمون يتقدمون فى حماية الكنائس على إخوتهم المسيحيين» واستدل فضيلته بالآية القرآنية التى تأذن للمسلمين بالقتال من أجل الدفاع عن دور العبادة لليهود والمسلمين والمسيحيين معا، وهى قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا). واستند فضيلته إلى الواقع والتاريخ والذى يؤكد ذلك قائلا «اسألوا التاريخ ينبئكم أن كنائس مصر معظمها بنيت فى عهد المسلمين». كما أكد البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، على اهتمام المصريين بقوتهم الناعمة، إذ بنى المسجد وكاتدرائية «ميلاد المسيح» بأموال وتبرعات المصريين وأن فخامة الرئيس هو أول المتبرعين فضلاً عن جهود المصريين وإبداعهم سواء مهندسين أو فنيين أو عمالا. واختتم رسالته: «ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، نهتم بالخبز كغذاء للإنسان ولكن الأرواح تجد غذاءها هنا، هنا فى الأماكن الدينية». ويشير بريقع إلى أن الاجتماع الإنسانى ضرورى لعمارة هذا الكون كما أكد  ذلك ابن خلدون فى مقدمته. فهذا الحدث التاريخى تجسيد عملى لهذا العقد الاجتماعى الذى تحدث عنه المؤرخ العظيم.
 إن هذه الرسائل القوية تعكس الإرادة الحقيقية والقوية للشعب المصرى الذى خاض ويخوض صراعاً فكرياً وعسكرياً مريرا مع قوى العنف والتطرف للتقدم نحو المستقبل والسعى قدمًا بخطى ثابتة وواثقة لتحقيق نهضته واستقراره، وإن اصطفاف القيادات الدينية جنبًا إلى جنب فضلاً عن رسائل الإمام الواضحة تؤكدان هشاشة الشرعية الكاذبة التى منحتها قوى الشر لأنفسها لتتحدث بمنطق الحقيقة المطلقة دون سند أو حجة أو دليل أو بينة. ولا شك أن الشعوب تتقدم حين تستفيق من سباتها وتنجح فى استعادة وعى شبابها وتحصينه من كل ما يتهدده من مخاطر تتربص به وأن هذه الجهود سوف تؤتى ثمارها وينعم الجميع بظلالها الوارفة. وفى الختام يؤكد يشير الى أن هذا الحدث الذى شهدته مصر من العاصمة الإدارية الجديدة فى مستهل هذا العام سيبقى راسخاً فى ذاكرة الأمة وعلامة بارزة فى تاريخنا الحديث يستدعى دائما قيمنا الأصيلة ويحفز الهمم ويشحذها نحو مستقبل مشرق ينبئ عن ميلاد جديد لمصرنا القوية بحضارتها وسواعد أبنائها المخلصين لتستعيد مكانتها اللائقة بين شعوب الأمم.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق