الجمعة 12 من جمادي الأولى 1440 هــ 18 يناير 2019 السنة 143 العدد 48255

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

50 عاما فى عشق الأهـــرام

ســـهيـر حـــلمـى

هذا كتاب يشع بوهج محبة الاهرام.. يتألق بمسودة الحقائق كما جرت دون إعادة صياغتها بالحذف أو الإضافة.. فالسرد طازج يستجلب المسكوت عنه فى تاريخ الصحيفة الأهم عربيا.. حيث قضى مؤلف الكتاب مصطفى سامى أكثر من خمسين عاما من حياته فى الأهرام «بيته الثانى» منذ عام 1959 إلى 2013 سكرتيرا للتحرير ومراسلا للأهرام فى باريس ثم كندا.. وكاتبا قديرا فى ملحق الجمعة مقدما عروضا شيقة لأحداث الكتب الأجنبية.. وبتواضع وصدق يبرز الأسباب التى دعته لكتابة هذه السيرة الذاتية بل إنه ينفى عنها هذا الوصف ويقول: «إن السيرة الذاتية يجب أن تكون عن أصحاب الإنجازات الكبرى التى تظل مرافقة لأسمائهم بعد رحيلهم، فهذه السير يجب أن يكتبها النجوم والأدباء والقادة العسكريون والفنانون والعلماء، وأنا لست واحدا من هؤلاء». فهو شاهد على العصر.



وأراد بشهادته أن يحاول إظهار الحقيقة وإزاحة الغبار الكثيف والأتربة التى تعمدت إخفاء جهود الصحفيين الكبار الذين أعطوا هذه المهنة الكثير من جهودهم ومواهبهم وكان لهم دور بارز فى انتقال الأهرام من القرن العشرين إلى إطلالة القرن الحادى والعشرين كما أطلق عليها الأستاذ هيكل بعد أن انتقل الأهرام من مبناه (ومعناه) القديم فى شارع مظلوم إلى شارع الجلاء فى عام 1968.. الأستاذ هيكل يمثل بؤرة الحديث فى صفحات الكتاب ومنها يتشعب الضوء والظلال وتتنوع الحكايات.. ويؤكد كاتبنا: «أن الأستاذ شغل مساحة كبيرة دون قصد، فهو ليس ممن يؤمنون بعبادة الفرد أو تحويل البشر لآلهة مهما قدموا وأضافوا لبلادهم ومجتمعاتهم.. فالبشرية لم تشهد فى تاريخها معجزات بعد عصر الأنبياء، لكن هناك من الزملاء من تصوروا أن الأستاذ كان معجزة عصره». بهذه المقدمة التى تشبه دقات فتح الستار فى المسرح، تأهبت لقراءة هذه التجربة الثرية التى كشفت الكثير عن المسكوت عنه وتضمنت عبارات كانت تفضى لهوامش وحقائق مخفية بكلمات قليلة واضحة.. استحضر الكاتب الفردوس المفقود وزمن شموخ الصحافة وقوة تأثيرها وقيمة الصداقة حين كانت توءما للروح وأنسا للعمر وتحدث عن أعمدة الأهرام الستة الذين استعان بهم الأستاذ هيكل من أخبار اليوم حين أسندت له مهام رئاسة تحرير الأهرام عام 1957.. فهيكل أستاذ الأساتذة فى الصحافة العربية الذى جعل من الأهرام واحدة من بين أفضل عشر صحف فى العالم.. كان وهجه يغمر المشهد بأكمله ولا يترك إلا ظلالا للآخرين.. كان دافع الكاتب يجسد أقوى صفاته الإنسانية من النبل والوفاء للآخرين.. «أصبح معظمهم فى رحاب الله وفى ذمة التاريخ» أراد أن يعيدهم إلى المشهد لكى نتعلم من الماضى ومن الخطأ.. فهذه كتابة لتصحيح خطأ تاريخى ورد اعتبار بأثر رجعى لأساتذة كبار فى المهنة كان لهم الفضل فى تحديث الأهرام كما أراد له (الأستاذ) الذى مازالت: «رؤيته إلى المستقبل بعين واعية مطبوعة إلى اليوم على صفحات الجريدة العريقة، كان ساعيا لتطوير الأهرام طبقا للأساليب التكنولوجية العصرية ولكن وللأمانة لم يكن للأستاذ هيكل فضل أو كانت لديه معرفة بتلك التطورات» - على حد تعبير كاتبنا - وكان الأستاذ توفيق بحرى أشهر سكرتير تحرير فى الصحافة المصرية عاشقا للتكنولوجيا وهو أستاذ فن الإخراج الصحفى وصاحب رؤية استشرافية، انتقل بالأهرام إلى آفاق عالمية واستقدم أحدث المعدات والأجهزة وكان يمتلك فلسفة خاصة فى تطوير العنصر البشرى حتى لا يتخلف عن تطور الآلة وأسلوبا فريدا يتم بموجبه إعادة توزيع العاملين بعد تدريبهم حين توفر الأجهزة الحديثة أعدادهم، فيعاد توزيعهم وتدريبهم على إدارات أخرى ولا يستغنى عنهم.

وتتوالى الأسماء الخمسة الباقية من القمم النبيلة فى الأهرام كما سماهم: صلاح جلال وصلاح منتصر وصلاح هلال وفتحية بهيج وكمال الملاخ.. هؤلاء هم الكتّاب الذين شاركوا (الأستاذ) فى ثورته، هم الجنود المجهولون المنسيون فى بلاط صاحبة الجلالة، ينتمى الكاتب لجيل من الصحفيين كان يطبق بصورة فطرية الحكمة القائلة «إن أفضل سبيل لعدم العمل والراحة.. يتحقق عن طريق عمل الإنسان فى شىء يحبه».. هؤلاء الكبار كانوا يعشقون عملهم وكان كل حياتهم.. فى العمل تكمن راحتهم وسعادتهم.. يحتشد الكتاب بالكثير من المعلومات والأسرار ويشعر معها القارئ بحميمية وصدق السرد وكأن الكاتب يكتشف مع قارئه هذه الأسئلة الصغيرة التى تستوقفه متأملا لمغزى الأفكار التى تطرحها ووضع اليد على مكمن الداء بتلقائية مبعثها الموهبة والمعرفة وأصالة القلم.

فمن لطفى الخولى ومجلة الطليعة الرصينة وأسرار القبض على نوال المحلاوى فى منزله إلى أزمة المثقفين مع ثورة يوليو ومقال هيكل الشهير عنها بالأهرام فى يونيو 1961.. حيث كان أغلب المثقفين الشيوعيين فى سجن الواحات.. وتجربة المؤلف مع مجلة الطليعة التى عمل بها لسنوات و التى اجتمع عبد الناصر بأسرتها أثناء زيارته للأهرام وقال لمجلس تحريرها: «استمروا فى تبشيركم بالاشتراكية لكننى سوف أسير فى طريقى» وانتهى مصيرها بالإغلاق عام 1977 فى عهد السادات ويتحدث أيضاً عن الرقابة وكيف كان الرقيب يجلس فى صالة التحرير عام 1960 وأصبح بالعشرة صديقا لهم.. وكيف تحولت هذه الرقابة فى عصر الرئيس السادات من الرقابة بالحذف إلى الرقابة بالإضافة حيث كانت تعليمات الرئاسة توجه بنشر بعض الأخبار وتحديد أماكن نشرها بالصفحات.. ومن أكثر الصفحات تشويقا نطالع كيف قام الأستاذ بتحويل هزيمة 1967 إلى نكسة ويستعرض نصوص مقالات وشهادات تكشف الكثير من خبيئة أسرار وقائع عديدة.. وكيف قام كمال الملاخ بإحداث أول انقلاب فى الأهرام من خلال الصفحة الأخيرة.. ولماذا لم يشأ (الأستاذ) إحداث تغيير مفاجئ.. ويسترسل السرد وفى كل حكاية تتمزق الأقنعة وتنفك الكثير من الأحاجى.. وفى فصول الكتاب سيكتشف القارئ لماذا كان السادات حانقا على بعض الكتّاب فى الأهرام وانطباعه بأن الأهرام أثناء رئاسة تحرير على حمدى الجمّال كان يدار من (برقاش) حيث يقطن الأستاذ هيكل فى منزله الريفى وأسرار الحوار الذى دار بين الجمّال وحسنى مبارك ووفاة الجمّال فى اليوم التالى.

أما أسماء الأعلام والقمم وكتيبة المبدعين التى استوفت حقها من الشهرة والألق والضوء.. فلن تتسع لها كل صفحات الجريدة وفى كل ما دونه المؤلف من شهادات لا تملك إلا أن تثنى على احترامه لفضيلة الاختلاف مع الآخر وعدم خلطه للأوراق بين الخاص والعام. إنه كتاب يهم الأكاديميين المعنيين بالتاريخ غير الرسمى للصحافة.. كتاب ينعش الذاكرة ويحذر من مغبة طمسها ويستشعر الخطر المحدق بالمهنة وبعصر الجريدة الورقية الذى ارتفع فيه ثمن الورق ورخصت فيه الكلمات.. ولا يعنى هذا إلا الإنصات لروح العصر إذا أردنا التطوير.. انتهى عصر الورق والنقاء المستمد من الشجرة الطيبة.. ولم يبق فى المشهد الصحفى عالميا إلا جذوع مقطوعة الرأس.. تفاجئ الناس من آن لآخر بإغلاق الصحيفة الورقية.

ولكن فى الكتاب دعوة للتطوير والاستمرار والتجديد وقبول التحديات.. وليكن شعارنا «لن ندع الجرائد الورقية تموت فى سلام مثل الأفيال» فعنوان الكتاب الصادر عن مركز الأهرام للنشر يعد رسالة تنبيه وتحذير للحركة صوب المستقبل هذا المسلك هو الذى صنع تاريخ هذه الجريدة العريقة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق