الأربعاء 10 من جمادي الأولى 1440 هــ 16 يناير 2019 السنة 143 العدد 48253

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إستراتيجية «الغموض» الأمريكية

يسرا الشرقاوى

فى مسألة سوريا، اللائم على أمريكا التسرع، فاته أنها عادة أمريكية أصيلة، وإلا ما كان إعلان جورج بوش الابن أن «المهمة تمت» فى العراق مطلع مايو 2003، لأسباب تتعلق بالداخل الأمريكى أساسا، ومازالت المهمة هناك لم تتم فعليا. واللائم على ترامب قراره بالانسحاب «الكامل والفوري» من سوريا، والذى تأكد أنه كان مفاجأة لمسئولى إدارته وأربك السياسة الخارجية الأمريكية، فاته أنها عادة «ترامبية» أصيلة.

فى تصريحات على هامش جولته الخارجية الأخيرة، حاول وزير خارجية أمريكا مايك بومبيو الدفاع، مؤكدا أن إعلان ترامب ليس إلا «تغييرا «تكتيكيا» لن يؤثر على مصالح واشنطن وعزمها تنفيذ «مهامها الأساسية» بالمنطقة، والتى حددها بـــ: تدمير داعش بالعراق وسوريا، ومواصلة الضغط على إيران. وأكد أن مخطط ترامب للانسحاب وما يعقبه «واضح للغاية». والحقيقة أن بومبيو بذلك انضم إلى ذات لعبة «التناقض السوري» التى بدأها ترامب وتورط بها باقى عناصر إدارته مرغمين، والحقيقة أن سياسة أمريكا فى سوريا أبعد ما تكون عن “الوضوح”.

مبدئيا، “التكتيك” الذى يفترض أن ترامب قصده لا علاقة له بمصالح أمريكا الاستراتيجيةأو مهامها التى شرحها بومبيو. قد يكون الهدف إرضاء ترامب لأنصاره المؤيدين لـ “عزلة أمريكا”، والتوقف عن خوض معارك غيرها. وقد يكون “حفظ ماء الوجه” واسترضاء باقى أنصاره بعد فشله فى تمويل “الجدار الحدودي”، أبرز تعهداته الانتخابية. ولكن الأكيد أنه ليس انتصار أمريكا على “داعش”، كما أكد ترامب الذى اعتبر أن تحقيق هذا النصر كان السبب الأوحد وراء موافقته على بقاء القوات الأمريكية فى سوريا منذ بداية رئاسته، وقد كان.

لكن النصر لم يتم. بومبيو لا يزال يدرج «داعش» كأحد مهام أمريكا المستمرة فى المنطقة. وقبله، أكد مستشار الأمن القومى الأمريكى جون بولتون أن الانسحاب مرهون بشرطين أحدهما ضمان القضاء على «داعش»، فى تناقض مع حديث ترامب عن أن «القضاء» عليها تم بالفعل. ويتزامن ذلك مع تحذير الخبراء داخل الإدارة الأمريكية وخارجها من أن «داعش» غيرت «أسلوبها» لا أكثر، وأنها قادرة على العودة كما سبق وأقوي. وبالرغم من رمزية القوات المنتشرة فى سوريا- ألفا جندي- إلا أن خروجها يعنى ترك أمريكا المشهد السورى للقوى الدولية والإقليمية المصنفة كـــ«خصوم» مثل روسيا وتركيا، وطبعا إيران.

إن كان الارتباك بالغا بشأن الدوافع ومستقبل المصالح الأمريكية، فهل يمكن التراجع عن خطوة الانسحاب؟ لا يبدو أن ذلك ممكنا، صحيح أنه تم تمديد الفترة المحددة للانسحاب مرة والتعتيم حولها مرات، إلا أن بدء مغادرة المعدات الحربية الأمريكية لسوريا يرجح جدية الخطوة الترامبية. وأن ما يحاول مسئولو إدارته فعله حاليا هو «القص واللزق» بتأمين الحد الأدنى من الترتيبات التى كان يفترض أن تسبق قرار الانسحاب وتضمن مصالح أمريكا وحلفائها بسوريا والمنطقة. فبومبيو وبولتون ركزوا على فكرة التوصل إلى اتفاق مع تركيا لضمان سلامة القوات الكردية فى سوريا والمتحالفة مع واشنطن، ومطاردة من أنقرة.

ذلك طبعا لا يعنى ضمان كلمة لواشنطن فى العملية السورية، ويعنى أكثر فأكثر تراجع الثقل الاستراتيجى لأمريكا بالمنطقة، وهو أمر لا يبدو أنه يشغل ترامب كثيرا وإن كان يزعج معاونيه كثيرا. ولا أدل على ذلك من سيل استقالات البنتاجون والذى بدأ بوزير الدفاع جيمس ماتيس. ولكن حتى تأمين حلفاء الماضى لا يبدو أكيدا، مع استمرار رفض أنقرة أى اتفاق يضمن للأكراد سلامتهم. يبدو أن حتى «القص واللزق» لن ينجح تماما وأن الخسائر بالنسبة لمصالح أمريكا إقليميا وتوجه سياستها الخارجية ستكون ذات تبعات تتجاوز عهد ترامب صاحب انقلاب سوريا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق