الجمعة 5 من جمادي الأولى 1440 هــ 11 يناير 2019 السنة 143 العدد 48248

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رشيد العنانى الناقد المتخصص فى دراسة محفوظ: أولاد حارتنا تحاكى التاريخ الدينى للبشرية

حوار: هبة عبدالستار

رغم كثرة الأعمال النقدية والدراسات البحثية التى تناولت عوالمه الأدبية، يظل نجيب محفوظ الغواية الأكبر لأجيال متلاحقة من النقاد والباحثين. واحد من هؤلاء الذين جذبتهم «نداهة» هو الدكتور رشيد العنانى درس الأدب الإنجليزى بجامعة القاهرة، وعمل بها عدة سنوات، قبل أن يسافر إلى بريطانيا ويحصل على الدكتوراه من جامعة إكستر التى ترأس فيها قسم الدراسات العربية والإسلامية، وهوعضو بلجنة تحكيم العديد من الجوائز الأدبية مثل جائزة البوكر العربية وجائزة نجيب محفوظ التى ترعاها دار نشر الجامعة الأمريكية. تركزت معظم مؤلفات العنانى سواء التى كتبها بالعربية أو الانجليزية - على نجيب محفوظ، ولكل ذلك كان لنا هذا الحوار مع الدكتور رشيد العنانى.

> بداية؛ ما هى حكاية رشيد العنانى ونجيب محفوظ؟ ولماذا احتل نجيب محفوظ تحديدا مساحة كبرى من مؤلفاتك واهتمامك؟

سبق أن طرحت هذا السؤال على نفسى، والحقيقة أنى لم أجد صعوبة فى الإجابة عليه، وهو ما أعيد قوله لك الآن. الإجابة فى منتهى البساطة هى أنى وجدت نفسى فى أدب نجيب محفوظ، وفى وقت مبكر من حياتى. كنت أتعامل مع أسئلة وجودية كثيرة فى حياتى الشخصية وفى تأملى للمجتمع والعالم من حولى، للحاضر والتاريخ. تحيرنى مشاكل الوجود والعدم، الزمن والموت، الخير شر، العدل والظلم، الحب والإحباط. كثير من هذه الأسئلة وجدت الإجابة عليها عند محفوظ، وما لم أجد له حلا عنده، وجدته واعيا به، محتارا مثلى يبحث عن جواب. كنت أقرأ فى الأدب الإنجليزى والأوروبى بحكم دراستى وكنت أجد بغيتى عند كتاب الغرب الكبار بدون شك، إلا أن عثورى فى مقتبل الشباب على كاتب مصرى مثلى، يتعامل مع نفس الأسئلة الكبرى ويقدم لها أجوبة من واقع تجربة حياتية شبيهة بتجربتى ومن خلفية ثقافية هى أيضا خلفيتى، كان له تأثير آخر، كان أكثر حميمية، ويسلك طريقا مباشرا إلى الوجدان. انغمست فى عالم نجيب محفوظ الفسيح انغماسا كاملا فى مرحلة من حياتى، وقرأت كل أعماله متفرقة، ثم أعدت قراءتها جميعا متسلسلة زمنيا حسب تواريخ صدورها، وكأنى أتابع محفوظ فى تطوره الفكرى والجمالى.

تمثلت شخصياته حتى خرجت من الكتب وصارت فى عداد الأسرة والأصدقاء. وفى كل مرة كنت أقرأه كان يقدم لى الجديد وكأنى لم أقرأه من قبل، وكانت تنتابنى نفس الهزة الشعورية التى نحس بها لدى قراءة عمل جديد يتسلل إلى شغاف القلب. وحين كتبت دراستى الشاملة حول محفوظ فى الإنجليزية سنة 1993 بعنوان «نجيب محفوظ: البحث عن المعنى»، كان يتملكنى إحساس بأننى إنما أكتب كتابا عن نفسى بقدر ما هو عن محفوظ، أننى بالكشف عن دخائل العالم المحفوظى، إنما أعرّى نفسى وأكشف مكنون صدرى أيضا. إلى هذا الحد كان التماهى بينى وبين هذه الروح العظيمة.

> فى كتابك الصادر باللغة الانجليزية Naguib Mahfouz: The Pursuit of Meaning تعمقت فى تحليل مراحل التطور الأدبى لمحفوظ..برأيك كيف أثرت رؤية محفوظ للزمن وتجسيده له عبر علاقة الفرد بالمجتمع والسلطة على عالمه الروائى وأسلوبه السردى؟

الزمن لدى محفوظ هو فى الأساس قوة غاشمة لا مردّ لسلطانها على حياتنا، فهو بانقضائه تنقضى معه حياتنا. مُضِى الزمن يأتى معه بتقدم العمر وحلول الضعف والمرض وخذلان الجسم، وفى النهاية الموت، الذى هو حليف الزمن. فمرور الزمن يمهد لقدوم الموت منذ لحظة الميلاد. الزمن على المستوى الفردى مأساة بلا شك، وهو وإن كان قد يساعد على تحقيق بعض الآمال والإنجازات ويغير بعض الحظوظ إلى الأفضل كما يغير بعضها إلى الأسوأ، إلا أنه فى جميع الأحوال ينتهى بالموت، ومن هنا كونه مأساة للجميع كأفراد. إلا أنه فى حياة الأمم وعلى مستوى المجتمع البشرى، الموت لا وجود له كما يقول محفوظ، ففى أى لحظة من اللحظات ثمة مجتمع يعجّ بالحياة. وفى حياة الأمم يمكن للزمن أن يكون قوة إيجابية خلّاقة، جالبة للحرية والتقدم. هذه بعض المبادئ الفلسفية التى ينبنى عليها عالم محفوظ الروائى، وهو ما نرى تطبيقا له فى «الثلاثية»، ففهمى عبد الجواد يُقتل فى صدر شبابه فى مظاهرة ضد الإنجليز ضمن أحداث ثورة 1919، وعلى المستوى الفردى لا شك أن موته مأساة تحرمه من حياة لم يكد يتمتع بها وتقضى بالحزن على أسرته لسنوات طوال. إلا أنه على المستوى الجمعى أو المجتمعى لم يكن موته الفردى إلا خطوة إلى الأمام على المستوى الاجتماعى، فبموته وموت غيره من الأفراد تقدمت حركة النضال الوطنى ضد الاحتلال البريطانى. وهكذا فإننا إذا ما تأملنا مصائر الشخصيات فردا فردا فى الثلاثية على مدى أحداثها الزمنى من 1917 إلى 1944، لوجدناهم جميعا يتدهورون ويضمحلون شيئا فشيئا وتعتور حياتهم شتى ألوان المصائب والإحباطات، وتنتهى الرواية بموت الأم «أمينة» وقد سبقها السيد أحمد عبد الجواد، الذى فى مطلع الرواية ما كنّا نظن عوادى الزمن تجسر أن تتطاول على جبروته. إلا أن هذه الفترة نفسها شهدت على المستوى الاجتماعى استمرارية وتقدما، فالأجيال تواصل الحياة، وتتابع النضال الوطنى الذى ضحى من أجله «فهمى» بحياته، وينضاف إلى النضال من أجل الاستقلال النضال من أجل العدالة الاجتماعية وهو ما نلاحظه فى شخصية الشاب «أحمد شوكت» الذى يحمل الراية التى سقطت من يد خاله «فهمى» فى الجيل السابق. هذا هو معنى ما قاله محفوظ ذات مرة من أنه متشائم فرديا ولكن متفائل اجتماعيا أو تاريخيا.

> كيف ترى الرمز والرمزية فى أدب نجيب محفوظ؟ الرمزية عنصر فعّال فى أدب محفوظ. وهى تتخذ أشكالا عديدة وبعض تجلياتها لا تكشف عن نفسها بسهولة بينما البعض الآخر قريب من السطح غير عسير على النفاذ إليه؟

الرمزية فى «أولاد حارتنا» على سبيل المثال هى من النوع السهل لأنها مقصودة ومخطط لها سابقا، فالرواية قائمة على محاكاة قصص وشخصيات دينية ذات تاريخ وأحداث معروفة غير أن الكاتب يعيد سردها محتفظا بالهيكل العام ومغيرا فى الأسماء والزمن والمكان وتفاصيل الأحداث، ونازعا عن القصص الدينية هالتها المقدسة، زارعا إياها فى صلب الحارة المصرية وشخصياتها الواقعية الحديثة، صابّا بذلك التاريخ الدينى للبشرية فى قالب الصراع بين العدل والظلم والنازع البشرى المتجدد نحو الثورة على الظلم والتصدى للإصلاح السياسى والاجتماعى. «أولاد حارتنا» إذن ليست إلا أمثولة أو قصة ذات هدف مسبق لم تُكتب إلا من أجل التدليل عليه. إلا أننا إذا نظرنا فى بعض أعمال محفوظ الأخرى نجد رمزية من نوع أرقى، لأنها تنبع من داخل العمل وهى إضافة إليه تثرى من مغزاه بدون أن تحرمه من استقلاليته المعنوية وتحوله إلى مجرد إشارة لمدلول خارج عليه وليس نابعا منه. على سبيل المثال قصة محفوظ القصيرة المشهورة «جبلاوى». هى قصة رجل أعياه مرض غير معروف واستعصى على العلاج لدى الأطباء، حتى اضطر للبحث عن رجل مبارك سمع عنه يُقال إنه يشفى المرضى وأن له كرامات. نسيج القصة وتفاصيلها يعمل على مستويين: المستوى الواقعى مئة فى المئة: رجل مريض يبحث عن أى وسيلة للشفاء بعد أن فشل الطب والعلم فى علاجه. يمكن أن نقرأ القصة ونغادرها على هذا الفهم وحده وقد استمتعنا بها استمتاعا كاملا. إلا أن التمعن فى قراءاتها وراء السطح وفك تفاصيل البحث عن الرجل المبارك «جبلاوى» يظهر لنا أن ثمة مستوى أعمق من المعنى فيها، وأن بحث المريض عن الولى القادر على الشفاء ليس إلا رمزا لبحث الإنسان الحديث عن الله بعد أن فشل العلم الحديث وحده فى منحه السلام العقلى والروحى الذى كان يناله من الإيمان الدينى قديما. إذن الولوج إلى المستوى الرمزى للقصة قد أضاف لها معنى جديدا وجعلها أكثر عطاءً مما لو بقيت على المستوى الواقعى وحده. الرمزية أيضا يمكن أن تستخدم كوسيلة للتمويه على الرقابة على النشر، أو لاتقاء غضب السلطة السياسية الشمولية وهو ما لجأ إليه محفوظ فى بعض روايات فترة الستينيات، مثل غيره من أدباء العصر الناصرى.

> من واقع قربك المباشر بالغرب كأستاذ فخرى للأدب العربى الحديث فى جامعة إكستر كيف تقيم تعاطى القارئ والناقد الغربى لأدب نجيب محفوظ؟ وبرأيك ما الذى يجذب القارئ الغربى لعالم محفوظ الروائى وشخوصه؟

خلال سنوات تدريسى فى الغرب والتى امتدت لأربعة عقود منذ أواخر السبعينيات من القرن الماضى وحتى الآن، شاهدت النمو المتزايد للاهتمام بالأدب العربى الحديث عامة وفى صدارته نجيب محفوظ. هذا الاهتمام كان يواكب على نحو لافت تزايد الأزمات والحروب والثورات فى منطقة الشرق الأوسط والعالم العربى وتمدد آثارها فى أوروبا وسائر الغرب. صار هناك إدراك تدريجى لكون الأدب وسيلة للانفتاح على ثقافة الآخر ومحاولة فهمه والاقتراب منه. حين وصلت أوروبا كان التركيز لا يزال على الأدب القديم، مثل المعلقات والشعر عموما والنصوص التاريخية والدينية وكان غاية ما يُدرك من الأدب الحديث هو «الأيام» لطه حسين و «يوميات نائب فى الأرياف» لتوفيق الحكيم. و«قنديل أم هاشم» ليحيى حقى. أما «الشباب» من أمثال نجيب محفوظ ويوسف إدريس فكانت أسماءً لا يعرفها إلا المختصون شديدو الاهتمام وقد كانوا قلة وقتها. كانت أيضا حركة الترجمة متواضعة وبطيئة ويقوم على نشر المترجمات ناشرون أكاديميون مختصون لا سبيل لهم إلى القارئ العام. كل هذا أخذ فى التغير بالتدريج ولم يلبث أن طفر طفرة كبيرة عقب فوز محفوظ بجائزة «نوبل»، ومنذ ذلك التاريخ لم تكن ثمة رجعة، فمحفوظ بكامله مترجم الآن فى الإنجليزية بفضل جهود الجامعة الأمريكية فى القاهرة وغيرها من الناشرين، وغيره كثيرون من الكتاب المصريين وسواهم من كتاب العربية، والكثير من الترجمات ينشره ناشرون عامّون تُتداول كتبهم فى السوق العامة وليس السوق الأكاديمية وحدها. إلا أنه فيما يخص محفوظ، وبرغم كونه من أكبر أيقونات الأدب المصرى والعربى الحديث، فواقع الأمر أن الاهتمام به حاليا فى حال تراجع، حتى أنى شاركت فى مؤتمر عالمى حول الرواية العربية والتاريخ عقد فى جامعة «الأورينتاله» مدينة نابولى فى إيطاليا هذا العام، فهالنى أن من بين حوالى سبعين مشاركا ومشاركة لم يكن هناك بحث واحد مقدم عن نجيب محفوظ على الرغم من دوره الكبير فى تأسيس الرواية التاريخية فى الأدب العربى الحديث، فما كان منى إلا أن قمت بتصحيح هذا الوضع وقدمت ورقة بحثية حول «نجيب محفوظ والرواية التاريخية.» إلا أنى لا أرى ذلك شيئا سلبيا، فنجيب محفوظ ليس فى طريقه للنسيان أكاديميا، ولكن زخم الرواية المصرية والعربية أصبح هائلا. الكتاب الموهوبون كثروا، والإنتاج غزير ومتواتر والكثير منه جيد، فمن الطبيعى أن يلتفت الباحثون الشباب إلى الجديد من حولهم وأن يحاولوا متابعة المشهد الروائى المتنامى والمتغير دائما بالدراسة والبحث، أما محفوظ فعدد الكتب والأبحاث والرسائل العلمية حوله فى الإنجليزية وحدها قد بلغ حدا أصبح من المتعين معه على من يريد من شباب الدارسين أن يأتى بجديد أن يصوّب بصره بعيدا عن محفوظ. أما عن الشق الثانى من سؤالك عما يجذب القارئ الغربى لأدب محفوظ فأعتقد أنه نفس ما يجذبه لأى أدب عظيم يتناول الوضع الإنسانى. إنه كون هذا الأدب يكشف من خلال جماليات عالية أسرار الحياة النفسية والمجتمعية للفرد، ويتناول الأسئلة الكبرى التى شغلت الإنسان على مر العصور فى كل مكان عن الحياة والموت والخير والشر والعدل والظلم الخ. يُضاف إلى هذا كون هذا الأدب آتيا من ثقافة مغايرة مما يزيد من فضول القارئ والقارئة لاستكشاف هذا العالم الغريب عنه ومواقع التماثل والاختلاف معه.

> ما هى أكثر الروايات شعبية لمحفوظ فى الغرب؟ ولماذا؟

فى بريطانيا هى ثلاثية بين القصرين وقصر الشوق والسكرية بغير شك، والتى شاعت بعد أن تُرجمت ونُشرت متفرقة فى أجزائها الثلاثة، ثم أعيد نشرها مجمّعة فى مجلد واحد (وهو ما لم يحدث حتى الآن فى العربية حسب علمى) فى بعض الطبعات بعنوان «ثلاثية القاهرة» The Cairo Trilogy. كما أنها صدرت ابتداءً فى طبعات غالية من ذات الغلاف المقوّى ثم أعيد إصدارها فى طبعات اقتصادية من ذات الغلاف اللين. ولعلها العمل الوحيد لمحفوظ الذى يمكن أن يدخل القارئ مكتبة لبيع الكتب فيجده على الرفوف بين مصاف الروائيين الآخرين، ولا يضطر لطلبه طلبا خاصا يأتيه بعد أيام. لماذا؟ لنفس الأسباب التى ذكرتها فى الإجابة على سؤالك السابق. ذكرت من قبل أن ترجمة أدب محفوظ كانت لها خسائر وأن كثيرا من أعماله المترجمة إلى الإنجليزية تحتاج لإعادة ترجمة أو مراجعة..

> فماهى تلك الخسائر وبرأيك هل كان الوضع سيختلف إذا ما كان المترجم عربيا؟

كل ترجمة فهى مكسب فى الأساس، فلولا الترجمة لظل كل أدب محصورا على أبناء لغته ومن أتقنها غاية الإتقان من غير أبنائها، وهو ما ينطبق على محفوظ مثل غيره. وكل ترجمة تنطوى على خسائر تنجم عن الاختلاف بين ثقافة اللغة المنقول منها وتلك المنقول إليها، فبعض مفاهيم الثقافة المنقول منها وعاداتها وأشيائها لا وجود له فى الثقافة المنقول إليها، وبالتالى لا وجود له فى لغتها، ومن هنا عبء المواءمة والتصرف الواقع على المترجم. إلا أنه فيما عدا هذه الخسائر الحتمية، هناك الخسائر التى تنجم عن قصور معرفة المترجم باللغة التى ينقل عنها، أو نقص معرفته بالخصائص الحميمة لثقافة تلك اللغة وممارسات أهلها. وهذا هو ما لمسته فى بعض ترجمات محفوظ إلى الإنجليزية.

> هل كان الأمر يصبح أفضل لو كان المترجم عربيا؟

ليس بالضرورة، إلا أن يكون هذا المترجم متقنا للإنجليزية كما لو كانت لغته الأم، وهو أمر جد نادر. أعتقد أن الأسلوب الأمثل هو أن يكون هناك مراجعة للترجمة التى يقوم بها المستعربون من قبل مختص مصرى يتقن الإنجليزية إتقانا كبيرا، وألا تكون المراجعة شكلية، وإنما مدققة جملة بجملة حتى لا يفوتها شىء.

> من وجهة نظرك ما هى أسباب غياب الكُتاب العرب عن جائزة نوبل منذ فوز نجيب محفوظ؟

لا أدرى، ولا أعتقد الأمر مهما. بإمكان من شاء أن يتبنى نظريات المؤامرة، وأن يتحدث عن تسييس الجائزة، وعن التحيز ضد العرب ألخ. وليكن فى هذا ما يكون له من نصيب من الصحة أو الخطأ. ولكن إلى جانب هذا كله هناك ثوابت واضحة ذات تأثير غير منكر يجب الإقرار بها قبل كل عامل افتراضى آخر. من ذلك أن نسبة الفائزين بالجائزة من الكتاب الذين تجتمع لهم العبقرية الفنية والنزعة الإنسانية هى نسبة ضئيلة جدا. فالفائز بالجائزة واحد فى كل عام، بينما الثقافات البشرية ولغاتها حول المعمورة تضج فى كل لحظة بالمواهب الكبرى والتواريخ الإبداعية المميزة. تتلقى لجنة الجائزة عشرات الترشيحات كل عام، ولعل كلا منها جدير بالفوز، إلا أن اسما واحدا هو من يستقر عليه الاختيار، وهو اسم تختاره لجنة من بضعة أفراد لا يدل اختيارهم إلا على ذوائقهم الخاصة فى حدود شروط الجائز. كما أنه ليس فى المحكمين من يقرأ العربية ولذلك فاعتمادهم هو على ما يصلهم مترجما، وما هو مترجم من العربية لا يضاهى ما يستطيعون أن يقرأوه مباشرة فى اللغات الأكثر شيوعا. كما أن اختلاف الثقافة العربية الإسلامية عن تقاليد الثقافة الغربية قد يعيق أحيانا النفاذ إلى جوهرها الإنسانى لدى الغريب عنها. كل هذه اعتبارات ثابتة إلى جانب الأخرى المفترضة. ولكن فى النهاية الكاتب يكتب فى لغته من أجل أبناء تلك اللغة، ولن يحظى كاتب بتقدير خارج لغته ما لم يحظ أولا بالتقدير داخلها. نجيب محفوظ كان كاتبا عظيما قبل الجائزة، وحين اعترفت به الجائزة، فإنه هو من شرّفها وليس العكس. أتمنى أن يُقرأ الكتاب العرب فى بلادهم ولغتهم قبل أن نتساءل لماذا لا يُقرأون فى الخارج ويفوزون بجوائزه.

> بعيدا عن الأعمال الكلاسيكية لكبار الكُتاب، برأيك ما الذى يعوق انتشار الأدب العربى المعاصر خارج حدود أوطانه على الرغم من وجود كٌتاب عرب فى المهجر يكتبون بلغات الدول التى يعيشون فيها؟

إذا نظرنا للأمور نظرة نسبية، فإنى أعتقد أن الأدب العربى المعاصر وأظن أننا عمليا نعنى بذلك الرواية العربية المعاصرة - يتمتع حاليا بأداء غير سيئ بالمرة عالميا، فحركة الترجمة والنقد الأكاديمى حاليا أفضل منها فى أى وقت سابق. ويجب ألا ننسى أن الأدب العربى الحديث الجدير بالانتشار خارج لغته لا يرجع عمره إلى أبعد من منتصف القرن العشرين، وهو عمر ليس بالطويل. ولا يمكن أن نقارن انتشار هذا الأدب حديث النشأة خارج حدوده بالتلاقح بين الآداب الأوروبية المنتظم منذ بداية عصر النهضة من أكثر من خمسمائة عام. كما أن انتشار أدب أمريكا اللاتينية خارج حدوده يسهله أن أغلبه مكتوب باللغة الإسبانية، مما يعطيه على اختلافه صلة قوية بالآداب الأوروبية. أما الكتاب العرب المهجريون الذين يكتبون بلغات أوطانهم المضيفة، فهم قصة أخرى فكتاباتهم ليست مترجمة وهم يكتبون بحساسية مختلفة عن حساسية الكتاب العرب المقيمين فى بلادهم، وغالبا ما تُصنّف كتاباتهم ضمن أدب الأمة أو اللغة المضيفة. إذا ما بحثنا مثلا فى مكتبة إحدى الجامعات الإنجليزية عن رواية لـ «أهداف سويف»، فلن يجدها مصنفة فى رفوف الأدب العربى، وإنما الأدب الإنجليزى. قد نتفق مع هذا أو نختلف، لكن هذا هو الواقع.

> كيف يمكن أن يسهم الأدب العربى فى تخفيف حدة الصدام بين الشرق والغرب خاصة فى ظل ارتفاع الإسلاموفوبيا وترسخ الصور النمطية الخاطئة للإسلام والمسلمين مع تصاعد الإرهاب فى العالم؟

أس البلاء يكمن فى التركيز على الاختلاف وغياب الوعى بالتماثل الأساسى بين البشر. الناس بطبيعتها وبموروثها التاريخى والثقافى تخشى المغايرة وتعتبر أن ما هى عليه هو الصحيح والاعتيادى وكل ما خالفه فهو موضع شك ومصدر خطر. وفى غمرة هذا الشك الغريزى تنسى الذات أن الآخر هو أيضا إنسان فى معترك الوجود تحركه نفس العواطف والمخاوف، الأساسيات الكبرى تجمع بين كل البشر، إنما الاختلاف فى التفاصيل الثقافية التى نشأت من التوزع الجغرافى واختلاف اللغات وتفاوت التطور الحضارى مما يعيق التواصل والتفاهم أحيانا وقد يؤدى إلى الانغلاق على الذات، هذا بالطبع إلى جانب التاريخ الاستعمارى للغرب وما خلفه من آثار. الأدب لكونه يتعامل مع أساسيات الوجود البشرى أو الوضع الإنسانى يستطيع أن يكون ترياقا لهذا الداء، يبدد الخوف من الآخر والرفض شبه الغريزى للاختلاف.

فمن يقرأ فى الإنجليزية أو غيرها من اللغات «ثلاثية» نجيب محفوظ على سبيل المثال يستطيع أن يعايش شريحة من المجتمع المصرى وعدة أجيال منه بآماله ومخاوفه وتطلعاته وإحباطاته معايشة لن يستطيعها أبدا فى الواقع ولكنها ممكنة بين غلافى نص أدبى، يخرج منه القارئ الأجنبى مؤمنا بجوهر التماثل البشرى، قابلا للاختلاف فى التفاصيل الثقافية. ويحضرنى فى هذا الخصوص خاطرة من خواطر كمال عبد الجواد فى «الثلاثية» يلفت فيها إلى مفارقة أنه فى هدأة الليل يقضى ساعات أليفة ودودة مع أصدقائه من مفكرى الإنجليز وأدبائه بينما فى الصباح ينضم إلى المظاهرات الصاخبة التى تهتف بسقوط الإنجليز وزوال الاحتلال.

> على الجانب الآخر.. فى كتابك «تصورات العرب عن الغرب: لقاءات الشرق والغرب فى الرواية العربية» تناولت الاستغراب العربى وتصورات الأدباء العرب للغرب وانعكاسات ذلك على الإبداع الأدبى.. والآن بعد سنوات من صدور الكتاب واندلاع ثورات الربيع العربى وما يتردد عن صفقة القرن ومخططات تقسيم الشرق الأوسط والمناخ التآمرى هل طرأت تغيرات على رؤية المثقف العربى للغرب وما هى؟

كتابى صدر عام 2006 وهو يتناول تمثّلات أو تصورات المثقف العربى للغرب على امتداد مئتى سنة فى القرنين التاسع عشر والعشرين، أو بالتحديد منذ الحملة النابليونية على مصر فى 1798 فصاعدا. لا أظن أن أحداث الاثنتى عشرة سنة الأخيرة تدعو إلى إعادة نظر بالمقارنة مع أحداث القرنين الماضيين. إن كان يمكن تلخيص كتابى فى جملة أو جملتين فسوف أقول إن المثقف العربى منذ عبد الرحمن الجبرتى فصاعدا كان - حتى فى ذروة عصور الاحتلال الأوروبى البغيض للأوطان العربية كان يرنو إلى الآخر الغربى بمزيج من الكراهية والإعجاب. الكراهية بسبب الاحتلال والقهر، والإعجاب بسبب القوة والتفوق الحضارى والتقدم العلمى والتكنولوجى التى يسرت للأوروبى ذلك الاحتلال والقهر. وكان المثقف العربى يدرك أنه لا سبيل لمقاومة الآخر الغربى وطرده من بلاده إلا بمحاكاته فى تبنى العلم والحداثة بكل معطياتها، كان هذا واضحا لدى رفاعة الطهطاوى وعلى مبارك وأحمد فارس الشدياق وحتى طه حسين وجيله ولويس عوض وجيله والقائمة تطول، فأنا أدرس ما يزيد على خمسين كاتبا ومفكرا فى كتابى. لا أظن أن شيئا تغير. لا يزال الغرب ممثلا فى بعض حكوماته منشغلا بالتآمر وخطط الاستغلال والسيطرة، إن لم يكن عن طريق الاحتلال المباشر فبغيره من السُّبل السياسية والاقتصادية التى تسهلها غفلة العرب وفرقتهم ونزاعاتهم الداخلية وسيادة الفكر الدينى كمهرب من مشاكل العصر. ومن ناحية أخرى فإن ثورات الربيع العربى لم تكن إلا تمثلا آخر للرغبة فى محاكاة النمط المعيشى للآخر الغربى القائم على الإيمان بالديمقراطية وكرامة الفرد وحرية التعبير والعدل الاجتماعى. هذه بعينها هى القيم الراسخة فى المجتمعات الغربية وهى بعينها كانت مطلب ثورات الربيع العربى، وذلك لأن التحرر من الاستعمار فى أواسط القرن الماضى لم ينتج إلا نوعا آخر من القهر الوطنى المحلى عوضا عن قهر الآخر المستعمر. ولنسأل أنفسنا لماذا الزخم الهائل نحو الهجرة إلى الغرب مشروعة كانت أو غير مشروعة: ليست إلا بحثا عن الحرية والكرامة والفرصة فى الحياة التى لا توفرها الأوطان العربية لأبنائها.

> فى كتابك الأخير «البحث عن الحرية».. لم تفصل بين الواقع وبين النصوص الأدبية حتى تلك التى استحضرتها من الأدبين الغربى والعربى ومضى عليها قرون فهل كان ذلك مقصودا؟

وبم تفسر نجاح تلك النصوص القديمة فى كثير من الأحيان بقراءة الواقع المعاصر والتعاطى معه.. هل يرجع ذلك لكون التاريخ يكرر نفسه كما يقول البعض؟

أعتقد أن عبارة «التاريخ يكرر نفسه» على ابتذالها من شدة شيوعها هى مقولة صادقة تماما، وإن كانت أن الصياغة الأفضل لها هى أن حماقة البشر فى عدم الاعتبار من أحداث التاريخ تكرر نفسها، فنفس المواقف فى نفس الظروف تأتى بنفس النتائج. هذا منطق علمى. كان الشاعر الإنجليزى «شلى» يتحدث فى أوائل القرن التاسع عشر عن السلطة الغاشمة، والفساد، وقمع الحرية، واستخدام العنف مع المطالبين بحقوقهم فى إنجلترا.

أليس هذا بعينه ما كانه الوضع فى يناير2011 فى مصر؟ هذا هو ما يجعل قصيدة «شلى» الإنجليزى مطابقة لحال الواقع فى مصر بعد حوالى مائتى عام. وما كان يبحث عنه صابر الرحيمى من «حرية وكرامة» فى رواية نجيب محفوظ فى أواسط الستينيات، أليس هو ما كان ينادى به ثوار التحرير فى 2011؟ ما دام التاريخ يكرر نفسه، والبشر يكررون حماقاتهم، والوضع البشرى باقٍ على بؤسه، ستظل النصوص القديمة التى انشغلت بواقعها التعس ذات دلالة فى الأزمنة اللاحقة التى تشاركها نفس التعاسة. لعل قصيدة «شلى» ليس لها سوى دلالة تاريخية اليوم فى إنجلترا لأن ظروفهم صارت إلى الأفضل، ولكن من المفارقات أنها فى بلد آخر مثل مصر وبعد مائتى سنة من كتابتها، ما زالت تتوهج بدلالة حيّة معاصرة.

> دائما ما تصرح بأنه لا يوجد نقد فى العالم العربى، وأن معظم النقد الموجود ليس سوى ترجمة للنقد الأوروبى فكيف نتغلب على تلك الأزمة من وجهة نظرك؟

الحقيقة أنى لا أجد أزمة فى الأمر، فالأنواع الأدبية التى ننتج أدبنا فيها هى أنواع أدبية نشأت فى أوروبا، ومنها انتقلت إلى اللغة العربية فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين. أعنى الرواية والقصة القصيرة والمسرحية. هذه الأشكال الأدبية لا تنحدر من التراث العربى القديم وإنما من الآداب الغربية الحديثة. وحتى الشعر الذى هو نوع أدبى عربى أصيل يرجع إلى القرن السادس الميلادى على الأقل، فإن صلته بالتراث العربى أخذت تضعف منذ أواسط القرن العشرين، بينما تأخذ محلها المؤثرات الأوروبية الحديثة شكلا ومضمونا، فانهارت معايير الأوزان والقوافى القديمة، وتغيرت مضامين الشعر وأغراضه مخلفة وراءها المديح والهجاء والرثاء والبكاء على الأطلال وشعر المناسبات الخ وتحولت نبرة الشعر من الخطابة إلى الهمس والتأمل فى الذات والعالم. على هذا النحو لا أرى تناقضا أو أزمة فى أن تكون النظريات النقدية الغربية صالحة لدرس أدبنا الحديث. المشكلة الحقيقية هى أنه لا يوجد نقد أدبى فى الساحة الثقافية العامة. قديما كان النقد الأدبى والتحاور الفكرى يجرى فى صحافة أدبية راقية.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق