الجمعة 5 من جمادي الأولى 1440 هــ 11 يناير 2019 السنة 143 العدد 48248

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثلاثة نصوص

أحمد الطويلة

والفتى بعد لم يبلغ العاشرة.. يجلس فى مكانه المعتاد..فى ظل الكافورة العتيقة.. وستّ الدار منهمكة فى ترتيبها.. أطلقت عليه اسم يوسف تيمنا بجده لأبيه صاحب الرقية التى لا تخيب..وصاحب المقام العالى.. أبوه لم يره.. خطفه الموت وهو بعد جنينا فى رحم أمه.. لم تتزوج من شقيقة كما هى عادة أهل القرى..عاشت له.. رغم جمالها وفتوتها وفتنتها.. حَفظت من الكتاب قصاره.. ومن الشعر قصائد ابن زيدونٍ وولادة.. تجلس كل مساء إلى المرآة.. مرتدية ثوب عُرسها لساعة.. تقرأ ولادة.. من بعد تخلع ثوب العرس وتتدثر بثوب النوم الخاص بزوجها.تقرأ أجمل ما قال ابن زيدون.. حتى أن الجد ما عاد يناديها باسمها.. نسيت ست الدار أيضاً اسمها.. كانت أقصى أمانيها حجة لها وزيجة للفتى.. حفظت من وراء الجد..فإن أتممت عشراً.. تدعو فى كل إصباح أن تراه وقد بلغ العشر الأخيرة.. يوسف فى حسن يوسف أو سبقه.. كل فتاة أو امرأة أصابها منه ما أصابها.. يحجون فى كل يوم إلى حيث الكافورة العتيقة.. يوم السعد إن فازت إحداهن بنظرة.. أنّتِ الكافورة العتيقة من وجدهن..فتداعت أغصانها يوماً بعد يوم.. شاركتهم الكافورة عشق يوسف..تراها يوماً وارفة الظلال.. ويوما عجفاء كعجوز بلغت من العمر أرذله.. حار الناس فى أمر الكافورة.. الكافورة وقد استجمعت قواها فى يوم فئ.. ظلت تصرخ من أعماقها.. ويوسف منشغل عنها.. مع كل صرخة كانت جذورها تنخلع من باطن الأرض.. فى لحظة اتخذت قرارها.. كانت النسوة غاديات رائحات.. وشفاههن تتعاركن من حلو القبل.. ناظراتٍ إليه.. الهلع والجزع فى ثوانٍ عّم القرية بأكملها.. عانقت الكافورة يوسف.. عناقا أبديا... كان قد بلغ العشر الثانية.. وقف الجد مصلياً.. وانخرطت النسوة فى جمع الأغصان.. كان يوسف باسماً كعادته.. أصرت ولادة أن يُقبر فى مكانه.. حيث كافورة يوسف.. فى صحن كل دارٍ نام حزن.. و فى صحن كل دارٍ نبتت كافورة.. كانت ليوسف.. والموتى يتوافدون مناما،

والصبحِ إذا تنفس.. تكون قد رفعت جلبابها حتى الخاصرة.. قميصها الداخلى.. وقد عُقد من يسارها.. تاركة إياه للندى.. تجر من خلفها بقرة هزيلة.. ومَنجلٌ فى يدها.. تطوى الأرض.. جيئة وذهابا.. تُصلح ما أفسده الليل.. تعود قبل مغيبها.. يسمونها.. إبنة الشمس والعرق.. لم نعرف لها اسماً آخر.. تدخل حجرتها الضيقة.. لا تسمع إلا همساً.. يعانق رائحة بخور طاغية.. لا صويحبات لها.. ولا يعوزها شىء.. أبواها كانا قد دُفِنا فى أرض الحجاز.. وفى رواية أخرى..على مشارف اليمن السعيد.. بَخور حجرتها الضيقة..ليس كالبَخور.. يقولون إنه من جذع شجرة.. راسخ تحت قدميها.. و أن أبويها كانا قد خاويا بعض جِن.. جارتها العجوز تقسم بالبخاريِّ.. أن بقرتها ليست كالبقر أيضا.. لم نر لها روثاً قط. ابنة الشمس والعرق.. لا تكنس حجرتها الضيقة أبدا.. من حجرتها الضيقة نهاراً.. وإذا ما توسطت الشمس السماء.. انعكست ظلالُ على الأرض..رُكعاً..سُجدا.. انقطعت ابنة الشمس عن الخروج. بات الصبح يتنفس وحيداً.. وجلت جارتها العجوز.. استرقت السمع فى ليلة لا قمر فيها.. ابنة الشمس تسامر أحدا.. ذَا صوت أجش.. تصاحبه معاولَ وفئوس تضرب الأرض.. فى انبلاج الصبح.. كان الباب على مصراعيه.. لا أثر للبقرة.. ولا أثر لابنة الشمس.. ضريحان با تساع الحجرة.. وجذع شجرة ظاهر للعيان.. والموتى يتوافدون مناما.

....................................

حتى عهد قريب ورغم قربها من دسوق المدينة.. لم تكن تتمتع بأى مدنية.. فقرٌ قُح.. كأنما ولد أهلها فى جزيرة العرب قبيل البترول.. سكانها يقضون حاجتهم فى الخلاء.. يشربون ماء البحر بعد مزجه بالشّبة.. اختلفوا عن أهل الجزيرة فى التعاطى مع الحب.. كحلُ العينين ميَزة منحت بناتهن خصوصية.. كبنات منيا القمح.. العباءات السوداوات.. زى قومى.. خصلة من شعر تميز كل واحدة.. إذ تنام من فوق حاجب مزجج بمهارة.. فى أحزانهم.. يختارون رجالهم.. أربعة قروء فقط تفصل أى امرأة عن الاقتران بغيره.. والمرحوم فى طريقه إلى المثوى الأخير.. يخرجن فى وداعه مطلقات العديد بأنواعه.. عيونهن على النعش.. النعش يحمله أربعة نَفَر.. ليس من بينهم شقيق المرحوم.. إن كان له أشقاء.. يتنازلن عن ميراثِهن طواعية.. يتركن أولادهن إن كانوا ذكوراً فى بيت أبيهم.. ربيباتٌ إن كن نساءَ.. النفر الذين كانوا يحملون النعش.. يتركون تلفيحاتهم.. على عتبة الدار حين ينتصف الليل..، التلفيحات لا تختلف فى الروائح.. كلهن مخضبات بالحناء التى وضعت مع المرحوم.. يجىء دورها فى الشهر الثالث.. بعد أن يتبيّن أنها ليست حُبلى.. تترك التلفيحات على عتبتها قبل بزوغ فجر الأربعاء.. الأربعاء يوم الطالع.. قصيرة بدينة هذه إحدى ميزانها.. تضعهن فى أربعة أزيرة.. مجاورة لمسجد القرية من فوق كل واحد تضع كوبين من ماء ممزوج بورقتين من كافور.. يقولون إن أوراق الكافور ممزوجة بالحناء.. تميزان رائحة العرق... فى يوم الجمعة ساعة استجابة.. تخلع الزوجة ما عليها.. تغتسل.. تستر عُريها بالتلفيحات.. يتناوبها أهل الدار من بعد صلاة العصر إلى وقت الغروب ضربا بالسياط التى صنعوها من قش الأرز.. يتركونها على حالها.. منزوية فى ركن قَصيٍ من الدار.. حين ينتصف الليل.. تكون البدينة القصيرة.. من خلف ظهرها.. فى يدها إبريق من نحاس أحمر.. تصُب ما فى داخله من فوق ظهرها.. تأخذ ملفحة وحيدة.. تضعها أمام بيت المختار.. والشمس فى البواكير.. يقرأون اسمه محفوراً على ظهرها بفعل سياطهم.. بعد تمام الشهور الأربعة..، تتقدم الزوجة كل نساء الدار.. يذهبن ليخطبن الرجل.. القصيرة البدينة.. حين ضبطتها إحدى أخواتها تخط إسماً لمختار جديد.. أضرمت النار فى نفسها.، يقولون إن قطة سودا تلبست روحها.. وأصبحت دليلاً.. بعد سنوات اشتعلت النار فى القطة.. قفزت من سطوح إلى آخر...أتت على (المندورة) بكاملها..، لم يتبقّ منها غير حواديت الجدات اللواتى نجون من النار.. ونعش وأربع تلفيحات.. القرى ومن حولها.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق