الجمعة 5 من جمادي الأولى 1440 هــ 11 يناير 2019 السنة 143 العدد 48248

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أيامى فى العراق.. الأسد المجنح

عندما تغادر مدرج الطائرة وتدلف إلى بوابة مطار بغداد وزخات المطر الشتوية تطاردك وأنت تقفز بالحقائب التى تتهادى على اديم الطريق الذى تحول إلى برك مياه ضحلة تغوص فيها الأحذية، ووقع قطرات الماء الثقيلة يحولها إلى نغمات غجرية ذات إيقاع موحد، لكن أمام أبواب مدخل المطار لابد أن تقف مجترا التاريخ السومرى رافعا رأسك لثلاثة أمتار أو تزيد بين جداريتى أسد آشور المجنح الشهير المستعرضتين بالنحت الغائر بتلك النظرة المهيبة للرأس الملكية ذات الذقن الكث والعيون القاسية، الذى يحمل جسد ثور مجنح ويسمى أيضاً "شيدو لاموسو"، كما ورد في الكتابات الآشورية.

وأصل كلمة "لاماسو" في اللغة السومرية يستعمل لأنثى من الجن مهمتها حماية المدن والقصور ودور العبادة، ويأتى صوت محدثى ورفيقى في السفر عالم الآثار الدكتور محمد الكحلاوي، ابن الفنان الذى قصر غناءه وإنشاده على النبى محمد صلى الله عليه وسلم، والذى رفض منصب وزير الآثار سابقا، حارس التاريخ الإسلامى الأمين العام لاتحاد الآثاريين العرب، ويكمل وصفه لما فاجأنى أنا وأستاذ القانون الدولى بجامعة عين شمس د. السيد أبو الخير، فرحنا نتحسسه بأصابعنا، هو مستنسخ لجانب التمثال الضخم الذى يبلغ طوله 4.42م ويزن أكثر من 30 طناً.

وهو مكون من زوجين يحرسان باباً من أبواب سور مدينة دور شروكين، التي شيدها سرجون الثاني ملك آشور (705 قبل الميلاد) ونقلهما إلى العاصمة نينوى، حيث يرمزان إلى القوة والحكمة والسمو، وقد اشتهرت الحضارة الآشورية بالثيران المجنحة بمملكة آشور وقصور ملوكها في نينوى وآشور شمال بلاد ما بين النهرين، حيث أصبحا رمزاً من رموز هذه الحضارة التي كانت تعتمد القوة أساسا فى سياستها وانتشارها.

وأكملت فض الورقات المطوية التى أحملها لأهم آثار العراق التى نحن بصدد الانخراط فى مؤتمر حمايتها، اللاماسو هو نوع من الكائنات الأسطورية المختلطة التكوين، فهي في أكثر الأحيان ثور مجنح برأس إنسان وأقدام أسد، أو برأس إنسان وأقدام ثور، وقد أخد أشكالا عدة خلال حقبات التاريخ، وحتى في آشور نفسها حيث نجده أحيانا تحول إلى أسد غير مجنح ولكن برأس إنسان ذي أيدي وهو مخصص للحماية أثناء الاستحمام، حيث تقول المعتقدات الآشورية القديمة: إن رمي أو تحريك المياه الساخنة تجذب الروح الشريرة والتي تدعى بازوزو، ويقول د. أبو الخير: عندنا فى الريف لا تزال النساء حتى اليوم يستعملن عبارة (كش) عفوياً لطرد الأرواح الشريرة لدى رمي أو تحريك الماء الساخن.

واستكملت القراءة: كما أن اللاماسو هو قوة تجمع أربعة عناصر تكون الكمال (الأسد للشجاعة والثور للقوة والنسر للمجد والإنسان للحكمة)، وهو فكرة مستمدة من اعتقاد البشر بالعناية الخارقة، وقد تسللت هذه الفكرة لمختلف الحضارات القديمة، وتكررت فكرة العناية الخارقة في الكثير من الأديان والمعتقدات على سبيل المثال، وكذلك قام الرومان باستعمالها على نقودهم، وأبي الهول لدى الفراعنة في مصر، كما أن فكرة الملاك الحارس، التي رسخها في الكنيسة الفيلسوف ديونيسيوس الأريوباغي مستمدة من فكرة عناية الله وحمايته لأشخاض مختارين لهداية البشر، وهم في أغلب الأحيان القديسون.. وهنا عاود ديكى الصياح، فتوقفت منتظرا عودتى لإكمال الحكاية ذات صباح.


لمزيد من مقالات ياسر عبيدو

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث: