الجمعة 5 من جمادي الأولى 1440 هــ 11 يناير 2019 السنة 143 العدد 48248

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نوع خاص من شِعر الحب

وأنا أتصَفّح المختارات الحاشدة التى قام الدكتور إبراهيم حمادة بترجمتها عن الشعر الفرنسى بعنوان: الحب وفنونه (المركز القومى للترجمة), استوقفتنى ثلاث قصائد لشعراء مختلفين تتناول كلها موضوعا واحدا يمكن اعتباره نوعا أدبيا فرعيا ضمن أشعار الحب. وهو يتحدث عن نقطة بعيدة فى المستقبل: حين يشيخ المحبوب, أو يشيخ العاشقان معا. هذه القصائد الثلاث - بترتيبها فى المختارات - هي: الأنشودة الخالدة لروزيموند جيرار (1871 - 1953), وهى شاعرة فرنسية من شعراء النصف الأول من القرن الماضي؛ أما القصيدة الثانية فهى للشاعر الفرنسى - الحائز على نوبل 1901 - سوللى برودوم (1839 - 1907) بعنوان: الشيخوخة, والثالثة والأخيرة لشاعر البلاط الفرنسى فى القرن السادس عشر بيير دى رونسار, وعنوانها «حين تصبحين عجوزا». والقصائد الثلاث, وبالذات الأخيرة, ذكرتنى بقصيدة مبكرة أُحِبها للشاعر الأيرلندى ويليام بتلر ييتس (1865-1939) تنتمى لديوانه الثانى الوردة (1893), وعنوانها هو نفس عنوان قصيدة رونسار: حين تصبحين عجوزا, لكنها, وإن تشابه الموضوع فى القصيدتين, تختلف كثيراً عن القصيدة الأقدم من حيث المزاج الوجداني, كما سنري. ولنبدأ بقصيدة رونسار, الذى يخاطب محبوبته بهذا المطلع: «حينما تصبحين عجوزا / وتجلسين فى المساء على ضوء الشموع/ بجوار نار المدفأة/ تَلُفِّين الخيط وتغزلين/ ستقولين, وأنت تُنشدين أشعارى وتعجبين/ رونسار كان يُشَبِّب بي/ حينما كنتُ جميلة»..

ثم انظر كيف يتشابه هذا المطلع مع مطلع قصيدة ييتس, المكتوبة بعد مئات السنين, فى العقد الأخير من القرن التاسع عشر, وهو تشابه يجعلنى أُرَجِّح, إن لم أقل: أقطع, بأن قصيدة ييتس هى استلهام صريح لقصيدة شاعر عصر النهضة الفرنسيّ, وليس مجرد توارد خواطر. يقول ييتس فى مطلع قصيدته التى أترجمها لكم هنا: حين تصبحين عجوزا رمادية/ يغالبها فيغلبها النعاس قُرب النار/ فيسقط رأسها كل حين على صدرها/ التقطى هذا الكتاب من الرف/ واقرئيه على مَهَل.

ييتس هنا يلتقط خيوط الغزل من يد رونسار, فينسجها نسيجا مختلفا يتناسب مع شاعريته ومع عصره. فمثلما كان رونسار ابن زمانه حينما افتخر بشعره الذى خلّد جمال المحبوبة, كما نجد نفس النبرة - مثلا - عند معاصره الإنجليزى شيكسبير فى سوناتاته, كان ابن زمانه أيضا فى هذا المقطع الأخير من قصيدته: سأكون تحت الثري, شبحا بلا عظام/ .. وأنتِ فى دارك عجوزا شمطاء/ تندمين على حبى وازدرائك النَّفور/ عيشى حياتك, صدقيني, ولا تنتظرى يوم الغد/ اقطفى من اليوم زهرة العمر. هنا رونسار يخلص للنغمة التى كانت سائدة فى أشعار الحب إبان عصر النهضة, وهى أن الحياة قصيرة وفُرصة الصبا لا تُعوّض, فلابد أن نقطف الزهرة فى زمن ربيعها الذى يمر بسرعة. انظر معى فى المقابل كيف عالج ييتس فكرة الزمن وطوّرها إلى نسيجه الخاص, حيث لا افتخار ولا إغواء, بل إعلان للحب حتى النهاية: خذى هذا الكتاب واقرئيه على مهل/ واحلمى بتلك النظرة العذبة/ التى امتلكتها عيناكِ ذات يوم/ وبالظلال العميقة التى كانت فيهما تترقرق/ كم من الرجال أحبوا لحظاتكِ المنْعِمةَ بالحُسن وبالبهجة/ وأحبُّوا - إن صدقا أو كذبا - جمالك/ لكنً واحدا فقط أَحَبَّ روحك/ التى تحِنّ إلى أن تحُج/ وأَحَبّ الأحزان فى وجهِكِ الذى يتغيرّ«. ثم يختم ييتس قصيدته بتلك العجوز الناعسة التى بدأ بها: اوأنتِ تميلين برأسك/ أمام الألواح المتوهجة/ فلتهمسى - ببعض الحزن - : كيف فَرّ الحُب/ وخَطَا على الجبال فوقنا/ مخبئا وجهه فى زحمة النجوم!. نستكمل حديثنا عن هذا النوع الأدبيّ الفريد فى المقالة القادمة بإذن الله.


لمزيد من مقالات بهاء جاهين

رابط دائم: