الجمعة 5 من جمادي الأولى 1440 هــ 11 يناير 2019 السنة 143 العدد 48248

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دار ابن لقمان.. هنا أسر لويس التاسع ملك فرنسا

بشرى محمد

عدنا بعقارب الزمن إلى الماضى تحديدا إل عام 1218ميلاديا حيث تم إنشاء دار ابن لقمان عل يد قاضى القضاة فخر الدين إبراهيم بن لقمان الاسعردى الذى اتخذ منها سكناً له. هذه الدار التى كانت تمثل النهاية لما عرف حينها بالحروب الصليبية السابعة شاهدة على لحظة مجيدة فى تاريخ مصر ضد الغزاة، ففى هذه الدار تم اسر لويس التاسع ملك فرنسا وسجنه فى إحدى غرفها لمدة شهور، دار ابن لقمان تعنى ان التاريخ مازال يحكى عن روعة كفاح شعب مصر. فماذا تقول هذه الدار؟ إليكم الحكاية.



«الطواشى صبيح».. حارس أبيات شعر

هناك فى مدينة المنصورة، تحديدا منتصف شارع بورسعيد فى الجهة المقابلة لشارع الثورة «السكة الجديدة»، هناك تجد الدار التى كانت تقام على شاطئ النيل مباشرة ابتعدت مع مرور الزمن مسافة تقدر بنحو 500 متر، والدار التى كانت تقدر مساحتها بـ 576 مترا، للأسف لم يعد يتبق منها سو 50 متراً الآن بعد سلسلة من التعديات والمخالفات. هناك وجدنا ذكرى جمال الدين المعروف بالطواشى صبيح الذى قام بحراسة لويس التاسع والذى لولا أبيات ابن مطروح التى علقت على باب الدار وتكرار الناس لها لكان كأى عابر فى صفحات كتاب التاريخ تلقى الناس عليه نظرة وتمر وما اشتهر بهذه الشهرة. «خمسون ألفا لا ير منهم إلا قتيل أو أسير جريح فقل لهم إن أضمروا عودة لأخذ ثأر أو لقصد صحيح دار ابن لقمان على حالها والقيد باق والطواشى صبيح». بهذه الأبيات الشعرية التى كتبها جمال الدين ابن مطروح والتى نقشت على بابها استقبلتنا «دار ابن لقمان» بمدينة المنصورة العريقة، الدار التى تجسد مرحلة هامة من تاريخ مصر، تلك المرحلة التى انتصر فيها شعب المنصورة على الحملة الفرنسية فى 8 فبراير عام 1250م، وهو ذات اليوم الذى اختارته محافظة الدقهلية ليكون يوما لعيدها القومى. دخلنا إل الدار التى يتعانق فيها الحاضر مع الماضى، والواقع مع التاريخ، بداية مما هو محفور على المبنى من الخارج باللون الذهبى «متحف المنصورة القومى» وتحتها مكتوب «دار بن لقمان».

من 700 عام ولويس التاسع يمر مكبلا يكاد التاريخ يطل عليك من كل ركن فى هذه الدار حتى تكاد تلمس هذا التاريخ بذاتك فى الدرجات الحجرية الأربع التى تهبط بك إلى داخل دار قاضى القضاة «فخر الدين إبراهيم بن لقمان» إلى الباب الخشبى الضخم، تلك الدرجات الأربع الدرجات نفسها الت مر عليها مكبلاً «لويس التاسع» قبل أكثر من سبعمائة عام بعد هزيمته المريرة عل أيدى المصريين. فور دخولك من الباب تجد نفسك فى مربع صغير تتدلى من سقفه بعض المصابيح الزجاجية المتشابهة والمنقوشة مكتوب عليها «الله نور السماوات والأرض» وعلى يمينك تنفرج الدار عن فناء واسع ما إن تدخله حتى تواجهك ثمانى درجات خشبية تلك الخشبات التى صعد عليها «لويس» من قبل مقيداً إلى داخل حجرته العلوية المسقوفة بعروق الخشب والمزودة بنافذتين صغيرتين تطلان على خارج الدار. المكان عبارة عن دار بنيت عل الطراز العرب القديم المكون من السلاملك وهو سكن الرجال والحرملك وهو سكن النساء، وكان يجاور هذه الدار عند بنايتها مسجد كبير بناه الملك الكامل مع بداية تكوين المدينة يطلق عليه مسجد الموافى نسبة إلى شيخه «الشيخ موافى» ولا يزال هذا المسجد موجوداً للآن وقبلة المسجد لا تزال تدخل فى حائط دار ابن لقمان وكأن هذه القبلة تشير إلى أن الدار عهدها من عهد بناء المسجد. تلك الدار التى حينما تخط قدمك فيها تشعر أن ثمة روحا دبت وسرت بين جنباتها، الدار التى تتمسك بالهدوء الذى قد يصيبك بالدوار، وبالبساطة والبدائية فى البناء رغم الحداثة التى تحيط بها من كل اتجاه، وكأن هذه الدار وحدها معنية بالطراز والتاريخ الإسلامى. تتكون الدار من طابقين عل الطراز الإسلامى، حيث تجد أن باب الدار عبارة عن باب كبير يحوى بداخله باب أصغر، الباب الكبير يصل طوله إلى ما يزيد على مترين بقليل أما الباب الصغير فطوله لا يتعدى الأربعين سنتيمترا، ويقال إن هذا الباب الصغير أنشئ خصيصاً فى قلب هذا الباب لى يدخل الملك لويس التاسع محنى الظهر إلى غرفة الأسر.

ملك ورسالة وأسير البداية كانت عندما كتب لويس إل الملك الصالح كتاباً شديد اللهجة يطلب فيه تسليم البلاد ويقول فيه: «لو حلفت ل بكل الايمان وأدخلت عل الاقساء والرهبان وجملت قدامى الشمع طاعة للصلبان لكنت واصلاً إليك وقاتلك فى أعز القاع عليك». نعم كان على السلطان الذى بك أن يسترد فرحه، وكان على مصر ألا تفتح بابها الكبير أمام لويس التاسع، وعلى لويس أن يدخل محنياً لا إلى مصر وحدها بل إلى الأسر أيضاً من باب صغير. يتكون الطابق الأول فى هذه الدار من قسمين، القسم الأول عبارة عن غرفتين تقع على يمين الداخل بكل منهما كوة صغيرة كانت عبارة عن نافذة تطل عل الطريق ولكنها أغلقت منذ أمد طويل. أما القسم الثانى فهو على يسار الداخل وكان مكونا من غرفتين أيضا ولكن نظرا لتهدمهما فقد أعيد بناؤهما على هيئة صالة متسعة اتخذت متحفا يؤرخ لتاريخ الحملات الصليبية حيث يوجد به صوره ضخمة تمثل معركة المنصورة أمام الصليبيين وأيضا تمثال نصف لصلاح الدين الأيوب وكذلك مجموعة من الأسلحة المستخدمة فى هذا العصر من رماح وأسهم وخناجر ودروع، يتوسط القسمين صحن كبير للدار به سلم خشب يصعد للدور الثانى. ويتكون الدور الثانى من غرفة واحدة والغرفة التى أسر بها لويس التاسع بحيث تتكون من أريكة خشبية وخزانة ف الحائط ونافذة مطلة عل الخارج وكرسى ضخم، أما أهم ما يميز الغرفة هو تمثال بالحجم الطبيع للملك لويس التاسع والأغلال فى يده وخلفه الطواشى صبيح وهو الحارس الذى كان يقوم بحراسته. هذه الغرفة التى وقفت أمامها كثيراً، أنظر إلى تمثال لويس التاسع المتجهم الصامت الذى يظل صامتاً وكأنه يعاتبنا عل قسوة النظرات! «يا فرنسيس تونس أخت مصر» رحل هذا الصامت العابس «لويس التاسع» يجر أذيال الخيبة تاركاً ذكرياته بين جدران دار لقمان التى اعتقل داخلها لمدة شهر كامل بجزيرة الورد الشهيرة بمدينة المنصورة، وما كان سيدخل إلا لأن السلطان الصالح «أيوب» كان يعانى وقتها من ورم خبيث تسبب فى وفاته داخل قصره بالمنصورة حينما كان الصليبيون يرابطون فى مدينة دمياط التى استولوا عليها وامتلكوا أبراجها، فمات السلطان تاركاً معسكره بلا قائد تقريباً، الأمر الذى دفع زوجته «شجرة الدر» أن تتكتم خبر وفاته، وأرسلت أحد المماليك سراً إلى حصن «كيفا» بالعراق ليستدعى ولى عهد السلطان وابنه المعظم «توران شاه» ليتولى مقاليد الأمور، وقبل وصول السلطان الجديد كان خبر وفاة الصالح «أيوب» قد تسرب إلى الصليبيين فراحوا يتحركون فى اتجاه المنصورة حيث معسكر المصريين، غير أن «بيبرس» المملوك الشاب استطاع أن يوقع بهم فى معركة المنصورة بعد أن دبر عدة كمائن داخل المدينة سهلت عليه اصطيادهم وقتل قائدهم الأخ الأصغر للملك «لويس» وكان ذلك فى يوم «8 فبراير» اليوم الذى أصبح عيداً قومياً تحتفل به محافظة الدقهلية كل عام حتى الآن. ورحل «لويس التاسع» بلعنة دار ابن لقمان حتى انه من طريف ما يرو بحسب ما قال أحمد تيمور فى مقاله بمجلة الزهراء عن دار ابن لقمان أن «لويس التاسع» هذا قصد غزو تونس سنة 668 فقال شاب من أهلها اسمه أحمد بن اسماعيل الزيات:

يا فرنسيس تونس أخت مصر

فتأهب لما اليه تصير

لك فيها دار ابن لقمان قبر

وطواشيك منكر ونكير

فقدر الله أن اصيب هو وجيشه بالوباء فهلك وهو محاصر لتونس سنة 669 (الموافقة لسنة 1270م ) وصح ما جرى على لسان الشاب التونسى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق