الجمعة 5 من جمادي الأولى 1440 هــ 11 يناير 2019 السنة 143 العدد 48248

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رسائل لم تنشر من يحيى حقى إلى صديقه الذى لم يقابله أبدا

إبراهيم عبدالعزيز

من عجائب أديبنا الكبير يحيى حقى حرصه على مراسلة صديق له لم يقابله أبدا فى حياته،ولكنه بحتفظ له بتقدير كبير كأديب له قدره ومكانته لديه، وهو عبده حسن الزيات، والتى تكشف خطابات يحيى حقى إليه عن جوانب خفية من الحياة الأدبية والخاصة ليحيى حقى نفسه، الذى يتقبل نقد صديقه له برحابة صدر لا تجدها سوى عنده، فيسمى اتهامه له بأنه استمد رائعته قنديل «أم هاشم» من «تلميذ الشيطان» لبرنارد شو، فلا يرى فيه إلا «رأيا غريبا»، والأدهى موقفه من رأى كتبه د.أنور المفتى يقول فيه إنه لا يفهم من أدب يحيى حقى شيئا، فيلجأ إلى صديقه عبده الزيات حائرا متسائلا «هل أكتب بأسلوب ليس أسلوب العصر».

وقبل أن نقدم هذه الرسائل المجهولة التى لم يسبق نشرها ليحيى حقى، ينبغى أولا أن نتعرف على شخصية عبده الزيات التى اختصها يحيى حقى بخطاباته الخاصة، وذلك من خلال ما كتبه يحيى حقى نفسه عن صديقه الذى رثاه عند وفاته بمقالين فى جريدة المساء (23/4 و2/5/1966) وأعاد نشرها فى كتابه «عطر الأحباب» وقدم فيهما صورة تعرفنا به.

يقول عنه إنه «كان امتداداً وربما كان خاتمة لأجيال لم يقع فى عرفها طلاق بين شقى معنى الأدب.. أدب النفس وأدب القول.. فلو سألتنى من هو المؤدب من معارفك لقلت هو عبده حسن الزيات.. ولو سألتنى من هو الأديب من معارفك لقلت إنه عبده حسن الزيات.. لم ألحقه فى عز جهاده فى حقل القانون والسياسة والأدب».

...............................

كان من هدايا مصر المشرفة إلى العراق الشقيق ليتولى التدريس فى كلية الحقوق ببغداد، وكان رئيساً لتحرير صحيفة «كوكب الشرق» و«الوادى» وكان نجماً لامعاً فى سماء الأدب تأليفاً وترجمة.. ولكنى أشهد أن عبده حسن الزيات حين اعتزل الناس والحياة وهو فى عز نجاحه لم يعرف قلبه ندماً أو مرارة حين رأى الناس قد بادلوه اعتزالاً باعتزال.. اشتغل الفقيد بالمحاماة وملك حق المرافعة أمام محكمة النقض، وقد ألّف عن مساره القانونى كتاباً ممتعاً يضم ذكرياته،وستتم السيرة كذلك بنهضتنا الثقافية فى تلك الفترة، فقد كان الفقيد من أعلام أدبائها. وامتاز بأسلوب رفيع رشيق خفيف الدم، امتد به ركب أعلام كتاب العربية فى تاريخها الطويل.. وانقطع عن التأليف والترجمة واعتزل الحياة والناس، ولكنه ظل إلى آخر يوم فى عمره يتتبع إنتاجنا الأدبى يكاد لا يفوته منه شىء.. يلاحقه بنقده الهادئ فى رسائله الخاصة إلى أصدقائه.. كان يعشق الحياة ويخاف الموت، ولكنه رغم ذلك كان مهملاً فى علاج أمراضه، فقد هاجمه داء البول السكرى فى أواخر أيامه وعبث بأطرافه وبصره، فهزأ به ولم يبال بخطره، وكان يغيظنى أحياناً بروده وأنا أحثه على العناية بنفسه. وكان فى السياسة يعشق سعد زغلول. لا يطيق أن يذكره إنسان بكلمة سوء، ولو خفيفة عابرة، وكان يعشق الفصحى، ولا يطيق أن يصيب كاتب جمالها بأهون خدش.. كانت أسعد لحظات عمرى لحظة أن أجد فى صندوق البريد خطاباً من «دمياط» لا يتغير ظرفه ولا ورقه حجماً أو لوناً، مكتوبا بخط سلس جميل، تارة من صفحتين وتارة من عشرين صفحة. أما خطابات يحيى حقى رداً على خطابات عبده حسن الزيات فهى التى تكشف لنا المزيد من أبعاد صورة عبده الزيات وعلاقته بأديب كبير كيحيى حقى، وهذه هى نصوص الرسائل.


الرسالة الأولى: شىء مخيف

وهى ككل الرسائل بغير تواريخ، وفيها يؤكد يحيى حقى أن عبده الزيات صار جزءاً من حياته رغم أنهما لم يلتقيا أبداً طوال حياتهما!، وفى هذه الرسالة يحدثه عن أشياء خاصة جداً ولا يجد لها تفسيراً. يقول: عزيزى الأخ الصادق عبده حسن الزيات تأخرت عليك وما أنا غائب عنك ولا أنت غائب عنى، إنما دخلت فى دوامة سخيفة شغلتنى عنك. لو رأيتنى وأنا أقرأ خطاباتك كلمة. كلمة وأتلهف عليها وأحزن أشد الحزن إذا تأخرت عليّ، أصبحت «ياسى» عبده جزءاً من حياتى. وأن يحدث هذا ونحن لم نتلاق هو أعجب العجب. سأرسل لك فى البريد القادم نسخة من كتاب لى جديد، كنت لا أحبه لأننى لم أفعل إلا أن جمعت مقالات لى منذ 1927 وضممتها بين جلدتين. أحسست بأننى تُربى معين لحراسة قبوره. ولكن هذه هى أنانية النفس. أرجو أن تكون قد انتبهت لكلمات ثلاث أو أربع وردت فى قصة لى اسمها «مرآة بغير زجاج» هى «عجز يدى عن الامتلاك».

كلمات فظيعة لأنها تشخص داءً فظيعاً يفترسنى، أحس به كل الإحساس، وأحس بكل عوارضه.. فكيف لمن يقول هذا القول أن يفعل هذا الفعل. شرحت ذلك فى مقدمة الكتاب ولن يفهمه أحد ممن لم يقرأوا الكلمات الفظيعة. أتعلم أننى لا أمسك شيئا إلا وقع منى؟ بل لمست مرة دولاباً ضخماً مجرد لمس فانهدم، وأخيراً وقعت منى زجاجة صغيرة ملأى بالماء فى الحوض الرخامى المتين الصلب، فانشرخ.. سأحدثك عن هذا المرض وصلته بمذهب الفوضويين.. والإباحيين.. أجارك الله. كيف ومتى نًصنع؟ أفى هذه الدنيا أم من قبل، من أكبر السخافات هذا التفريق بين الجسد والروح. إن كليهما مظهر لكائن واحد.. أين هو؟ هذا شىء مخيف. أخوك/ يحيى حقى.


الرسالة الثانية: تلميذ الشيطان

فى هذه الرسالة يعلق يحيى حقى على رأى غريب من عبده الزيات يقول فيه إن «قنديل أم هاشم» ليحيى حقى، مستمدة من «تلميذ الشيطان» لبرناردشو! وتتناول الرسالة أيضا مشكلة الروتين فى تسويته لمعاشه، وفى نهاية الرسالة يتحدث عن أمل يراوده فى لقاء عبده الزيات، وهو أمل لم يتحقق أبداً. يقول: الأحد أخى العزيز الأستاذ الزيات أولاً رمضان كريم، كل سنة وانت طيب، نحن نلتمس فى هذا الشهر أكثر من غيره راحة للنفس ووثوقاً فى رحمة الله.

توالت عليّ رسائلك، لا أدرى كيف أشكرك على عنايتك بى، أحس أنك تشجعنى عن عمد، كأنما لحظت من رسائلى أننى فى حاجة إلى هذا التشجيع. ثم انظر إلى خسة طبعى، كنت إذا تأخرت أنت عن الرد أغضب وأعتب عليك فى سرى، فها أنذا أقبل أن أكون مديناً مزمناً.. ولكن لم يصرفنى عنك إلا مشاغل تافهة جداً، والليلة أكتب إليك وأنا أستمع عن بُعد قليل لصوت المقرئ فى صوان المرحوم «إسماعيل مظهر» عرفته معرفة متقطعة، رحمه الله، إنه كان من المجاهدين وله فضل كبير على المكتبة العربية.. لا أدرى لماذا إذا ذكرته ذكرت أيضا محمد لطفى جمعة.. قال لى أحمد عطية الله، صاحب الرحلات، حين لقينى اليوم وعلم بوفاة إسماعيل مظهر: إنه كان فى أواخر أيامه يحس أن القطار قد فاته، وأنه كان أحق بنصيب أكبر مما ظفر به. جميع ملاحظاتك على الرأس والعين، فبالله لا تبخل بها عليّ. إننى أدرس أسلوبك ونحوك وصرفك فى خطاباتك، وفى المقال الذى أرسلته لى عن قضية رابعة، وعلى فكرة: رأيتك تقول للقارئ إن «قنديل أم هاشم» مستمدة من «تلميذ الشيطان»، وقد وقفت عند هذا القول حائراً، فأنا قرأت بعض مسرحيات «شو» ونسيتها طبعاً، ولا أذكر شيئاً عن «تلميذ الشيطان». فخبرنى ما هى العلاقة؟ وإنى مشتاق الآن لقراءة «تلميذ الشيطان» لأعرف من أين جئت بهذا الرأى. حكاية كبش نطاح، لا نطاح، فهذه غلطة مطبعية، لأنى أحفظ مطلع هذه القصيدة وبعض أبياتها لرنينها الحزين الصادق المنبعث من القلب. لعلك لا تعلم أن الأستاذ فتحى رضوان يتكرم عليّ بمودته وصداقته، وقد ذكرتك عنده فوجدته يعرفك حق المعرفة ويثنى عليك أكبر الثناء. كنت أحب أن تكون قد قرأت رثائى لأحمد خيرى سعيد، فإنك لابد أيضاً عرفته وقت اشتغاله بالصحافة فى «الهلال». فكرت أن أجمع مقالاتى غير المرتبطة بمناسبة زمنية فى كتاب لعله يصدر قريباً إن سهل المولى وبعنوان «فكرة فابتسامة» على حد قول «شوقى» نظرة فسلام. أنت لا تعلم كم استخسر أنك لا تجود علينا فى مجلاتنا بفيض قلمك، أنت فى الطليعة والقمة، فحرام عليك أن تحرم الناس من فضلك.إن كل كلمة منك ملكة متوجة جالسة على عرشها. ها أنذا أهجم عليك وأسألك هذا السؤال الذى يدور فى رأسى منذ تراسلنا! ما السبب؟ إننى الآن أجرى لتسوية معاشى، تصور أنهم يطالبوننى بخلو طرف من وزارة الخارجية، وقد تركتها منذ 9 سنوات. وبخلو طرف من وزارة الداخلية وقد تركتها منذ 33 سنة. ومن وزارة التجارة وقد تركتها منذ 8 سنوات. واتضح أن علىّ ديوناً كنت أجهلها، وإنما هى نتيجة غلط فى كشوف الحسابات. أخى الزيات: إننى الآن أترقب خبراً علقت عليه آمالى فى وجه الله سبحانه، ومع الأمل قلق شديد، فتجدنى هائج الأعصاب، وأمس ذهبت للإذاعة لألقى كلمة فطالت قليلاً فحذفوا بعضها، فخرج الكلام مضطرباً، وكنت متلعثماً أكثر من عادتى. وخرجت وأنا أكلم نفسى فى الطريق. ما أعجب هذا الأمل الذى يراودنى بأن ألقاك قريباً، لأشكرك حقاً من صميم قلبى على عنايتك الأخوية بى. المخلص يحيى حقى.


الرسالة الثالثة: غير منحط

ولا يزال يحيى حقى يبدى عجبه من أنه لا يزال لا يعرف شخص عبده حسن الزيات رغم الصداقة الشديدة التى ربطت بينهما على الورق. يقول: الأربعاء 27/12 إلى عزيزى الأستاذ عبده حسن الزيات طال انقطاعى عنك، ولا أقول انقطاعك عنى، تصور أن تحوّل حياتى من الذهاب إلى دار الكتب إلى البقاء فى البيت، جعل من العسير عليّ أن أضع جواباً فى صندوق بريد، فأنا أسكن وبينى وبين أقرب مكتب مسيرة نصف ساعةّ ولكنى أذكرك دائماً، ولا أنسى لا على وجه التحديد كم فات من الوقت على آخر خطاب لك، لأن المدة فى ذهنى دائماً كبيرة جداً. والعجيب أن بيننا «نقداً» كثيراً نتعامل به، وأنا وإن وافيتك ببعض أخبارى فإنك تبخل بها عليّ.. ولست عاتباً ولا لائماً، يصلنى أحيانا شيء من «نقد» آخر عن غلطات لغوية فأشكر راسلها من صميم قلبى وأخجل من نفسى.

فأنت ترى أن صلتنا روحية صرفة، وأنها غير محتاجة لأنباء وتفاصيل وحوادث. على أن هذه الصلة تُمتحن على أيدينا امتحاناً عسيراً، والظاهر أن الحياة العملية المادية لا تحتملها وتخنقها، ولكن ثق أننى لن أفلس. السنة الميلادية ليست من تقويمنا ومع ذلك أصبحنا من أتباعها، فذهنى متجه إليك فى ختام هذا العام الذى يولى، وأعجب العجب أننى لا أعرف شخصك ولا أخلالك، ومع ذلك ففى قلبى إحساس شديد بك، من أجل هذا يتجه ذهنى إليك، وكله دعاء بأن يمنحك الله السعادة والصحة والهناء. كلمات بلاها الاستعمال، لكنها تصحو مع الصدق. كنت فى لجنة اتحاد الأدباء التى رشحت الأستاذ الزيات لجائزة الدولة، ولا أعرف مبلغ قرابتك له.

وقلت للجنة إننى أرجو أن يمد الله فى عمر محمود تيمور للعام القادم، فإنى أحب ألا يفوته هذا التكريم.. وذكرتهم بموقف أبيه من إهداء مكتبته للأمة، وجهاد أسرته كلها لا جهاده وحده من أجل فن رفيع غير منحط. أخوك يحيى حقى.


الرسالة الرابعة: على العين والرأس

هى أقصر الرسائل ولكنها تعبر عن قلة بخت يحيى حقى مع صديقه يقول: عزيزى وصديقى الأستاذ عبده حسن الزيات كل سنة وانت طيب، كل عام وأنتم بخير، عقبال عرفات إن شاء الله، هيهات لمرادفات العربية أن تحقق صدق هذه التهنئة التى أبعث بها إليك من صميم قلبى. ليس لى بخت معك، هذا هو الظاهر، وإذا كانت مسألة عرضى عليك مساعدة المجلة هى التى أخفتك فليتنى لم أكتب ما كتبت، إن كنت أخطأت عفواً. مازلت أنتظر رسائلك وآراءك ونصحك أقبل كل هذا شاكراً وعلى الرأس والعين. المخلص يحيى حقى، فهمت أنك جئت مصر ولم تتكرم برؤيتى.


الرسالة الخامسة: معارك أدبية

يبدو ومنهج يحيى حقى فى نظرته لسياسة «المجلة» التى يرأس تحريرها، واضحاً فى محاولة البعد عن الأكاديمية قدر المستطاع والبحث عن المفيد النافع لحياتنا وأدبنا، ويبدى تعجبه من تحول بعض أدبائنا كلطفى السيد وطه حسين ود. هيكل من العداء لفكرة قومية مصر العربية إلى النقيض تماماً، ويبدو حرص يحيى حقى على أخذ رأى صديقه عبده الزيات فى أسلوبه فى الترجمة يقول: سيدى وصديقى الذى لم أره بعد، إنى أعرف كل إنسان أنا مدين له بمبلغ من المال ولكنى أتغافل عنه، ولكنى لا أعرف دينا هيهات أن أغفل عنه مثل هذا الدين الذى طوقت به عنقى، وأنا به سعيد ممتن، لا لأنك ترشدنى فأشكرك، بل لأنك تكتب إليّ ولا تنسانى، كدت من فرط أنانيتى أسرّ إليك بأرق بالليل أحياناً حين أجد أننى أنتفع بهذا الأرق، إننى أسقط عنى فى حديثى معك الحياء، فهل أسقطت أنت التكليف؟ فقد حزنت أشد الحزن لقولك لى «ومن جهة أخرى لا أحب أن تثقل المنن كتفى» ولو قلت كتفك لكان أهون. وأتوهم أنك تريد خدمة لى قبل أن تريد مصلحة للمجلة. أفيبلغ ظنك بى هذا المبلغ، أأكون أنا صاحب منة عليك؟ ما هذا الكلام؟ فى أى منزلة واطئة تنزلنى؟ إنى مصاب بداء خبيث هو عدم الثقة بالنفس، وأفهم أن هذا الطبع قد يفسره الناس بأنه تواضع كاذب، فأمقت نفسى مرتين.. من الداء والتفسير الموهوم. من أجل هذا أكره لمن أحبّ أن يكون حاله مثل حالى، إننا نتلمس فى الآخرين المثل الأعلى الذى نفتقده فى أنفسنا، وإذا رأيناهم مثلنا أصابنا حزن ثالث.. لم أكن أتوقع منك هذا الكلام فأناشدك أن تعلم أننى لا ألف معك ولا أدور، ولا أتملقك ولا أكذب عليك ولا أتفاصح بكلام تَجُب فصاحته صدقه، أناشدك أن تسقط التكليف وتترك مثلى، النفس على سجيتها، العمر قصير، فلماذا وجع الدماغ فى الأباطيل، وإذا تزعزعت أنا فاثبت أنت. إعلم رد هذا أنباء لا أكرر أن لم يجل فى خاطرى قط هذا المعنى الذى فهمته، بل لم أتوقع أن تفهمه وإلا لما كتبته ولتذهب المجلة فى ستين داهية. ذهبت أمس فى زيارة غير رسمية «للمجلة» فوجدت مواد العدد القادم كلها مقالات نظرية جامعية مثل «الأخلاق بين المعيرية وبين شىء آخر لا أدريه، «لوكلوى» ومنشأ الهجاء فى روما القديمة، الرومانسية فى فرنسا إلخ.. إلخ..». أظلم الجو فى عينى وألححت على حذف كلمة «المعيرية» من عنوان المقال، إنها تنفر أمة بأكملها لا قارئا غلبانا مثل حال قارئنا،.. عرفت أن العبء باهظ، ومهمتى صعبة هى أنى مصاب بإعياء روحى شديد، الود ودى أن أعيش فى بلطجة مستمرة.

أريد مقالات تنفعنا، متصلة بحياتنا وأدبنا، وحبذا لو دارت حول شخص لا فكرة، أى نصل إلى الفكرة من خلال مثل يقدمه شخص، فهذه المقالات أحبها وأقرأها بسهولة، وأنا واثق أن الجيل الحاضر شديد اللهفة على قراءة أحوال الجيل الذى سبقه، جيلك وجيلى، وإن كنت أشيخ منك، وأنت قد خالطت الكثيرين، تعرف طه عن قرب كما يبدو من رسالتك، وشهدت التيارات الأدبية فى ذلك العهد، وتبينت لك معالمها ودلالاتها، وشهدت أيضاً تطوراتها التالية، فهل إلى أحسن سيرنا أم إلى أسوأ ولماذا.



الرسالة الأخيرة:

قدمت استقالتى وخلوت إلى نفسى، فأنت ترى أننى مع الخلوة أصبح أشد حاجة إلى صديق مثلك. لم أشتغل فى مرسى مطروح، وتستطيع أن تقول أيضاً إننى لم أنقطع عن الشغل، إذا كانت الهواجس أيضاً تعد من الشغل. وقد خبرت نفسى (وقد نمت 15 يوما تحت خيمة) كيف يكون من العسير لمن يعيش فى الصحراء أن يمسك بورقة وقلم ليكتب شيئاً، فإن الرمل والريح والشمس أعداء لمن يكتب.. أنا الآن أصبحت أكثر قدرة على فهم: الشعر الجاهلى وظروف قائليه، وكان من أثر الهواجس أننى كدت أفرغ أغلب وقتى للترجمة، ومع ذلك فإنى أرجو وقد قلت لى إنك من قراء «المساء» أن تكون قد اطلعت على يومياتى فى «المساء»، وحينما زرتهم بعد عودتى طلبوا منى أن أكتب كل أسبوع بدلا من كل أسبوعين، فترددت فى أول الأمر «كعادتى» لأننى ألاقى فى كتابة هذه اليوميات مشقة ذهنية وعصبية شديدة، ثم قبلت، لا لشىء إلا للجهاد! وأنا فى أشد الحاجة إلى أن أعرف رأيك فى هذه اليوميات وما ملاحظاتك عليها. والواقع أننى غير راض عن هذه المراسلات بيننا ما لم أصل إلى علم أكثر عنك وعن أحوالك وها آنذا أفتح لك دائما قلبى، لا تزال صورتك عندى مبهمة كإنسان.. أما كأديب فلا. سأسافر باكراً إلى الإسكندرية لأزور ابنتى نُهى (17 سنة) التى تقضى الصيف مع جدتها لأمها، ثم أعود بعد 4 أيام، وسأنظر إلى صندوق البريد بشغف لأرى خطابك. استعد لتسلم نسخة من كتاب سيصدر لى قريباً اسمه «خطوات فى النقد» لا تدرى أيضاً كم يسبب لى هذا الكتاب من هواجس فظيعة، سأعترف لك بها أيضاً حتى نتقابل؟ سأشد الرحال إلى دمياط عن قريب لأزورك وأتمتع بك. المخلص يحيى حقى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق