السبت 29 من ربيع الثاني 1440 هــ 5 يناير 2019 السنة 143 العدد 48242

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نظام جديد لتشغيل العالم

فى 17 يناير 2017، كتبنا فى الأهرام، عن أطروحة استراتيجية حول مفهوم السيادة قدمها ريتشارد هاس، فى دورية فورين أفيرز(عدد يناير 2017)، الشهيرة والنافذة التى تصدر عن مجلس الشئون الخارجية الذى يرأسه هاس.

خلص هاس فى أطروحته إلى أن النظام العالمى الذى تأسس مع توقيع دول أوروبا لمعاهدة وستفاليا فى القرن السابع عشر (1648)، لإنهاء حرب الثلاثين سنة، ويقوم على السيادة الوطنية لدول المنظومة الدولية الجديدة ــ آنذاك ــ قد انتهت صلاحيته، وهو ما وصفه بـ World Order 0 -1, ومن ثم لابد من التفكير فى تشغيل منظومة دولية جديدة, تأخذ فى الاعتبار ما طرأ من مستجدات على المنظومة الدولية ما يستوجب تأسيس ما أسماه World Order 0 -2... وبغض النظر عن استعارة هاس لمفردات الزمن الرقمى لأطروحته.(راجع مقالنا الأسبوع الماضى حول مذكرات السفير الأمريكى مايكل ماكفول لروسيا ما بين 2012 و2014 واستخدامه تعبير إعادة تشغيل روسيا Reset). إلا أن ما طرحه هاس فى ورقته قد فصله فى كتاب (صدر لاحقا نهاية 2017 بداية 2018) بعنوان: عالم يتفكك: السياسة الخارجية الأمريكية وأزمة النظام القديم...الذى وجد صدى جيدا ليس فقط فى أوساط الجمهوريين الذين ينتمى إليهم وإنما فى أوساط الديمقراطيين أيضا.

بداية، يوافق هاس على أن فكرة الولايات المتحدة الأمريكية الإمبراطورية أو القوة العظمى الوحيدة القادرة على إدارة العالم وحدها قد باتت سرابا. كما أن التئام العالم دونها لن يتمكن من السيطرة على النظام العالمى. ولكن، بالرغم من ذلك، على الولايات المتحدة الأمريكية الدفع نحو بناء نظام عالمى جديد. ولن تتم عملية البناء هذه بصورة أوتوماتيكية، حيث لا يعترف حقل الجغرافيا السياسية بالخلق الذاتى...ويدرك هاس أن هناك تناقضا بين أمرين هما: المسئولية والقدرة الأمريكية...فما السبيل لحل هذا التناقض؟...يجيب هاس بالآتي:

أولا: الولايات المتحدة الأمريكية ليس من مصلحتها الصمت على الفوضى العالمية. ليس بمنطق أنها شرطى العالم ولكن لأن هذه الفوضى قد تؤثر عليها وعلى مصالحها الوطنية العليا. وهنا تبدأ مسئولية أمريكا.

ثانيا: المدخل لتفعيل المسئولية الأمريكية تجاه العالم يبدأ من الداخل الأمريكى. لذا يطرح ريتشارد هاس ما يطلق عليه مبدأ السياسة الخارجية تبدأ من الداخل. أى تقوية الداخل أولا من أجل التأثير فى الخارج...فما تقوم به أمريكا داخليا، يرتبط ارتباطا وثيقا بسياستها الخارجية. أى أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تمارس دورها القيادى العالمى المسئول فى غيبة قاعدة اقتصادية شاملة قوية صلبة، ما يلزمها الاستثمار الأمثل لميزاتها الطبيعية، والثروية، والعلمية، والتكنولوجية،...،إلخ. وفى نفس الوقت سرعة مواجهة المشكلات التى من شأنها إعاقة النمو الداخلى مثل: التزايد المطرد فى الدين العام، والعجز فى الميزانية الفيدرالية، والنظام الضريبى المرتفع على الشركات والأفراد على السواء،...،إلخ. وأهمية اجراء اصلاحات سياسية عاجلة فى أكثر من مجال مثل: تسريع العملية التشريعية، وتقوية الأحزاب السياسية لتكون مصدر قوة السياسيين وليس العكس، وضرورة معالجة الإشكاليات الاجتماعية وفى مقدمتها التصدع الثقافى الداخلى.

ثالثا: ما إن تزداد القدرة الأمريكية داخليا يمكنها أن تمارس مسئوليتها حيال العالم. ولكن أى عالم؟. إنه الجيل الثانى للنظام العالمى الذى يقوم على فكرة التزامات السيادة التى تختلف عن السيادة كمسئولية التى كانت يقوم عليها الجيل الأول من النظام العالمى...فالتزامات السيادة تستدعى الواقعية فى التعاطى مع الواقع. بمعنى أن من ينتهك السيادة التقليدية التاريخية كما عرفتها وستفاليا يعنى ضرورة بناء توافق دولى، فى ظل العولمة، يلتزم المواجهة الفورية لهذا الانتهاك من خلال القوة العسكرية أو العقوبات الاقتصادية. كما يعطى المبدأ الجديد الحق فى ضرورة تشجيع القوى والكيانات الإقليمية لوقف المعاناة الداخلية التى قد تنشأ فى دولة من دول الإقليم. بيد أن هذا لا يمنع من تدخل دولى بديل إذا ما كان الكيان الإقليمى معطلا أو ضعيفا...وإذا ما ترددت أو تراخت الدول فى علاج تداعيات التغيرات المناخية فإن هذا سيستدعى إخضاعها للعقاب. كذلك فإن الدول التى ستتراخى فى مجال الصحة العامة خصوصا فى مواجهتها للأوبئة فإنها ستخضع أيضا للمساءلة وربما للتشهير إذا ما اقتضى الأمر. كما سيعنى الالتزام السيادى بضرورة تنظيم المجال الرقمى بما يحول دون تهديد أمريكا، ما يتطلب التجسس، والاختراق المعلوماتى، متى لزم الأمر. ولا بأس من إدراج تلك الإجراءات فى أى ترتيبات عالمية لتنظيم التدفق الحر للمعلومات، وحظر التجسس التجارى، والاعتداء على الملكية الفكرية. ولا يمنع ما سبق من أن تكون هناك استثناءات تسمح بشن هجمات من قبل أمريكا وحلفائها على أى تجاوز...

وأخطر ما فى أطروحة هاس هو أن النظام الجديد لتشغيل العالم لا يحتاج ــ بالضرورة ــ لأى توافقات من الآليات التاريخية المنظمة للعمل الدولى مثل: الأمم المتحدة وغيرها. كما أنه يمكن إشراك الشركات العالمية العابرة للقارات، والمنظمات غير الحكومية فى أن تكون لها أدوار فى النظام الجديد المزمع تشكيله.

وظنى أن ما طرحه هاس فى ورقته المبكرة ثم فى كتابه لاحقا قد بدأ يجد طريقه للتنفيذ فى أكثر من مقام تحت شعار القومية الأمريكية.


لمزيد من مقالات سمير مرقس

رابط دائم: