السبت 29 من ربيع الثاني 1440 هــ 5 يناير 2019 السنة 143 العدد 48242

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ملاحظاتٌ حول مشروع قانون التجارب السريرية (1-2)

لم أكن أتوقع أنه بعد أسابيع قليلة من دعوتى فى هذا المكان بالأهرام لأن تقول جمعية الطب والقانون كلمتها بشأن مشروع قانون التجارب السريرية (البحوث الطبية الإكلينيكية) أن تبادر هذه الجمعية العريقة عابرة التخصصات إلى تنظيم ندوة بالغة التنوع والثراء حول الموضوع بهمة ودأب رئيسها الدكتور علاء الانجباوى وأمينها العام المستشار الدكتور خيرى الكباش، ومشاركة مجموعة من أبرز وأنشط أساتذة وعلماء الطب فى الإسكندرية. والواقع أن مشروع القانون الذى أعاده رئيس الجمهورية إلى مجلس النواب مقروناً ببعض الملاحظات لمناقشته مجدّداً فى سابقة هى الثانية من نوعها فى تاريخ الحياة النيابية المصرية يستحق أكثر من نقاش وأكثر من ندوة.

أكّدت نقاشات الندوة أن أحداً لا يختلف على أهمية تقنين التجارب السريرية بوصفها أحد روافد البحث العلمى ومهنة الطب على حد سواء، فضلاً عن مردودها الاقتصادى الذى قدّرته أستاذة الطب د. نهال الحبشى بقولها إن زيادة هذه البحوث الطبية بمقدار 1% فقط يعنى ضخ استثمارات بخمسمائة مليون دولار. عدد البحوث الطبية الإكلينيكية السنوية فى مصر ما زال هزيلاً إلى حد يصعب مقارنته بدولة صغيرة مثل إسرائيل وهو ما دعمته بالأرقام أستاذة الطب د. مها غانم. لكن كان هناك اتفاق مواز فى الندوة على ضرورة إضفاء أكبر قدر من الشفافية على هذه التجارب السريرية وإحاطتها بما يلزم من الضمانات لكيلا تكون باباً خلفياً لأية ممارسات غير مشروعة أو غير أخلاقية. وهذا ما حّذر منه بوعى وفطنة وطنية عميد الطب السابق د. أشرف سعد فى مداخلته المنهجية الحصيفة. وتلك على أية حال هى غاية أى قانون ومعضلته فى التوفيق بين المصالح المختلفة وأحيانا المتعارضة التى ينظمها. ولعلَ جزءاً من مشكلة التجارب السريرية يكمن فى الذكريات التاريخية السلبية المقترنة بها برغم ما تنطوى عليه من فوائد وفتوحات ومنجزات فى مجال البحث العلمى وصحة الإنسان. ما زال التاريخ يذكر السوابق المظلمة والمأساوية فى الحقبتين الاستعمارية والنازية للتجارب الطبية خارج إطار القانون، والتى قدّم عنها أستاذ الطب د. أحمد رشاد عرضاً توثيقياً شيقاً ومحزناً ابتداء من تجارب ما عُرف بتوسكجيى التى مهدّت لمحاكمات نورمبرج الشهيرة حتى تجارب جواتيمالا فى أمريكا اللاتينية. من هنا تظهر أهمية وجود قانون منظم للتجارب الطبية تضع حداً للممارسات غير المقنّنة هنا أو هناك فى ظل ما تثبته الأرقام التى أوردها الدكتور أحمد رشاد من أن 40% من هذه التجارب تتم فى البلدان النامية خصوصاً إفريقيا.

فى بداية الجلسة الافتتاحية كان للدكتور أمين مصطفى القائم بأعمال عميد كلية الحقوق تساؤل حول تسمية مشروع القانون وهل هى البحوث الطبية الإكلينيكية أم البحوث الطبية (و) الإكلينيكية؟ وهو تساؤل محق تم استجلاؤه فى الجلسات التالية للندوة. وبظنى أن ورود كلمة الإكلينيكية عقب الطبية هو سبب التباس التسمية. وقد كان بوسع مجلس النواب أن يأخذ بالتسمية الصحيحة وهى مشروع قانون (التجارب السريرية) لأنها ببساطة الترجمة العربية الأدق والمتعارف عليها لمصطلح (التجارب الطبية الإكلينيكية)، يُضاف إلى ذلك من ناحية المضمون أن كل بحث سريرى هو بالضرورة طبى لكن ليس كل بحث طبى هو سريريا مثل المسوح والاستبيانات. لا تتسع هذه المساحة لاستعراض كل ما احتشدت به الندوة من مداخلات ومناقشات وآراء لاينقصها العلم ولا الخبرة. ولاأود هنا استباق التوصيات المتوقع صدورها عن الندوة. لكن لديّ خمس ملاحظات على مشروع القانون لا تنفى بأى حال إيجابياته العديدة أولى الملاحظات وأهمها تتعلق بتعويض المبحوث/ المريض عن الآثار الجانبية التى قد يصاب بها بسبب التجربة السريرية التى خضع لها. وهذه مسألة بالغة الأهمية لأن هذا المريض هو الطرف الأضعف بين باقى الأطراف الأخرى المعنيّة بالتجارب السريرية وما يهمه أكثر هو جبر الضرر الشخصى الذى لحق به. فالخاضعون لهذه التجارب والبحوث، وقد يكون بينهم فقراء ومحتاجون، لن يعنيهم كثيراً بشأن العقوبات المترتبة على مخالفة أحكام القانون عقوبة السجن لأنها تخص الطبيب الباحث، ولن يستفيدوا شيئاً من الغرامة لأنها تذهب إلى خزانة الدولة. أكثر ما يعنيهم إذن هو تعويضهم المالى عن الآثار الجانبية المحتملة. هنا يلاحظ الفارق الهائل بين ما يتضمنه مشروع القانون وبين ما هو مقرّر فى التشريعات الأجنبية كالتشريع الفرنسى على سبيل المثال. فمشروع القانون يلزم الجهة الراعية/ الممولة للبحث بإبرام عقد تأمين للمبحوثين/ المرضى لتعويضهم عن الأضرار الناجمة عن مشاركتهم فى التجارب السريرية، ويسرى هذا التأمين لمدة سنة واحدة تالية على الانتهاء من هذه التجارب. لكن التشريع الفرنسى يجعل عقد التأمين شاملاً تغطية الآثار الجانبية لمدة عشر سنوات من انتهاء التجربة السريرية، وهو أمر منصف ومنطقى لأن هناك من الآثار الجانبية الضارة ما قد لا يظهر على المبحوث/ المريض إلا بعد عدة سنوات.

يُضاف إلى ما سبق أن التشريع الفرنسى يلزم الجهة الراعية للتجارب السريرية بأن تبرم لصالح المبحوث/ المريض عقد تأمين لدى إحدى شركات التأمين لا يقل فيه مبلغ التعويض التأمينى عن مليون يورو كحد أدنى، ولا يكون المضرور من المبحوثين/ المرضى مطالباً بإثبات خطأ الجهة الراعية أو الباحثين الأطباء. ولكن يحق لهؤلاء الأخيرين إثبات أنهم لم يرتكبوا أى خطأ، وفى هذه الحالة لا يمكن مساءلتهم ويتم تعويض المبحوثين المضرورين من المكتب الوطنى للتعويض عن الحوادث الطبية وهى مؤسسة عامة. قد لا تستطيع الحكومة المصرية إنشاء نظام تعويض تأمينى كدولة مثل فرنسا لتفاوت الإمكانات وتواضع الموارد، لكن ما نستطيع فعله هو الاتفاق مع الجهات الأجنبية الراعية/ الممولة أو فروعها فى مصر على أن تضمّن عقود تأمين المبحوثين/ المرضى حداً أدنى مناسباً من التعويض عن الآثار الجانبية التى قد يصابون بها، وليس فقط خلال سنة من انتهاء التجربة بل خلال خمس أو سبع سنوات على الأقل. ولعلً مجلس النواب المصرى يسرع بتدارك هذا الأمر لا سيّما أن الشركات الأجنبية الراعية للتجارب السريرية فى مصر هى غالباً شركات دوائية عملاقة ذات ملاءة مالية كبيرة. فليس من المنصف أن يلزم قانون أجنبى شركات الدواء العملاقة بإبرام عقد تأمين يغطى الآثار الجانبية للمبحوثين/المرضى الفرنسيين خلال عشر سنوات ويقصرها مشروع القانون المصرى على سنة واحدة فقط بالنسبة للمصريين. ففى حقوق الإنسان المتعلقة بصحته لا مجال للتفرقة بين كرامات البشر.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبدالمنعم

رابط دائم: