السبت 29 من ربيع الثاني 1440 هــ 5 يناير 2019 السنة 143 العدد 48242

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ملاحظات حول لجنة مواجهة الأحداث الطائفية

أثار قرار رئيس الجمهورية بتشكيل لجنة عليا لمواجهة الأحداث الطائفية ردود أفعال عديدة، كثير منها إيجابى، يخيم عليه التفاؤل، وبعضها حذر، يستسلم للشكوك، وهو موقف تحفظى متوارث تجاه كل ما تقوم به الدولة من مبادرات. اللجنة التى تشكلت برئاسة مستشار رئيس الجمهورية لشئون الأمن ومكافحة الإرهاب- هو وزير الداخلية السابق- تضم ممثلين عن هيئة عمليات القوات المسلحة، والمخابرات الحربية، والمخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية، والأمن الوطنى، وجميعها تمثل العمود الفقرى لجهاز الدولة، والهدف منها وضع استراتيجية عامة لمنع ومواجهة الأحداث الطائفية، ومتابعة تنفيذها، وآليات التعامل مع مثل هذه الأحداث حال وقوعها، وترفع تقريرها إلى رئيس الجمهورية.

الملاحظة الأولى فى تشكيل اللجنة، وأسلوب عملها، أنها تحقق مطلب عدد كبير من المثقفين والنشطاء بنقل الملف الدينى أو الطائفى إلى رئيس الجمهورية مباشرة، وعدم الاكتفاء بالتعامل الأمنى المباشر معه. بالطبع لا يمكن استبعاد المكون الأمنى من تشكيل لجنة بهذا الخصوص، ولكن مفهوم الأمن ذاته متسع، ولا يكتفى فقط بنظرة وزارة الداخلية أو الأجهزة التابعة لها، ولكن يضم إلى جوارها مؤسسات وأجهزة أخرى تنظر إلى الشأن الطائفى فى سياق رؤية أكثر اتساعا، وليس باعتباره شأنا أمنيا محضا.

الملاحظة الثانية أن قرار تشكيل اللجنة ينطوى على اعتراف بوجود وخطورة الأحداث الطائفية. يعلم المهتمون بالشأن الدينى أن خطاب الانكار ساد لعقود الملف الدينى، حيث كان الخطاب الرسمى يتحاشى الاعتراف بوجودها منذ مطلع السبعينيات من القرن العشرين، ويحيلها دائما إلى خلافات شخصية ينزع عنها الرداء الطائفى، ويشير إلى من يقومون بها بوصفها شرذمة أو قلة أو «متطرفين على الجانبين، الى آخر الأوصاف والتسميات المعتادة فى هذا الخصوص، فى الوقت الذى كان المثقفون، والمشتغلون بالشأن الدينى يؤكدون وجود هذه الأحداث وخطورتها وعدم التهوين منها. أكثر من ذلك، كان الذين يخوضون فيها، سواء من المسلمين والأقباط، يرمون بالطائفية، والرغبة فى شق الصف الوطنى، الخ. من هنا فإن تشكيل هذه اللجنة يشكل خطوة مهمة.

الملاحظة الثالثة: ينطوى تشكيل اللجنة ضمنيا على الاعتراف بفشل الصيغ السابقة لمواجهة الأحداث الطائفية، والتى شكلت مزيجا من الصمت والانكار واللجوء إلى المجالس العرفية، ولم يطبق القانون إلا بصورة محدودة. ويُعد ذلك أيضا مطلبا أساسيا لاتجاهات عديدة فى المجتمع رأوا أن اللجوء المكثف للجلسات العرفية لتسوية الأحداث الطائفية أدى إلى استسهال حدوثها، وانخفاض التكلفة القانونية للقيام بها.

الملاحظة الرابعة: لم يشمل تشكيل اللجنة ممثلين عن المؤسسات الدينية، وهو أمر جيد، لأن الشأن الطائفى يخص مؤسسات الدولة، ولا يخص المؤسسات الدينية. والمواطن المصرى هو فى الأساس مواطن فى الدولة المصرية، وليس مواطنا لدى مؤسسة دينية أيا كانت. ويُعد ذلك أيضا مطلبا أساسيا على مدار عقود للمشتغلين بالشأن الدينى، من التأكيد على أهمية المواطنة، وشعور المواطنين أنفسهم بأن ملاذهم هو الدولة، بمؤسساتها وقوانينها، وليست المؤسسات الدينية. ومن ناحية أخرى جاء تشكيل اللجنة حكوميا«صرف»، ولم يشمل مثقفين أو شخصيات عامة أو كتابا، خاصة ممن لهم باع فى تناول قضايا الشأن الطائفى. ورغم أن حضورهم له أهميته فى تقديم مقترحات ورؤى للتعامل مع الأحداث الطائفية، إلا أن تفشى الأحداث الطائفية خلال الفترة الماضية، خاصة فى محافظة المنيا وغيرها، يستدعى وجود أدوات مؤسسية لديها القدرة على وضع الحلول، وتطبيقها على أرض الواقع، وتحويل السياسات إلى برامج، والتأكد من أن القرارات التى تتخذ تجد مجالا للتطبيق بالتوجه التى صدرت به. وفى كل الأحوال يحق للجنة- كما ورد فى قرار تشكيلها- أن تدعو من تشاء للحديث معه، أو استطلاع رأيه.

وإذا كان قرار تشكيل اللجنة فى ذاته يحمل الكثير من الأوجه الايجابية، فإنه يتعين أيضا أن نأخذ بعين الاعتبار بعض الهواجس التى عبر عنها البعض، من أن هذه اللجنة قد تٌضاف إلى أدوات مؤسسية عديدة يجرى تشكيلها فى وقت معين، ثم يخبو بريقها، أو أن هذه اللجنة قد تعتمد بحكم تشكيلها على مصادر معلومات رسمية دون غيرها، أو كونها بلا صلاحيات تنفيذية، وعملها يقتصر على اعداد تقارير ورفعها لرئيس الجمهورية، وغير ذلك من المخاوف التى عبر عنها البعض خلال الأيام الماضية، والتى لها بالطبع وجهاتها، لكنى أرى أنها مبالغ فيها، إذ إن وجود لجنة تعمل تحت إشراف رئيس الجمهورية مباشرة لها مصداقية، ولاسيما فى ضوء تعدد مصادر المعلومات التى تصل إليه، والتى من بينها ما يجرى وما يثار على شبكات التواصل الاجتماعى، وما يعبر عنه المواطنون أنفسهم سواء بالرأى أو نشر صور أو تسجيلات لأحداث، فضلا عن أن الثقل التنفيذى للجنة ينبع فى الأساس من أهمية الأطراف المشاركة فيها.


لمزيد من مقالات د. ســامح فــوزى

رابط دائم: