السبت 29 من ربيع الثاني 1440 هــ 5 يناير 2019 السنة 143 العدد 48242

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كريستينا كيرشنر فى مواجهة اتهامات الفساد

إيمان عارف
كريستينا كيرشنر

لم يشأ عام 2018 أن يرحل دون أن يترك بصمته الأخيرة على «كريستينا كيرشنر» رئيسة الأرجنتين السابقة والعضوة المنتخبة حاليا بمجلس الشيوخ، فالسيدة التى غادرت السلطة منذ عامين تقريبا، بعد فترتين رئاسيتين حازت خلالهما فى المجمل على رضا المواطنين بسبب سياساتها الاقتصادية والاجتماعية الناجحة، تواجه حاليا أزمة حقيقية بعد أن قرر القضاء تقديمها للمحاكمة بتهمة التورط فى فضيحة فساد ورشاوى بعشرات الملايين من الدولارات مقابل إعطاء رجال أعمال عقود مشروعات عامة ضخمة، فى قضية عرفت إعلاميا باسم «دفاتر الفساد».

وقد تسببت هذه القضية فى القبض على العشرات من رجال الأعمال والمسئولين الحكوميين السابقين وعصفت بقطاع الإنشاءات. وتعود تسميتها بهذا الاسم بعد أن كشفت احدى الصحف عن حصولها على دفاتر كان سائق أحد المسئولين بحكومة الرئيسة السابقة يدون فيها المبالغ المتحصلة من رجال الأعمال كرشاوى والتى يقوم بتوصيلها لمنازل المسئولين الحكوميين بنفسه.

ومع أن كريستينا اعتادت الدخول فى مواجهات مع المعارضة كونها شخصية سياسية مخضرمة وذات باع طويل فى العمل السياسى العام، فإن هذه القضية تحديدًا بدأت تأخذ منحى متسارعا سواء فى التحقيقات أو حتى فى استباق الوصول لنتائج وتوجيه الاتهامات. وكانت الخطوات الجدية فى طريق إدانتها قد بدأت فى أغسطس الماضى عندما قدم قاضى التحقيقات مذكرة لمجلس الشيوخ كونها عضوًا فيه يطالب فيها برفع الحصانة عنها جزئيا لتفتيش ثلاثة منازل فاخرة تمتلكها بحثًا عن أية أدلة قد تدينها أو تلقى الضوء على جوانب هذه القضية وهو ما حدث بالفعل، حيث وافق أعضاء المجلس ال67 بمن فيهم كيرشنر على المذكرة، وتم تفتيش هذه المنازل أمام كاميرات ممثلى وسائل الإعلام، ولتستمر الإجراءات وصولا لقرار تقديمها للمحاكمة، رغم أن الجميع يعرف أن الحصانة التى تتمتع بها وإن كانت تسمح بمحاكمتها إلا أنها تحول دون سجنها. ولكنها لم ترتكن إلى هذه الحقيقة ولم تقف مكتوفة الأيدى واتبعت أسلوب الهجوم الشرس دفاعا عن نفسها، وكررت أمام المجلس فى خطاب حاد ومليء بالتحدى استمر 45 دقيقة براءتها من تهم الفساد الموجهة إليها ووصفت ما يحدث بأنه تجاوز لكل الأعراف القانونية، وأن الأمر برمته لا يخرج عن كونه انتقاما سياسيا ومحاولة يائسة من خصومها السياسيين لقطع الطريق على امكانية ترشحها مجددا للرئاسة العام المقبل، متهمة إدارة الرئيس الحالى «موريسو ماكري» بالوقوف وراء محاولات تشويه سمعتها، ومقارنة بين ما تتعرض له وما تعرض له نظيرها البرازيلى «لولا دا سيلفا» الذى أدين أيضا بالفساد وغسل الأموال وهو ما قضى تماما على أى احتمال لعودته لممارسة السياسة مرة أخري. ولم تكتف بذلك بل أكدت أن الاتهامات الموجهة ضدها لا تخرج عن كونها ادعاءات مرسلة تفتقر إلى الدليل وأن التحقيقات يشوبها قدر كبير من الخلل، وأن هدفها الرئيسى هو صرف الانتباه عن حقيقة واضحة للعيان وهى فشل السياسات الاقتصادية للرئيس القادم من تيار اليمين مقارنة بالسياسات الاقتصادية والاجتماعية الناجحة خلال فترتى رئاستها للبلاد، داعية إياه للانتباه لمشاكل البلاد الحقيقة وفى مقدمتها تدهور قيمة العملة المحلية «البيزو».

ولكن هذه الأزمة على خطورتها ليست الأولى التى تواجهها، حيث أحالت السلطات إلى المحكمة أيضا مطلع العام الحالى ملف التحقيق فى قضية استغلال النفوذ للتستر على ما تعتبره السلطات الأرجنتينية تورطًا من قبل إيران وحزب الله فى تفجيرات المركز اليهودى فى العاصمة بيونس آيرس التى أودت بحياة 85 شخصا عام 1994، حيث تشير لائحة الاتهام إلى أن الرئيسة السابقة استغلت نفوذها وقدمت ضمانات لبعض المسئولين الإيرانيين وبعض عناصر من حزب الله المتهمين فى هذا الهجوم الإرهابى بعدم ملاحقتهم قضائيا مقابل صفقات تجارية بين البلدين. ونفت كيرشنر هذه الاتهامات مرارا وتكرارا، مؤكدة أنها لم تتقاعس ولم تتواطأ بل وقعت عام 2013 إبان رئاستها مذكرة تفاهم مع النظام الإيرانى لتشكيل لجنة مشتركة تتولى التحقيق فى هذا الحادث ويطلق عليها لجنة الحقيقة، وأن برلمان بلادها أقر هذه المذكرة بينما لم يقرها الجانب الإيرانى وبالتالى لم تتشكل هذه اللجنة أبدا. وهنا يشير المراقبون إلى أن كيرشنر ورغم كل هذا الجدل مازالت شخصية محبوبة وتحظى بشعبية فى أوساط المعارضة اليسارية، وهو أمر ليس بالمستغرب فمسيرتها السياسية الحافلة هى وزوجها مليئة بالنجاحات، ومازال الكثيرون يتذكرون زوجها الرئيس «نيستور كيرشنر» الذى قاد البلاد عام 2003 فى ظل أزمة اقتصادية واجتماعية طاحنة ونجح فى إخراجها من عثرتها، وهى المسيرة التى أكملتها عندما اكتفى زوجها بفترة رئاسية واحدة ودعم ترشحها خلفا له، حيث تفوقت على منافسها وبفارق كبير لتكون أول سيدة منتخبة للمنصب، على عكس «ايزابيل خوان بيرون» التى أكملت مدة الرئاسة بعد وفاة زوجها.

لقد عرفت كريستينا على مدار سنوات عملها بالسياسة بتوجهاتها اليسارية، وخلال فترتى حكمها عززت صلاتها بالحكومات اليسارية فى المنطقة، واتهمت الولايات المتحدة مرارًا بأنها السبب وراء الأزمة المالية فى بلادها، واعترفت كذلك بدولة فلسطين وهو ما أثار حفيظة إسرائيل، كما عرفت بخطاباتها الحادة فى الأمم المتحدة المنتقدة للغرب متهمة إياه بخداع العالم وقلب الحقائق فيما يتعلق بالحرب على الإرهاب، ولكن كل ذلك لم يصرف انتباه الرأى العام الذى يطالب بمعرفة الحقيقة فى قضايا الفساد المثارة، فهل سيدينها القضاء أم سيبرئ ساحتها، هذا ما ستكشفه التطورات خلال الفترة المقبلة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق