الجمعة 28 من ربيع الثاني 1440 هــ 4 يناير 2019 السنة 143 العدد 48241

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

صفحات مجهولة من تاريخ «الأهرام» يكشفها كتاب «مختارات من داود بركات»

مصطفى سامى;

«بركات» ترأس تحرير الصحيفة 33 عاما وقفز بعدد صفحاتها من 4 إلى 16

 

حتى صدور كتاب «مختارات من داود بركات» هذا الأسبوع عن «مركز الأهرام للترجمة والنشر» كنت أعتقد أن إبراهيم نافع هو من قضى أطول فترة رئيسا لتحرير الأهرام 26 عاما لكن صفحات الكتاب الجديد الموثق بصور ضوئية تكشف أن داود بركات هو صاحب الرقم القياسى فى طول فترة توليه منصب رئيس تحرير الجريدة، فقد شغل بركات هذا المنصب 33 عاما. وأعداد الأهرام فى الفترة الممتدة بين سنوات رئاسته للتحرير من 1901 إلى 1933 تسجل مقالات على قدر كبير من الأهمية السياسية والاجتماعية لمن يريد التعرف على تلك الفترة التى شهدت استقلال مصر عن الحكم العثمانى بعد أربعة قرون من التخلف والانحطاط..

...............................................................

والمتابعة لصحيفة الأهرام من الناحية الصحفية والفنية تشير الى تطورات مهمة شهدتها الصحيفة خلال تلك السنوات فقد زادت صفحاتها من أربع صفحات عام 1901 الى 16 صفحة عند رحيل داود بركات عن الأهرام بوفاته عام 1933 عن 65 عاما. وقد كان داود بركات واحدا من الخمسة الذين سعوا بدأب بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى لإنشاء نقابة الصحفيين ممثلا عن الأهرام. داود بركات هو واحد من النخبة من المثقفين فى مصر المهاجرين من الشام والذين كان من بينهم أصحاب الأهرام سليم وبشارة تكلا. كان بركات يكتب مقالاته بانتظام ولكن بأسلوب عصره الذى يختلف كثيرا عن أسلوب اليوم. الدكتور محمود حامد الشريف الذى كتب مقدمة الكتاب وصف داود بركات بأنه «كاتب موسوعى الثقافة ملم بالتراث العربى مطلع على الحضارة والثقافات الأوروبية القديمة والحديثة والمعاصرة يسوق استشهادات تراثية جنبا الى جنب مع صور من الحضارة الغربية المعاصرة فى كتاباته التى عالجت كثيرا من القضايا المصيرية والأحداث اليومية وسايرت الواقع المعاش فى الثلث الأول من القرن العشرين». ورغم إنه مصرى يعتز بمصريته ويرأس تحرير أكبر صحيفة مصرية فى عصره وحتى الآن الا أنه عندما كتب عن حرب البلقان عامى 1912 و 1913على صفحات الأهرام قدم نفسه أنه من رعايا الدولة العثمانية.

وفى رد على قرائه فى مقال بعنوان: «العثمانيون فى مصر» فاخر بأنه عثمانى!... لكن عندما يكتب عن وطنه الأم لبنان فى أواخر القرن العشرين تجده لبنانيا. وعندما كتب مقالات عن الجامعة المصرية ولماذا أنشئت يقول أنه مصرى ولكن عندما تقرأ مقالاته السبعة والثلاثين التى اختارها مركز الأهرام للترجمة والنشر تجد أنه مواطن عربى يؤمن بالعروبة وينتمى الى كل الدول العربية التى زارها وعاش فيها والتى لم تسمح ظروفه بزيارتها. ترك داود بركات أيضا الى جانب كتاباته الصحفية التى وصفها من عاصروه بأنه «كنز ثقافى» كتابين من تأليفه، الأول عن إبراهيم باشا بعنوان: «البطل الفاتح إبراهيم» والثانى عن السودان بعنوان «السودان المصرى ومطامع السياسة البريطانية». الكتاب فى رأيى ليس تكريما واحتفاء بداود بركات، لكننى أرى أن أهميته تأتى من أنه يتناول مرحلة مهمة فى تاريخ الصحافة المصرية فالقضايا التى تناولتها مقالاته من خلال أحداث عربية كانت لها تداعياتها على المسرح العربى حتى الآن وبعد قرن من كتابتها. يكتشف القارئ أيضا من متابعة مقالات داود بركات، كيف امتثلت الأهرام لقانون البقاء، بقيت وتقدمت على جميع الصحف المنافسة، بينما احتجبت واختفت صحف كثيرة مصرية وعربية. لنا أن نفخر كأبناء الأهرام بأنها أقدم صحيفة عربية وأكثرها توزيعا وانتشارا. المثير للدهشة أن عددا من المقالات السياسية والثقافية التى تناولها بركات بينما كانت تعبر عن عواصف تواجه المناخ السياسى والثقافى الا أنه بعد مرور أكثر من قرن كامل على هذه المقالات نجد أنها تصلح للنشر الآن، فالأزمات بعضها مستمر مع اختلافات سطحية. لن أعيد نشر المقالات ولكننى سوف أكتفى ببعض ماجاء فى مقالين او ثلاثة تؤكد أن هذا الكاتب والمثقف كان سابقا عصره وكان يشعر ككل المصريين فى زمانه بأزماتهم وأحلامهم، وكان مصريا حتى النخاع رغم تعاطفه مع الحكم العثمانى. فى مقاله الذى نشر بالأهرام فى أول مايو عام 1907بعنوان «ديوان حافظ». والكاتب فى هذا المقال لايتحدث عن شاعرنا الكبير الذى تردد الشعوب العربية قصائده وتتغنى بأشعاره مصر والسودان وسوريا والعراق، ولكنه يتحدث - كما نكتب الآن وبعد مرور قرن كامل على نشر هذا المقال عن أزمة سوق الكتاب وكساده فى عصره ثم يتناول مرتزقة الثقافة الذين أفسدوا لغتنا العربية وهؤلاء نراهم فى كل العصور للأسف -. داود بركات يتخذ من ديوان حافظ إبراهيم مثالا على كساد سوق الكتاب. إنه لايهدف من مقاله مدح حافظ إبراهيم «لكننى أريد من كلمتى أن أقف مع قراء العربية متسائلا عن سوق الآداب فى الأمصار العربية. فقد كسدت بضاعة الأدب فى لغة العرب، حتى بات حمل القلم فى نظر الناس أحقر من حمل الهراوة. حتى رغب كل أديب عن هذه الحرفة.

وقد زج نفسه فى عالم الكتابة والتحرير والتأليف والتحبير من أفسد على العرب لغتهم وذوقهم وذهب برونق كلامهم وبلاغة أقوالهم». وفى موضع آخر يقول: «وهذا شاعر مصر ولا أخطئ اذا قلت شاعر العرب حافظ إبراهيم سلوه كم طبع من ديوانه؟ وكيف كان رواج الديوان؟وسلوه كم جمع من مال من أدبه على عشق الناس لنظمه؟ بل قارنوا بينه وبين شعراء الإسبان، وأحقر كتاب اليونان، وأضعف أدباء البرازيل والأرجنتين ــ ولاأقول الفرنساويين والانجليز والطليان والألمان ــ تجدوا أن البون شاسع والفرق عظيم».

ويختتم مقاله بهذا الرأى» «ذلك دليل الانحطاط بلا جدال وذلك عنوان تحول النفوس عن أن تتغذى بالآداب وتتخلق بالحكم لترقى الى مكان من العلم والنبالة تبوأته كل أمة متمدنة وانحطت عنه أمة العرب التى فاخرت قبل اليوم بآدابها وعزة نفوسها وكرامة مهدها». المقال طويل ربما نشر على مساحة نصف صفحة ولاتسمح المساحة بنشر تفاصيل أكثر وكتب بلغة عصره التى تختلف كثيرا عن لغة اليوم لكنها لغة رصينة تؤكد أن صاحبها لديه رصيد كبير من أدبها ومفرداتها. وفى ثلاثة مقالات عن الحرب نشرت فى ثلاثة أيام متتالية فى شهر أكتوبر عام 1912، ينتقد رئيس تحرير الأهرام الحروب واسبابها وماتؤدى اليه من آلام وويلات ويناقش أطماع الدول التى تعتدى بلاسبب على جيرانها، لكنه عندما يتحدث عن الدولة العثمانية وفتوحاتها فإنه يخفف من انتقاداته ويبرر أحيانا حروبها. فى مقاله الأول الذى نشر أول أكتوبر عام 1912يقول «بعد أن اكتسح بنو عثمان البلقان وثلوا عروشه وقوضوا ممالكه، اكتفوا من أهله بالجزية والخراج، ومن أبطأ أدبوه بالسيف ومن لم يبطئ، تركوه وشأنه. فلم يحولوا تلك الممالك الى أمم عثمانية، ولم يهمهم من أمرها الا تناول خراجها، فظلت عصبية تلك الممالك والشعوب سليمة من كل مساس». الكاتب هنا لايتعرض الى جرائم الاستعمار العثمانى ولا الى اعتداءاته على الدول المستقلة، وهذا طبيعى فى هذا العصر من كاتب فى أقدم وأكبر صحيفة عربية فى مصر كانت لاتزال فى اعوامها الأخيرة تحت الحكم العثمانى الذى جثم على صدرها أربعة قرون وقد تسبب فى تخلف البلاد وانحطاطها. وفى موضع آخر من المقال يقول: «وامتاز القرن الماضى بهبوب مصر للاستقلال بزعامة محمد على، ثم اليونان الذين بلغوا قصدهم بمعاونة أوروبا، ثم بلغاريا والصرب والجبل الأسود ورومانيا بفضل روسيا. وحرمت مصر جنى ثمرة حروبها ونصرها لطمعها بها لنفسها. وأخذوا قبرص مقابل عهد أعطته على نفسها بأن تمنع أخذ شىء من الأملاك العثمانية». وفى المقال الثانى بعنوان ماهذه الحرب يقول «تكونت نواة الاستقلال فى البلقان، فلم تتكون فى الدولة العثمانية نواة تقابلها، لأن تحول الحكم بعد مدحت باشا وفاضل باشا المصرى ورفاقهما، الى اعتبار السلطنة مزرعة للسلطان واعتبار الرعية عبيدا أو ضيوفا فى تلك المزرعة أضعف الدولة مدة ثلث قرن، وما ذهب من قوتها زاد فى مطامع البلقانيين وقوتهم. فالبلغار أخذوا الأرض وجيش السلطان واقف يشاهد ذلك من وراء الحدود مدة ثلاثة أشهر ولايسمح له بطرد العصابة البلغارية من تلك الولاية». وفى مقاله الثالث الذى نشر فى 30 أكتوبر عام 1912 بعنوان: «ماهى الحرب الحياة أو الموت» يقول داود بركات، يحاربنا البلغاريون واليونان والصرب والجبل الأسود معا لادفعا لعنائنا، ولادفاعا عن حوزتهم منا، بل يحاربوننا للغنم لا كما قال ملوكهم فى رسائلهم الى شعوبهم أن يخلصوا إخوانهم من نير العثمانية. ونحن لانحاربهم للفتح والغنم، ولاتوسيع الملك وبسط السلطان، بل لصد مطامعهم، ودفع جشعهم،وصون ملكنا من الضياع، لأنه اذا صح حلمهم، اخرجوا من حكم العثمانية مايزعمون أنه بلغارى أو صربى أو يونانى أو جبلى».

وفى موضع آخر يتحدث عما تسببه الحروب من ويلات وآلام على الشعوب، فيقول: «وهذه إحدى صحف أثينا نفسها قد اعترفت جهارا بأن اليونان أفلست أربع مرات لما أنفقته من الأموال على إتاوة الثورات وهياج الهيجان فى كريت، أولم نر صحفهم تنشر صور زعماء العصابات النازية فى مقدونيا وتنعتهم بالأبطال الصناديد؟! أولم نر مصوريهم يصورون أولئك السفاحين مكللين بغار الفخار لأنهم أسرفوا فى قتل النفوس وتخريب الدور وإحراق القرى والمزارع والدساكر؟! أولم يقل أحد خطباء أثينا فى رثاء زعيم إحدى العصابات [لمثل هذا يجب الرثاء لأنا بالأمس ماكنا نطمع بعائلة واحدة فى مقدونيا، أما اليوم وقد أوقع أبطالنا الرعب بقلوب القرى التى تزعم أنها بلغارية، فصار ثلث المقدونيين المسيحيين يجهرون بأنهم يونانيون خوفا من مدى هؤلاء الأبطال الفدائيين».. «فهذه الحرب ليست حرب المدنية ضد الهمجية كما ادعوا كذبا وبهتانا، إنها هى حرب الطمع البلقانى ضد الاصلاح العثمانى، بل هى حرب للسلم، حرب للمدنية، حرب للحضارة، حرب للدستور، حرب للاصلاح، لأن الدولة العثمانية بل الأمة العثمانية كانت قبل اختراق حرمة حدودها وتدنيس أرضها متمسكة بالسلم حتى عبادته، باحثة عن المدنية الصحيحة لنشرها فى أرضها بين شعوبها متلمسة الحضارة فى كل قطر متحضر وأمة حضرية، عاشقة للدستور حتى التفانى بحبه، مريدة للاصلاح ولو بيد خصومها وأعدائها، فجاء البلقانيون يجنون هذه الجناية الفظيعة على الانسانية ويوقفون المدنية على أن تنشر ظلها على أمم وشعوب أحلها الله أفضل الأرض من اليابسة، ومنحها أجل القوات والقوى الطبيعية، حتى خرج منها رسله وأنبياؤه وهبط فى أرضها وحيه وإلهامه». سوف أكتفى بهذه النصوص من مقالات داود بركات رئيس تحرير الأهرام، ولكن تبقى عدة ملاحظات على هذه المقالات، يعبر بعضها عن شخصية بركات موضوع الكتاب ثم عن أسلوب الكتابة الصحفية فى أوائل القرن العشرين: أسلوب الكتابة فى تلك الفترة إذا لم يكن به أخطاء لغوية الا أنه بمفاهيم عصرنا تغلب عليه الركاكة واستخدام الصفات التى لم يعد بعضها قائما الآن.

إن دواد بركات متعدد الثقافات يرجع الى قصائد شعر العرب الكبار ليؤكد رأيه، وهو كمسيحى متدين تعلم فى مدارس مسيحية، الا أنه أبعد ما يكون عن التعصب الدينى، فقد كان عصره تنتشر فيه ثقافة احترام جميع الأديان، كما أن مصر استقبلت المهاجرين المسيحيين المقبلين من الشام وأحسنت ضيافتهم وأعطتهم كل الفرص لبناء مشروعاتهم الثقافية ووصلوا الى أعلى المناصب دون قيد على أحد بسبب أنه أجنبى لاينتمى الى دين غالبية أبناء الشعب المصرى.

الملاحظ تعاطف بركات الى حد كبير مع الحكم العثمانى بكل معايبه وموبقاته، ويدافع عن هذا الحكم حتى عندما كان يوصف العثمانيون بالرجل المريض وحتى قبل ثلاث سنوات من قيام الحرب العالمية الأولى ثم انضمام تركيا الى دول المحور واندحارها وطردها من كل الدول التى سبق أن استعمرتها. لكن كتاب داود بركات الصادر عن «مركز الأهرام للترجمة والنشر» أراه بالغ الأهمية لكل المهتمين والباحثين فى تاريخ الصحافة المصرية والعربية، وكل الراغبين فى التعرف على الثقافة والصحافة المصرية منذ نهاية القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق