الجمعة 28 من ربيع الثاني 1440 هــ 4 يناير 2019 السنة 143 العدد 48241

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فتاة الجيل..
عن قصص الحب فى الطفولة حين تكون هناك فتاة ترسم بعينيها ملامح المستقبل فى حياة جيل كامل

محمد بركة;

لا أعرف كيف اخترقنا سهم الحب بهذا العنف الهادر ونحن عيال لم نطلع فعلاً من البيضة، ولا نعرف – حقاً – الفارق بين الألف وكوز الدرة، كيف تحولنا بقدرة قادر إلى سمكة بلطى تخرج من

بحر البراءة وقد علقت السنارة بفمها الصغير فيأتلق لونها الفضى فى أشعة الشمس قبل أن يُرمى بها على قطعة من الصاج المحمى وتُشوى وهى لا تزال حية على نار الغرام الموقدة.


كنا يادوبك نبلغ من العمر ست سنوات. أجسادنا نحيلة مثل الحديدة التى تحرك بها أمى أرغفة الخبز المرحرح. كنا مرتاحى البال لا يؤرقنا شىء فى الوجود سوى الإمساك بواحدة من تلك الفراشات المراوغة التى لا نكف عن مطاردتها فى غيطان البرسيم. ولا يهمنا أن يعاملنا الوطن آنذاك مثل القطط التى تأكل وتنكر، فقد ولدنا عام 1973، شهر أكتوبر، فى السادس منه، وتحديداً الواحدة ظهراً، وبعد 60 دقيقة من مولدنا الميمون كانت قد حانت ساعة الصفر. وانطلقت طائراتنا الحربية، وزغردت السماء، والمثل يقول: خذوا فالكم من عيالكم، لكن «دولة العلم والإيمان» لم تأخذ فالها ولا بالها. لم تنتبه لنا. تركتنا – نحن وش السعد والهنا - نذهب إلى المدرسة مرتدين شبشب زنوبة وبيجامة من الكستور يحصل عليها أباؤنا من متاجر «الكساء الشعبى». تقتادنا أخواتنا اللاتى تكبرننا بعامين ثلاثة إلى مقر العلم والتعليم كل صباح كما يقتاد عشماوى متهماً يرتدى البدلة الحمراء إلى حبل المشنقة.

لم يكن ثقب الأوزون قد ظهر بعد، ولم تكن زيادة حرارة كوكب الأرض تحتل صدارة جدول الأعمال بمؤتمرات البيئة الدولية، وبالتالى كان المناخ فى مصر لا يزال معتدلاً ربيعاً، بارداً شتاء، وكانت تيارات الهواء «الصاروخية» تصفع وجوهنا نحن ملائكة الله الصغار عبر زجاج الشبابيك المكسور بفصول المدارس الحكومية. ورغم أن هوجة الانفتاح كانت فى عزها إلا أن الدولة فى نهاية السبعينيات كانت لا تزال تشعر بالحد الأدنى من حمرة الخجل تجاه الفقراء الذين يشكلون الأغلبية العظمى من الشعب، فكان ما يسمى «الوجبة المدرسية» والتى كانت تُوزع علينا يومياً وبالمجان، وهى عبارة عن رغيف ناشف مثل البلاستيك وقطعة كبيرة من جبنة المثلثات تشعر حين تتذوقها أنها مخلوطة – على نحو ما – بالتراب. ولم تكن تعنينا الوجبة بحد ذاتها، فأمهاتنا لم يكن يثقن أبداً بأى شىء يتعلق بالحكومة، وقبل أن نحشر كتبنا الكثيرة والثقيلة فى حقائبنا القماشية، كن يحشرن أولاً عدداً رهيباً من السندوتشات البيتية الشهية، وكأننا سنغيب عن البيت أياماً وليس ساعات فى مدرسة لا تبعد سوى عدة دقائق سيراً على الأقدام، وبالتالى لم نكن نشعر بحاجتنا لهذه الوجبة من أجل مواجهة أى إحساس بالجوع، بل لمواجهة هذا الإحساس العارم بالملل!

لم تكن المدرسة تعرف أى لون من الأنشطة الفنية.. لا رسم ولا موسيقى ولا تمثيل. وكانت حصة التربية الرياضية «الألعاب» تتحول، بتعليمات من الناظر، إلى حصة إملاء أو حساب «علشان العيال يستفيدوا بحاجة تنفعهم» وإذا خالف أحد المدرسين هذه التعليمات سهواً يكون مصيره التوبيخ العلنى أمامنا وعلى الملأ. كنا ننتظر توزيع «الوجبة» بفارغ الصبر، فهى فرصتنا الوحيدة للهروب من جدول الحصص السخيف..

يدخل «عم فؤاد» الساعى حاملاً بيده اليمنى جوالاً من الخيش يمتلئ بالأرغفة، وباليسرى يحمل طبقاً غويطاً من البلاستيك يمتلئ بقطع الجبن المثلثة، ويضيع على حس توزيع الوجبة ما يقرب من نصف ساعة، إذ يبدو أن السادة المدرسين هم أيضاً كانوا بحاجة للتسرية عن أنفسهم.

كيف – إذن – فى هذا الجو المعادى للرومانسية داستننا سنابك الحب ودهستننا خيول الأشواق؟ ولشد ما يحيرنى أن أفتح دفتر الذكريات على فصل «هويدا» فلا أجد مقدمات لهذا العشق الجارف، بل إنى لا أذكر ملابسات لقائنا الأول، وكل ما أعثر عليه بتلافيف ذاكرتى البعيدة هو لحظة الذروة، وكأن هذا الفيض الساخن من المشاعر الدافقة هو المقدمة والنهاية، المتن والهوامش، الصدفة والمكتوب.. وكأنى الشاعر الذى سهر حتى الصباح يحرق السيجارة تلو الأخرى ليكتب قصيدته الجديدة، والملحن الذى غاب قليلاً عن الوعى وعاد ليمسك بالعود، والمطرب الذى رفض أن يتناول كوباً من الينسون ليجلو صوته، واكتفى بالتطلع لقمر مكتمل عبر نافذة صغيرة ثم أمسك بالمايك قبل أن يهمس:

قال لك إيه الغرام

قال لك تنسى الكلام

وتسهر ما تنام

كانت هويدا تمتلك المواصفات القياسية التى ينص عليها كتالوج الأنوثة الكلاسيكية: البشرة البيضاء والعيون السوداء الواسعة وخصلات الشعر الناعم المتناثرة على الجبين، لكنها – وهذا هو الأهم – كانت تنفرد بسمتين كان لهما الأثر الحاسم فى رسم هالات الجاذبية التى أحاطت بها منذ البداية وجعلتنا نحن زملاءها الصبيان نتنافس للفوز بابتسامة أو كلمة منها.

السمة الأولى: صوتها ببحته الجميلة ورنينه الحسى ونبرته العميقة التى لا يزال صداها يتردد بأذنى حتى الآن. الثانية: إقامتها فى بندر دمياط والذى كان بمثابة «المقابل الحضارى» لسكان عزبتنا الملقاة بإهمال على هامش الهامش فى ريف الدلتا.

وأنا لم أكن يوماً عظيم الإعجاب بالبيت الشعرى القديم:

نقِّلْ فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحب إلا للحبيب الأولِ

فالحب هو آخر شىء يمكن أن تحاصره بقواعد مانعة جامعة أو تختزله بأحكام نهائية مطلقة، ثم ما المانع حقاً أن يكتشف المرء ذاته الحقيقية فى الحب الثانى، أو يستكمل ما كان ينقصه طوال عمره فى الحب الأخير؟

ظل العرفان الوحيد الذى أحمله لذلك البيت يعود إلى انتشاره المدهش بين عفاريت الإنترنت فى الألفية الثالثة، هؤلاء الذين وجدوا فى التراث العربى أخيراً شيئاً يلمس بكلمات سهلة أوتار مراهقتهم الحساسة، فحفظوه دون أن تطلب المقررات المدرسية منهم ذلك..

ينبغى علىَّ رغم هذا أن أقر بأن حكايتى مع هويدا تمنح ذلك البيت مصداقية هائلة، نظراً للظروف الاستثنائية والملابسات الغريبة التى أحاطت بالموضوع. لكل قصة حب مقدمة إلا حبنا لهويدا، إذ أنى أغوص عميقاً فى بئر الذكريات فلا أعثر على نقطة بداية أتتبع بها الترتيب المنطقى للأحداث سوى صوت جرس المدرسة معلناً انتهاء الفسحة. معظم التلاميذ عادوا إلى فصولهم حتى خلا الحوش تماماً إلا من أربعة تلاميذ أنا والجميلة الغامضة.

كانت ترتدى «المريلة الكحلى» وتشير بيدها إلى سماء زرقاء صافية منقوشة بعشرات من النقط البيضاء البعيدة المتحركة، والتى سرعان ما اقتربت واتضح أنها سرب من الطيور.

شهقت هويدا فى انبهار وقالت:

الله.. وز عراقى!

كانت شمس دافئة تفرش الحوش، والمدرسة جزيرة بيضاء وسط غيطان الفول الأخضر، والكون كله فى حالة من الصمت الذى لا يقطعه سوى دقات قلبى المتسارعة العنيفة.

نظرت هويدا فى وجوهنا بتركيز وقالت:

- شايفين يا ولاد!

ولا كنا أولادا ولا أعيننا كانت ترى. كنت أسرى فتنة الملاك الأشقر وقتلى قمر الظهيرة. وعرفنا أن قلوبنا الصغيرة الخضراء مخبأة فى حويصلة إوزة عراقية، وعرفنا أن دموع العالم ما عادت تعدل دمعنا، وعرفنا أن نزار قبانى ربما كان مجرد تاجر شاطر يجيد تسويق بضاعته كما هى عادة أهل الشام لكن المؤكد أن «الحزن علينا هو المكتوب».

فى حياة كل اثنين وقعا فى الحب «كَرمة عشاق» ما. مكان هادئ يقترب من أو يبتعد عن تصور فيروز للرومانسية وهى تدعو للشغف وتحرض على الرقة:

فتعالى.. فتعالى.. يا ابنة الحقل نزور كرمة العشاق

قد تكون «الكرمة» غابة أسطورية على طريقة السندريلا والأمير الوسيم، وقد تكون جزيرة على حافة محيط، أو حتى يا راجل مجموعة من أشجار الموز المحاطة بسور من الأسلاك غير الشائكة التى تنمو عليها ورود ست الحسن على غرار ما كان يحدث فى العديد من القرى والعزب المجاورة، وكثيراً ما تكون هذه الكرمة «كافيه» سخيفاً فى المدينة، تجتذب ديكوراته الفجة فتيات بمساحيق صارخة، ويفاجئ جرسوناته الزبائن حسنى النية بحد أدنى للفاتورة مائتى جنيه للفرد.

نعم، قد تكون الكرمة أى شىء يخطر أو لا يخطر على بالك، لكنها أبداً لن تكون مثل كرمتنا نحن وهويدا. كنا نلتقى بأرض فسيحة أسفلتية، بعيدة على نحو يكفى للشعور بالطمأنينة، وسط الغيطان. لم تكن تحيطها أشجار باسقة مثل الكافور وإنما أشجار قصيرة من الخروع وشعر البنات.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق