الجمعة 21 من ربيع الثاني 1440 هــ 28 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48234

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الجوع

سهام العربى

ألقى السلام، وقبل أن يمر من بينهم كانوا قد أخلوا المساحة أمام البناية، مرتكنين إلى الجوانب فى أدب جم، اختلس منهم نظرة، شاعراً حيالهم بالقلق. وقبل أن يضع قدمه على أول الدرج أسرع أحدهم يفرش الدواسة الخيش تحت قدميه، ألقى حقيبته وأسرع يتابعهم من بين ظلام شرفة شقته. أثاروا اندهاشه من كونهم جميعاً يغسلون مدخل العمارة فى همة، بعضهم يسلم الماء لبعض فيكمل الباقون تزحيف الماء نحو الحديقة، بعيدًا عن مدخل الجراج.

يثيره عمل صامت جاد يظلله توافق وتناغم بينهم لم يمنع أن يراه زعيماً عليهم دون أن ينطق.

ارتاح إلى تخمين أنهم بلدياته، أو ربما أقاربه، ويساعدونه. غير أن المشهد تكرر وفى التوقيت نفسه.

..........

فى أثناء الانفلات الأمنى الذى أعقب الثورة، أتى به صاحب البناية، بعد أن تسلق أحد اللصوص سورها الفاصل بينها وبين قسم الشرطة هرب جميع من فيه، وأغُلق إلى أجل غير مسمى بعد حريق هائل اشتعل فيه واستطاع اللص أن يحقق هدفه فى الوصول لشقة صاحب العمارة، بعدها أًصبح يخشى هجوماً من البلطجية.

للمرة الأولى ينتبه لضخامته بشكل لافت للنظر، تصل إلى حد العملقة.

فى بداية عمله كان يتابع ساكن البناية من لحظة قدومه إلى أن يركن سيارته، يرفع نفسه نصف قيام، يرد التحية فى أدب جم، لاصقاً مقعده إلى الحائط، بعيداً عن حيز المدخل، يشهر نبوته الذى يساويه فى الضخامة فى وجه أى شخص يرتاب فيه. يصل الليل بالنهار فى حراسة واعية، يغسل السلم، والسيارات والشجر، والرصيف يضوى الرخام والأشياء فى حيز البناية.

كان لابد أن يسأله: من هؤلاء؟!

أكد أنهم بلدياته، أتوه يلتمسون مشاركته فى العمل، فى الاهتمام بالبناية.

اندهش الرجل: كل هؤلاء يهتمون بعمارة واحدة!

ضاعف التأكيد: يساعدوننى يا بك.

انفعل الرجل: لن أدفع مليمًا آخر غير راتبك.

صمت قليلًا، ثم فى نظرة صارمة.قال:

- اقتسمه معهم.

تعجب صاحب البناية:

- تقتسم قوت عيالك مع كل هؤلاء؟!

ضغط على حروف الكلام:

- هم عشيرتى ولا مانع عندهم، تربينا على قانون اللقمة الواحدة تكفى الجماعة، والجوع كافر يا بك، لا ملة له ولا كرامة.

..........

السيدة العجوز أشد السكان قلقاً منهم، يفسحون لها الطريق، يمسحون الأرض تحت قدميها، يحملون عنها الحقائب، بينما الريبة تخلخل قدميها، تجعلها تغلق الباب على نفسها بالمزاليج، تتابعهم من الشرفة، تتلصص على أحاديثهم، تظنهم فى سمرهم حول النار المشتعلة يتفقون عليها، يوزعون أكواب الشاى وضحكهم يملأ سماء المكان، والنار إذا ما خمدت أشعلوها، يستفزها مصدر أخشابهم الذى لا ينضب، من أين يأتون بها، ولماذا هم ضخام الأجساد هكذا، حتى وهم جالسون القرفصاء.

تنهدت فى ضيق. ليل الثورة طويل، وشتاؤها مخيف، ووجودهم لا يسبب الأمان، بل يزيد الخوف، ومراقبتهم لا تضيف لها جديدًا، وفناجين النسكافيه التى تستنشقها قبل احتسائها تساعدها على سهر مكتئب، مترقب، دقات قلبها فيه- طبول حرب تعلو كلما اقتربت.

..........

وصلت همهمات السكان لصاحب العمارة، فوارى القلق بداخله قبل أن يستشفوه، لكنه أضمر فى نفسه أن حاجته إليه فى تلك الظروف تمنعه من طردهم، فعمل على تهدئتهم مبديًا عدم الاكتراث بما يعانون، وذكرهم بمعاناته حتى حصل عليه فى ظل هذا الانفلات الأمنى، وجاهد ليبثهم الرضا، ويشعرهم بالجحود تجاه ما فعله الرجل. ففى الوقت الذى رجع فيه كثير من البوابين إلى بلادهم خوفًا، والبعض أثبت جبنا ونذالة فتم طرده، كان هو ابن حلال، أتى بأقاربه لمساعدته فى حماية العمارة، وهكذا ظل يأخذهم بالصوت لئلا يغلبوه، ثم قطع عليهم أى شك بسؤالهم: هل ينكر أحدكم أنه يقف مع نبوته ديدبانًا أمام العمارة فى أحلك الليالى ضد هجمات البلطجية وحوله بطانته.

لكنه لم يخبرهم أنه سأله ذات مرة متى يغادرون؟

تجهم وجهه، حتى أن شكله أخافه، ورد بسؤال: لماذا يا بك هل يضايقونك؟ سيبقون معى.

وزوجتك؟!

- أسفرها البلد

- لهذه الدرجة؟!

- قلت لسيادتك هم عشيرتى.

تمهلت السيدة العجوز تطالعهم وهم يتراخون فوق الكراسى، يتشاغلون بالحديث فلم يقف لها أحد، حتى الكلب الذى كان يستقبلها بهز ذيله، رأته وقد أقعى ذليلاً تحت قدمى كبيرهم بينما يلقى إليه قطعاً من عيش الفينو.

قبل أن تعبرهم صمتوا ونظراتهم تحاصرها، تربكها، بل كادت تنكفئ على وجهها من وقع صوت الخرقة المبللة التى قذف بها أحدهم أثر حذائها فوق مدخل السلم.

رأتهم هذه المرة أكثر عدداً، استفسرت إن كانوا حراساً لبنايات أخرى.

كز على أسنانه:

- يساعدوننى يا مدام!

ليل الثورة مُقلق، لايستطيعون حدس ما ستأتى به اللحظة التالية، والأمن توارى خلف الجدران مع رجاله، يبحث عمن يؤمنه، والسكان يخشون النوم فيقتحم الأشقياء بيوتهم.

فى البداية كان سمرهم يسلى البعض، ويمر الوقت سريعًا، آتياً ببعض الأمان إلى أن يتنفس الصباح، لكن لغطهم بدأ يعلو دون حساب للنائم ولا للمريض، وتوافدت نساؤهم وأطفالهم، وأصبح مدخل العمارة مأوى عشوائياً لهم.

تركت العجوز اللبن فوق النار، ومضت تتابعهم، رأتهم يتمايلون على بعضهم، يتهامسون. ربما يخططون لشيء.

فى الصباح كان زحامهم يسد المدخل على السكان، فبدأ الغضب يطفو طامساً الصبر.

..........

حين رفت الكهرباء للمرة الأولى لم يأخذوا فى بالهم، لما تكرر الأمر تبينوا أن أغطية الكابلات والعدادات على سلم العمارة مفتوحة بالتناوب، ففى هذا الدور الكابل مفتوح ومنزوع، وفى الدور الذى يليه العداد مفتوح ومنزوع، وهكذا فى باقى الأدوار، هذا مرة وذاك مرة.

كان الغضب يفتك بصاحب العمارة، وهم يردون عليه فى برود تام: ربما السارق فعل ذلك ونحن نيام.

وأكد أحدهم وهو يرشف الشاى فى مزاج رائق:

- كيلو النحاس بالشيء الفلانى هذه الأيام يا بك، الثورة أشعلت كل شيء، من سرق الكابلات يعرف ذلك.

دقق فى وجوههم. رآهم فوهات لا تشبع، لا تمل حتى من احتساء الشاى.

تبادلوا الابتسامات الخبيثة والمصافحة بعد أن استدار ماشياً دون أن يمسك عليهم شيئا.

أيام قليلة مرت واختفت سيارته هو شخصيا، وقبل أن ينطق. قالوا للغضب الظاهر على وجهه: ربما آخر السكان العائد ليلاً ترك الجراج مفتوحاً.

للمرة الأولى ينتبه لعنتر ذلك الوحش الذى كان كفيلا وحده وهو مربوط بسلسلته أن يرعب أشرس بلطجى. يوشك أن يلعق أقدامهم. فكر؛ هل باع من أطعموه اللحم لمن أطعموه العظم؟!

صحيح إنك كلب ابن كلب. رأى أحدهم يمسد مابين أذنيه، والكلب يسبل عينيه متلذذاً.

إن لم يحرك ساكناً لايفزع إن حرشوا عنتر به.

صرخ الرجل يستفز ضعف نفسه وشروده:

من الذى فك رباط عنتر، ومنذ متى مفكوك؟

رد زعيمهم مستظرفاً متبسطا:

- عنتر مين يابيه، ده بقى عبلة، هو بيقوم من النوم.

لا يدرى الرجل هل قرأ البواب النظرة فى عينيه لكنه صعد إلى بيته مهزومًا، عاجزًا، يحدجهم من شرفته، الحيرة تلطمه بالجدران، ينزف دمه ولا يصل لدليل، يتساءل: من هؤلاء، كيف لم يكتشفهم لحظة أن أتوه يطلبون سد جوعهم؟ الخطوة التالية أن يحتلوا بيته، فهل يتركهم؟

حين استفاق من شروده رآهم يدقون الأرض فى غضب بنبابيتهم، لم يدر: هل كانت نبابيت أم بنادق يصوبونها تجاهه؟!

..........

حين أشرق نور الصباح، كانت المرة الأولى التى يتفق فيها السكان، نزلوا يحملون العصى الخشبية، والجنازير الحديد، لحظتها وقفوا لاستقبالهم فى أدب جم وخشوع، وبينما صاحب العمارة يعلنهم أن السكان قرروا حماية ممتلكاتهم بأنفسهم، وأنه شخصياً قرر الاستغناء عن خدماتهم، رأوهم يقفون وهو على يقين أنهم أقدموا من قبل على الفعل نفسه، لم يدرك سوى الآن مدى عملقتهم، وضخامتهم التى تتزايد إلا بعد أن واجههم، لكنه لم يتراجع خطوة واحدة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق