الجمعة 21 من ربيع الثاني 1440 هــ 28 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48234

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أحدث كتاب يجيب عن السؤال الصعب: هل انتهى القرن الأمريكى؟

السيد أمين شلبى

أصدر المركز القومى للترجمة مؤخراً الترجمة العربية لكتاب Is American century over لعالم السياسية الامريكى Josef Nay والذى كان لى حظ ترجمته والتقديم له.
.............................

والواقع أن الجدل الدائر حول مفهوم «القرن الامريكى» هل سيظل قائما كما تبلور فى بداية الخمسينيات وحيث عرف القرن العشرين بأنه «القرن الامريكى» أم أن القرن الحادى والعشرين سوف يشهد نهاية هذا القرن ويرتبط هذا الجدل بشكل وثيق بالجدل الدائر منذ السبعينيات حول تراجع أو تدهور القوة الامريكية، وتستطيع أن ترد بدايات هذا الجدل عندما اصدر المؤرخ Paul Kennedy الأستاذ بجامعة ييل الامريكية عمله الضخم عام 1978 تحت عنوان «صعود وسقوط القوى العظمى» وهو الكتاب الذى استعرض أوضاع القوى العظمى منذ عصر النهضة وأدوات صعودها وسقوطها والعوامل والقوى العسكرية والأقتصادية التى كانت وراء ذلك، غير أن أهمية الكتاب كانت فى الفصول التى خصصها لمناقشة القوى العظمى عنذئذ الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى وغرب اوروبا واليابان والصين. وكان أخطر ما خلص كل من الدول العظمى دعم قوتها وثروتها لكى تصبح أو تظل قوية وغنيه معاً وبتطبيق هذه العلاقة على الولايات المتحدة فإنه يستخلص أنها بفعل ما أسماه تمددها الإمبرايالي؟ Imperial overstretch وانفاقها العسكرى الذى أثر على اقتصادها سوف ينطبق عليها ما انطبق على غيرها من الإمبراطوريات التى مرت بهذه الدورة. والواقع أنه قد تشكلت حول نظرية بول كنيدى فى الثمانينيات مدرسة عرفت بمدرسة الاضمحلال» Declines وقد استندت هذه المدرسة على ثلاثة افتراضات رئيسية:

أن الولايات المتحدة تتراجع على المستوى الاقتصادى مقارنة بقوى مثل اليابان وأوروبا الغربية والدول الصناعية الجديدة.

أن القوة الاقتصادية هى العامل المركزى فى قوه أية أمة ومن ثم فإن هبوطها فى القوة الاقتصادية سوف يؤثر فى الأبعاد الأخرى لقوة هذه الأمة.

أن الاضمحلال النسبى للقوة الأمريكية إنما يرجع فى الدرجه الأولى إلى انفاقها الكبير جداً على الاغراض العسكرية والتى هى نتيجة لمحاولتها الاحتفاظ بارتباطات خارجية لم تعد تقوى عليها. وقد تعرضت هذه المدرسة لانتقادات عدد من الخبراء والاستراتيجيين مثل زيجنيو برجنسكى الذى حاول تفنيد حجج هذه المدرسة وتقديم صورة أكثر تفاؤلاً حول المستقبل الامريكى وان كان قد ربط ذلك بمعالجة امريكا لمشكلاتها الداخلية، كما تعرض لها بالتفنيد البروفيسور صامويل هنتيجتون الذى تساءل هل ما تمر به أمريكا اضمحلال أم تجديد؟ Decline or Renewal وانتهت هذه الانتقادات إلى أن القوة الامريكية هى قوة متعددة الابعاد Multi-dimensional، أما القوى المنافسة لها فهى قوى ذات بعد واحد One-dimensional وهى نفس النتيجة التى انتهت اليها عملية الفحص الذى تعرضت له القوه الأمريكية بعد سقوط الاتحاد السوفيتى، حيث جرت عملية فحص للقوى المرشحة لكى تنافس او تحل محل الولايات المتحدة: أوروبا، اليابان، الصين، روسيا، واظهر هذا الفحص أن الولايات المتحدة هى القوه الوحيدة التى تملك جميع مقومات القوة العسكرية، الاقتصادية، التكنولوجية الثقافية، مجتمع بالشكل الذى لا يتوفر لهذه القوى. وتأكد هذا التقييم مع نهاية التسعينيات حيث بدت الولايات المتحدة، باعتراف الجميع، القوة الاولى والوحيدة فى العالم، وبات السؤال الذى يناقشة الخبراء هو: ماذا ستفعل الولايات المتحدة بهذه القوة؟. وقد توافق هذا السؤال مع مجيىء إدارة جورج بوش الابن عام 2000، والتى بدأت تسيطر عليها مجموعة المحافظين الجدد Neoconservative التى كانت تدعو إلى «الامساك باللحظة» seize the moment لاثبات الهيمنة الامريكية American hegemony. وجاءتها الفرصة بشكل خاص حين تعرضت الولايات المتحدة للهجمات الارهابية فى سبتمبر 2001 وهى الأولى من نوعها فى التاريخ الامريكى التى تهز الأمن الأمريكى ومقوماته الاقتصادية والعسكرية وهى التجربة التى اندفعت بفعلها إدارة بوش الابن إلى الحملات العسكرية فى افغانستان والعراق والتى جاءت نتائجها «كارثية» كما ستوصف بعد ذلك بفعل تبديدها للقوة المادية والبشرية الأمريكية واضعافها للاقتصاد الأمريكى، وما هو أهم من ذلك هز الصورة الامريكية فى العالم والثقة فيها، كما جاءت الازمة المالية عام 2008 لكى تقوض القيادة الامريكية الاقتصادية والمالية فى العالم. فى مثل هذا المناخ، كان طبيعيا أن تظهر من جديد مدرسة الاضمحلال التى تبشر بتراجع المكانة الامريكية فى العالم خاصة مع بروز قوى عالمية صاعدة، الصين، الهند، والبرازيل وجنوب افريقيا التى عرفت بمجموعة Bricks التى تنافس الولايات المتحدة على المكانة العالمية، وتدعو إلى عالم متعدد الاقطاب Multipolar world لا تنفرد فيه الولايات المتحدة بالقيادة أو بالقرار فى قضايا الحرب والسلام. فى هذا المناخ ايضا ظهر مفهوم «القرن الامريكى» والجدل حول نهايته ام استمراره. فى هذا الشأن كتب علماء سياسة بشكل صريح عن «The end of the American Century» الذى اعتبر ان جوهر المشكلة الامريكية هو التدهور الاقتصادى، لان معظم القوة والنفوذ الامريكى كان نتيجة ثروتها الاقتصادية الضخمة، ويركز على «العجز التوأم» Twin deficits، ويقصد بذلك العجز فى الميزان التجارى وعجز الميزانية، وهما نتيجه انفاق الامريكيين بأكثر من امكاناتهم، يضاف إلى هذا مشكلات الأمن الاجتماعى والرعاية الصحية، ومن مؤشرات نهاية القرن الامريكى عند هذه المدرسة نهاية الوفرة والمساواة Affluence and equality وتنبه هذه المدرسة إلى تقارير مؤسسة العلوم الوطنية التى توضح انه بين 1988 ــ 2001 فإن عدد براءات الاختراع التى صدرت فى الولايات المتحدة زادت بنسبة 13%، ولكنها زادت بنسبة 25% فى الهند، 59% فى اوروبا الغربية، 354% فى الصين، وتستخلص المؤسسة انه اذا ما حاولت قوة غير صديقة لكى تفرض على الولايات المتحدة هذا الأداء التعليمى المتواضع، فإنه سينظر إليه كعمل من اعمال الحرب». وتثير هذه المدرسة أوضاع الديمقراطية فى امريكا اليوم حيث اهتزت ثقة الشعب الامريكى فيها، وسيطر رأس المال على العملية الانتخابية، والفضائح التى نقترن بها، بعد ان كانت الديمقراطية والحكم الديمقراطى المثل التى تقدمها الولايات المتحدة للعالم بل جعلتها رسالتها التى تروج لها فى العالم، وكانت بذلك أحد مقومات «القرن الامريكى».

غير انه مثلما واجهت مدرسة بول كنيدى عن الاضمحلال الامريكى من نقد، تواجه هذه المدرسة عن «نهاية القرن الامريكى» انتقادات من جانب خبراء امريكيين مثل « ايفو دالدر، روبرت كاجان»، اللذين اعتبرا القدرات الامريكية مازالت ذات وزن، فالاقتصاد الامريكى مازال هو الأكثر ديناميكية فى العالم، والدولار هو اقوى العملات الاحتياطية العالمية، ويسعى الناس فى انحاء المعمورة إلى الاستثمار فى الدولار لدعم اقتصاداتهم الضعيفة، ومؤسسات التعليم العالى الامريكية هى الافضل، وهى تستقطب الطلاب من أقاصى العالم، والقيم السياسية التى ترفع امريكاً لواءها لا تزال قوة التغيير، وفى زمن بنبعث فيه الاستبداد تعلو الاصوات المطالبة بمزيد من الحرية فى روسيا والصين وايران وغيرها من الدول على دعم امريكا الاخلاقى والمادى، والمواقع الاستراتيجية الامريكية لم تضعف وعدد حلفاء الولايات المتحدة وشركائها فى العالم يفوق الــ 50 حليفا فى وقت لا يزيد حلفاء روسيا والصين عن حفنة قليلة.

أما من خصص كتاباً يناقش مستقبل القرن الامريكى فهو عالم السياسة الامريكى Joseph Nye فى كتابه الذى نقدمه اليوم، والواقع ان جوزيف ناى قد شارك فى تفنيد نظرية بول كيندى عن الاضمحلال الامريكى، عندما صدر رده عليه فى كتاب Bound to Lead كما ان ما يميز معالجة ناى لهذا الموضوع هو اهتمامه بقضية «القوة» حيث أصدر كتابه «مستقبل القوة» والذى حلل فيه مقومات القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. كذلك أصدر كتابه «مفارقة القوة» والذى يطرح فيه سؤالاً مركزيا وهو إلى متى سوف يستمر التفوق الامريكى، وما الذى يمكن فعله بهذا التفوق؟ وهو الذى صك تعبير «القوة الناعمة» معتقدا ان الولايات المتحدة تمتلك مقومات هذه القوة والتى باستخدامها تستطيع ان تقنع الآخرين بأكثر مما تستطيع باستخدام القوة. واليوم وهو يسهم بهذا الكتاب فى الجانب الذى يعتقد ان الولايات المتحدة مازالت تمتلك مقومات القوة مجتمعة الامر الذى لا تمتلكه القوى الاخرى المنافسة. ومثلما حدث فى بداية التسعينيات، بعد اختفاء الاتحاد السوفيتى، ومع نهاية التسعينات من فحص للقوى الدولية مقارنة بالولايات المتحدة، يجرى ريتشارد هاس فحصا للقوى التى ينظر إليها باعتبار انها يمكن ان تنافس الولايات المتحدة وتنهى القرن الامريكى، وينتهى فى تحليل مقومات القوة والضعف فى كل من هذه القوى اوروبا، إلى انها من الصعب ان تمثل تحدياً للولايات المتحدة بشكل ينهى القرن الامريكى. غير اننا سوف نلاحظ ان جوزيف ناى، ينبه ان قوة ونفوذ امريكا، شأن اى قوة اخرى فى التاريخ، ليست أبدية، كما انه يشارك خبراء استراتيجيين مثل برجنسكى وريتشارد هاس اللذين يعتقدان فى استمرار التفوق الامريكى ولكن هذا مشروط بمعالجة امريكا لمشكلاتها الداخلية من: ديون، وتعليم ورعاية صحية، وبيئة ونظامها السياسى.

ورغم أن جوزيف ناى يرجح استمرار القرن الامريكى، إلا انه ينبه إلى انه لن يكون كما كان حتى منتصف القرن الماضى. كما ينبه إلى ان القضايا العالمية العابرة للقارات، التى تسيطر على جدول الأعمال الدولى اليوم من: ارهاب، وبيئة وطاقة، واوبئة...إلخ، لن تستطيع الولايات المتحدة أن تعالجها بمفردها ومن ثم حاجتها إلى شركاء وإلى بيئة عالمية متعاونة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق