الجمعة 14 من ربيع الثاني 1440 هــ 21 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48227

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

السادات وشاه إيران.. صداقة صنعها القدر..
الضابط أنور السادات فى عرض عسكرى تحية لضيف الملك فاروق الذى تزوج الأميرة فوزية!

جيهان الغرباوى

سأل السادات صديقه شاه إيران: كم مرة التقينا فيها؟

أجاب الشاه بدهشة: هذه هى المرة الثانية التى نلتقى فيها؛ والمرة الأولى كانت فى الرباط

قال السادات: لا.. إنها المرة الثالثة وأظنك نسيت المرة الأولى!

رد الشاه محمد رضا بهلوى: ومتى حدث ذلك؟

فحكى السادات قائلا: فى سنة 1938 تخرجت - أنا - برتبة ملازم ثان كما تخرجت أنت أيضا وحملت نفس الرتبة ثم جئت إلى القاهرة لعقد زواجك على ابنة الملك فؤاد وأقيم عرض عسكرى بهذه المناسبة وكنت أنا فى الكتيبة الرابعة بنادق مشاه والتى اشتركت فى هذا العرض. وأقيم العرض فى صحراء ألماظة وجلست أنت مع الملك فاروق وكبار قادة الجيش المصرى لاستعراض العرض العسكرى الذى اشتركت فيه.

لقد كنت فى المنصة المرتفعة قليلا؛ وكنت أنا أسير أمامك فى العرض والمسافة بيننا كانت بسيطة ولكنها مسافة غير حقيقية بل هى مسافة رهيبة؛ فأنت ولى عهد إمبراطورية هائلة وأنا ضابط صغير قادم من قرية مصرية لم تسمع عنها من قبل!

....................................

هكذا تحدث السادات مع شاه ايران محمد رضا بهلوى حين التقيا فى مطار طهران، بعد قبوله دعوة الشاه لزيارة ايران فى أكتوبر 1971؛ بمناسبة الاحتفال بذكرى مرور 2500 عام على قيام الإمبراطورية الفارسية؛ وفى نهاية تلك الزيارة ومغادرة السادات؛ قال الشاه لأحد وزرائه (أنا والسادات لدينا الكثير ليتعلمه كل منا من الآخر، السادات له أفق واسع ويعرف ماذا يريد بالضبط)!!

من هنا بدأت قصة قدر غرائبى الأحداث يربط بين السادات وشاه ايران.

كان أول لقاء بين الرجلين فى مؤتمر القمة الاسلامى الذى عقد فى الرباط 1969؛ بعد حريق المسجد الاقصى وكان السادات يمثل مصر فى هذا المؤتمر نيابة عن جمال عبد الناصر الذى كان قد أصيب وقتها بأزمة قلبية ومنعه الاطباء من السفر.

وكان عبد الناصر قد طلب من السادات أن ينتهز الفرصة ويحاول حل الخلاف المصرى مع شاه إيران ونصحه بأن يطلب وساطة الملك حسين فى ذلك الأمر لأنه صديق ناصر وصديق الشاه فى نفس الوقت.

وبالفعل حين طلب السادات وساطة الملك حسين رحب للغاية ورتب لقاء يجمع السادات والشاه ليتبادل الطرفان الحوار فى وقت كانت فيه العلاقات المصرية الايرانية متوترة وكان الشاه يصاب بحالة من الانفعال الشديد فى كل مرة يسمع فيها اسم عبد الناصر؛ بسبب الهجوم الشديد الذى صبه ناصر عليه كرمز لمصالح الولايات المتحدة الامريكية.

الغريب أن لقاء السادات والشاه يومها فى الرباط بهدف تصفية الخلافات تطور إلى مشادة كلامية، حيث تبادل الطرفان الحديث حول دور الحرب فى حل المشاكل الدولية؛ شعر السادات بالإهانة والاستعلاء الشديد من جانب الشاه حين قال إنه على استعداد لمساعدة مصر المهزومة فى حربها بشرط أن تكون تعلمت من الهزيمة.

فرد السادات (إن مصر لا تستجدى أى إحسان لأن الشرف العربى يأبى ذلك.. والشعب المصرى سيتحمل أعباء الهزيمة ومسئولية النصر مستقبلا).

بعدها عادت أجواء التهدئة بين الرجلين وعقد لقاء تحدثا فيه ساعتين على انفراد؛ وتم التصالح وقال السادات للشاه ( ما محبة إلا بعد عداوة ).. ووصف محمد بهلوى السادات وقتها بأنه مخلص ويتميز بعواطف صادقة..

ومن يومها وكل منهما يحمل نحو الآخر إعجابا شديدا.

وقد انعكست تلك العلاقة الإنسانية الناجحة بين السادات وشاه ايران على علاقة البلدين بشكل لافت.

ففى أغسطس 1970 قبل وفاة عبد الناصر بشهر تقريبا، قررت حكومة ايران الامبراطورية وحكومة الجمهورية العربية المتحدة استئناف علاقتهما السياسية وتبادل السفراء، لكن وفاة عبد الناصر أجلت تبادل السفراء واقعيا بعد صدور القرار، وإن كان ذلك لم يمنع أن قامت ايران بإعلان الحداد الرسمى ثلاثة ايام مجاملة لمصر فى تلك المناسبة مع المشاركة بوفد رسمى بقيادة رئيس وزرائها فى مراسم تشييع جنازة عبد الناصر.

وكان للقدر موعد آخر مع الرجلين: السادات ومحمد رضا بهلوى

حين قامت حرب أكتوبر 1973 أرسل السادات برقية لشاه ايران يقول له إن مصر تواجه مشكلة حادة بسبب البترول؛ الذى لن يكفيها فى هذا التوقيت أكثر من 15 يوما قادمة!

وكان الشاه على مستوى المسئولية وقدر حجم المشكلة ودقة عنصر الوقت لإنقاذ الموقف.

وعلى الفور أمر الشاه ناقلات البترول الإيرانية فى عرض البحر؛ بتغيير وجهتها لتستهدف الإسكندرية رأسا وتفرغ حمولتها من البترول هناك

وفى نفس اللحظة وصلت السادات برقية من الشاه يقول فيها (فى الطريق إليك 600 ألف طن بترول كانت فى طريقها إلى موانى أوروبا وأمرت بإرسالها إلى الإسكندرية كشحنة أولى وأرجو أن ترسل وزير البترول المصرى إلى طهران ليحدد ما يطلبه من البترول تباعا).

بعدها كان حماس شاه إيران للمشاركة فى برامج مصر واضحا.

إذ كتب للسادات يقول: باسم بلادى أريد أن أشارك فى بناء وإنعاش مدينة بورسعيد كمنطقة حرة لخدمة التجارة والصناعة العالمية؛ وأرجو أن تقبل منا 250 مليون دولار كمعونة يمكنكم تسديدها على أجل طويل.

وتأسيسا على تلك العلاقات تبادلت الدولتان اكثر من 90 زيارة رسمية على كافة المستويات فى غضون 7 سنوات فقط ما بين 1971 و 1978

منها 41 زيارة تجاه مصر و 49 زيارة مصرية تجاه ايران.

وإن كان شاه إيران قد زار مصر ثلاث زيارات رسمية فإن زيارته الرابعة كانت بوصفه لاجئا سياسيا!

فى الزيارة الأولى قدم محمد رضا بهلوى لمصر لإتمام زواجه بالأميرة فوزية شقيقة الملك فاروق وابنة الملك فؤاد.

وبعد ذلك كانت الزيارة الرسمية التى قام بها لمصر فى يناير 1975عهد السادات.

أما الزيارة الثالثة فكانت فى 16 يناير 1979 بعدها نجحت الثورة فى الإطاحة به وبالملكية كلها.

وفى العام 1980 وصل مصر لاجئا ليبقى فيها مريضا حتى توفى فى 27 يوليو 1980.

من ناحية أخرى قامت السيدة جيهان السادات بزيارة إيران فى أغسطس 1975 وفى المقابل قامت الشهبانو فرح ديبا بزيارة مصر فى 1976

كما شارك ولى عهد ايران (رضا بهلوي) فى الاحتفال بإعادة افتتاح قناة السويس فى يونيو 1975 وكانت تلك اول زيارة رسمية لولى العهد الايرانى خارج بلاده فضلا عن زيارة الاميرة (اشرق بهلوي) شقيقة الشاه مرتين لمصر فى عامى 1975 و 1976.

أما على مستوى زيارات الجانبين الرسمية فقد كان أشهرها زيارة عبد العزيز حجازى رئيس الوزراء ثم زيارة ممدوح سالم فى 1977 الذى كان آخر رئيس وزراء مصرى يزور إيران فى القرن العشرين.

فى يناير 1978 زار شاه إيران أسوان زيارة خاطفة ليعلن تأييده غير المحدود مبادرة السلام التى قام بها السادات وليقول للعرب ماذا تنتظرون حتى تدعموا تلك المبادرة؟

وعلى ما يبدو كانت خطوة جديدة موفقة تجاه قلب السادات الذى احتفظ دوما للشاه بمكانة عاطفية مميزة.

ومثل طبع الأيام وتقلبات السياسة ومفاجآت الحكم شهدت ايران فيما بعد تدهورا متزايدا فى اوضاعها الداخلية حتى قامت الثورة وسقط حكم الشاه ورغم ذلك لم تنقطع علاقته مع السادات، وقد أكد ذلك زيارتان لمبارك كنائب لرئيس الجمهورية فى غضون 10 أيام فقط من يوليو 1978 نحو طهران ليسلم رسالتين من السادات للشاه.

وكان للشاه اتصالات متواصلة مع السادات طيلة اسابيع متوالية من نهاية حكمه، حتى اضطر الشاه للخروج من إيران فى 16 يناير 1979 تحت وطأة الثورة الشعبية الجارفة وكذلك الضغوط الامريكية ليكون رابع ملك ايرانى يغادر عرشه مرغما ويموت خارج بلاده.

عند وصول الشاه إلى إسوان أجريت له مراسم الاستقبال الرسمية جميعها..على اعتبار أنه كان لايزال ملكا لبلاده!

وعندما وصل الرئيس الامريكى السابق فورد إلى اسوان؛ عقد السادات اجتماعا ثلاثيا فيما بينهم وبعد نهاية زيارة الشاه صدر بيان عن رئاسة الجمهورية تم التأكيد فيه على ترحيب الشعب المصرى بحضور جلالته لقضاء الجانب الاكبر من إجازته فى مصر وإجراء بعض الفحوصات الطبية.

فى الجانب الآخر كان صوت الثورة الاسلامية وصوت الخمينى عاليا فى ايران.

حيث صدر بيان الخمينى وهو لا يزال فى باريس عن خروج الشاه من البلاد وإسقاط نظامه للابد.

قضى الشاه أسبوعا فى أسوان ثم غادر إلى المغرب ومكث ضيفا على الملك الحسن الثانى شهرين تقريبا ثم توجه لجزر البهاما ثم إلى المكسيك وهناك تدهورت صحته وهاجمه السرطان ولم تسمح له أمريكا ولو بتلقى العلاج اللازم فى نيويورك!

فقد كان وصول الشاه إلى الأراضى الأمريكية من أسباب هجوم الطلبة الايرانيين على السفارة الامريكية لديهم واحتلال مبناها، فاضطرت الولايات المتحدة إلى ترحيل الشاه نحو بنما التى استضافته هى الأخرى فترة قصيرة ليغادر بعد ذلك إلى مصر مع عائلته ويصل القاهرة فى مارس 1980.

وفى المطار كان الرئيس السادات وزوجته السيدة جيهان فى مقدمة مستقبلى ضيف مصر العزيز وأسرته. ومن المطار انتقل بمروحية إلى مستشفى المعادى العسكرى مباشرة.

وخلال رحلة الطيران القصيرة بكى الشاه محمد رضا بهلوى وقال للسادات: إنك الشخص الوحيد الذى يستقبلنى بهذه الطريقة الكريمة.. بينما الذى سبق وساعدتهم لم يردوا عليا بالمثل.. وهذا شيء يستعصى على فهمه!

تم علاج الشاه بعمل جراحة عاجلة فى وقتها؛ وغادر المستشفى مع أسرته ليقيم فى قصر القبة وظل به حتى وفاته فى 27 يوليو 1980 أى بعد حوالى أربعة اشهر.

وقد أقيمت له جنازة حضرها نحو 1000 شخص.

وكان من بين المشيعين الرئيس الامريكى السابق نيكسون والملك السابق قسطنطين الذى كان يعيش فى المنفى ومبعوث خاص من جهة الملك الحسن الثانى ملك المغرب وسفراء من بريطانيا وفرنسا والمانيا وامريكا

لم يشارك فى تلك الجنازة رئيس جمهورية فى الحكم حينها؛ غير رئيس واحد.. وهو السادات.

دفن الشاه فى مسجد الرفاعى بجانب الملك فؤاد والملك فاروق وفى المكان الذى سبق أن دفنت فيه والدة رضا شاه، قبل إعادة رفاتها إلى طهران فى مطلع الخمسينيات من القرن العشرين.

يذكر أن إيواء مصر شاه ايران ودفنه فى القاهرة؛ كانا من أبرز أسباب قطع العلاقات بين مصر وإيران.

وغنى عن الذكر تدهور مستوى العلاقة بين البلدين ابتداء من ذلك التاريخ والتصعيد الذى وصل الى تسمية احد اشهر الشوارع فى العاصمة طهران باسم خالد الاسلامبولى قاتل السادات!!!

المرجع: ذاكرة مصر المعاصرة مكتبة الإسكندرية

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق