الجمعة 7 من ربيع الثاني 1440 هــ 14 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48220

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دكتور بهى عيسوى شيخ علماء الجيولوجيا: الجبس سيوفر لمصر مليارى دولار سنويا

حوار: أيمن السيسى
تصوير: حسن شوقى

لم يكن النهر وحده سبب ازدهار مصر. فقد فندت إنجازات المصريين مقولة هيرودوت بأن «مصر هبة النيل»، فالنهر يجرى فى بلدان عدة وليس فى مصر وحدها. وراهنت مصر دائما بأبنائها الذين هم أعظم ثرواتها، ومنهم العلماء العظماء الذين صنعوا نهضتها.. واحد منهم هو الدكتور بهى عيسوى شيخ علماء الجيولوجيا فى العالم الذى يقترب من منتصف عقده التسعين، والذى أنقذت فكرته وهو شاب معبد أبو سمبل من الغرق. اكتشف حديد الواحات ومناجم فوسفات أبو طرطور ومفيض توشكى وغيرها من ثروات مصر، ووضع الخريطة الجيولوجية لمصر عام 1981. وهو الذى نادى بحل أزمة المياه فى مصر عبر تحويل نهر الكونغو، وكان أول من كشف عن مسار الأنهار فى مصر القديمة والمطمورة بالرمال، وأن أحدها يمكن أن تجرى فيه مياه نهر الكونغو من الجنوب إلى الشمال فى الصحراء الغربية بموازاة نهر النيل ليصنع مصر أخرى تبدأ من «شرق العوينات». كان آخر تكريم له فى باريس «المجلة الإفريقية للعلوم الجيولوجية» بنشر أبحاثه وببليوجرافيا عن تاريخه.

الدكتور بهى عيسوى الذى يقترب من منتصف العقد التاسع من العمر يحرص على أن يفضى بما لديه من معلومات عن ثروات مصر الطبيعية التى لم تستغل إلى الآن، وأن يجد من يقبل تبرعه بمكتبته العلمية النادرة وفيها كل أبحاثه واكتشافاته وما يهم علماء الجيولوجيا والمياه والتعدين، فولداه هشام (مخرج سينمائى)، وأحمد (فنان تشكيلى)، ليست الجيولوجيا من دوائر اهتمامهما أو عمليهما، ويخشى أن تضيع هذه الثروات من الخرائط والكتب النادرة والأبحاث.

> وجود هذا العالم الكبير بيننا أمد الله فى عمره جعلنى أتوجه إليه بالسؤال عن الأهمية التى دفعت وزارة البترول لفصل قطاع المحاجر والتعدين عن هيئة المساحة الجيولوجية وضمه إليها؟

قال: مشكلة «أبو طرطور» تكمن فى تخبطنا فى استخراج خام الفوسفات واتباع الطرق الخطأ لاستخراجه. فالخام يقع تحت غطاء من الصخر يبدأ سمكه من 200 متر وتزيد كلما اتجهنا شمالا. والمتبع حاليا هو العمل على إزالة طبقة الصخر لاستخراج الخام وهذه طريقة مكلفة جدا، ولا تصلح مع هذا السمك الكبير، لأن المفترض إزالة 4 أو 5 أضعاف سمك الخامة، وسمك الفوسفات من 4 إلى 5 أمتار بما يعنى أنك إذا أردت استخراجه فلا يجب إزالة أكثر من 20 مترا. أما ما يحدث الآن فهو إنفاق بغير مردود، لأن سعر الخام المستخرج أقل من تكلفة استخراجه.

> وهل الخام الموجود فى الهضبة (أبو طرطور) يستدعى استمرار العمل، وإن كان فكيف نستخرجه بأقل تكلفة؟

الموجود يزيد على ألف مليار طن، ويمكن أن يسهم فى تمتين الاقتصاد المصرى إذا تم استخراجه بتكلفة اقتصادية، بمعنى عدم اللجوء إلى إزالة طبقة الصخر فوق الفوسفات ولكن بعمل أنفاق تصل إلى الخام، وإن عجزنا عن إنشاء أنفاق مؤمنة جيدا فهناك خبراء فى العالم يمكن الاستعانة بهم من الدول المنتجة لخامات ومعادن من باطن الأرض عبر الأنفاق مثل ألمانيا وبلجيكا وإنجلترا. الاستعانة بخبرات هذه الدول سيفيد فى تدفق نقدى هائل من فوسفات أبو طرطور.

> هل هناك معادن أو ثروات طبيعية أخرى لم نقربها؟

هناك ثروات هائلة ولكننا لا نستغلها رغم سهولة استخراجها والاستفادة منها، مثل الجبس الذى يستخرج منه حامض الكبريتيك (سلفوريك أسيد)، وهو المادة الأساسية للصناعة بكافة مجالاتها من الكاوتشوك وحتى الطائرات، ويتم استيراد حامض الكبريتيك بكميات مهولة تزيد على مليار دولار سنويا لأنه عنصر أساسى فى كل الصناعات، فى حين أننا يمكننا استخراجه من الجبس المصرى إذا تم إنشاء مصنع استخلاص ولكن بشرط الاستعانة أيضا بأصحاب الخبرات المتراكمة فى هذه الصناعة مثل الألمان. مصر تمتلك من الجبس كميات هائلة تقدر بمليارات الأطنان يسهل الحصول عليه لأنه خامة سطحية تمتد من السلوم وحتى الإسكندرية، ومن السويس وحتى حلايب وشلاتين، ويمتاز الجبس المصرى بأنه من أجود خامات الجبس فى العالم. وإذا كانت الدولة قد بدأت فى الاستفادة من الرمال السوداء وأنشأت مصنعا لها سيدر دخلا كبيرا فأتمنى أن ننتبه للجبس أيضا.

> وماذا عن غيره؟

الرمال البيضاء، وستندهش عندما تعلم أن الرمال البيضاء فى مصر أيضا من أجود الخامات فى العالم (98-99% سيلكا)، وستندهش أكثر عندما تعلم أن 30% من جسم السيارة يصنع من السيلكا، كما تستخدم السيلكا فى أغلب الصناعات، منها مثلا صناعة أسلاك كهرباء الضغط العالى وغيرها من الأسلاك مثل (الواير)، لأن الأسلاك المصنوعة من الرمال أقوى وأمتن من المصنوعة من الحديد، وهذه الرمال كثيرة جدا ومتوافرة فى جنوب الزعفرانة.

> وحديد أسوان، ألا يمكن إعادة التفكير فى إحياء مشروعه الذى طرح قبل سنوات ووضع الرئيس مبارك له حجر الأساس وقام المستثمر المصرى (الفنلندى) بإنشاءات تكلفت ملايين ولكن المستثمر للأسف تم سجنه وتوقف المشروع عام 2005، ورغم أنه تم تبرئة المستثمر فى النقض فإن المشروع توقف؟

هذا أحد المشروعات التى تؤكد فساد عصر مبارك، وأنا ليس لى تعليق على تبرئة هذا المستثمر فى محكمة النقض، ولكنى هنا أتحدث كعالم جيولوجيا، من واقع خبرتى ومعرفتى الجيدة جدا بالمكان (غرب أسوان) فسُمك خامة الحديد فيها من 70 إلى 80 سم تعلوها طبقة صخرية من 1 إلى 6 أمتار، وبالتالى تكلفة استخراجه أكثر بكثير من اقتصادات بيعه. وهذا الموقع فى الأصل غير جديد، فقد سبق للقطاع الخاص قبل ثورة يوليو (مهندس لبيب نسيم) استخراج الحديد منه، ولكن لاستخدام الخام فى إنتاج البويات، ولم يزد المستخرج منه على 200 ألف طن. وهناك مناطق أخرى تم تحديدها وبها كميات هائلة تسمح بإقامة صناعات كبرى عليها، إضافة إلى الاستخدامات البدائية الحالية مثل الزجاج والأوانى الزجاجية. وهو ما دعا حكومة الثورة (بعد يوليو عام 1952) إلى محاولة الاستفادة منه.

> أسألك الآن عن دور البحث العلمى فى جامعات مصر فى اكتشاف ثرواتها والاستفادة منها؟

للأسف البحث العلمى فى الجامعات شبه منعدم، أولا لقلة الإمكانيات المادية التى تتيح الإنفاق، ثانيا لبقاء أساتذة الجامعات ومن فى حكمهم فى المراكز البحثية شاغلين وظائفهم متجاوزين سن المعاش كما يحدث لموظفى المهن الأخرى، وهو ما يضعف العمل البحثى، لأن الأستاذ القديم الذى يقترب عمره من السبعين عاما أو يزيد فى الأغلب لم يعد يواكب مستحدثات العلم فى تخصصه، أو على الأقل توقف قبل ثلاثين عاما مضت.

> وبالنسبة لهيئة المساحة الآن.. كيف تراها؟

الهيئة تعانى أولا نقص القيادات العلمية ذات الخبرات، وهو ما أثر على إطلاق البعثات العلمية للبحث عن المعادن فى الصحراء ورسم خرائط الأماكن الجديدة. والآن فإن آخر خريطة تم رسمها عام 1981. والأزمة الثانية هى اقتطاع وزارة البترول لقطاع المناجم والمحاجر والذى يشمل التعدين وفصله عن الهيئة، ربما لتكوين شركة تتبع وزارة البترول لهذا القطاع، وكان يمكن لهذا القرار أن يكون به شبه صواب إذا أخذوا القطاع بمكاتبه الـ 12 فى الصحراء الشرقية وسيناء ومن فيه من علماء وخبراء جيولوجيا وتعدين لديهم خبرات ممتدة لسنوات كى يحافظوا عليه ويكونوا أساسا لتحديثه، ولكن ما حدث أنهم أخذوا القطاع وتركوا خبراءه وموظفيه لهيئة المساحة.

> قد يكون ذلك لتأكدهم من فقر مصر فى المعادن، فأرادوا إغلاق القطاع؟

مصر ليست فقيرة فى المعادن، وإذا سلمنا بذلك فلابد أن يقول ذلك البحث العلمى والتنقيب، فهناك مناطق كثيرة لم يتم البحث فيها. صحيح أننا رسمنا خريطة فى 1981 ولكننا حددنا فيها الصخور وأعمارها وطبقاتها وأماكنها، ولم يتم دراستها بالحفر والبحث عن المعادن. ولذلك لابد أن تنطلق البعثات العلمية للبحث جيولوجيا حتى نحدد ماذا يوجد من معادن، أو لنتأكد أنه لا يوجد سوى ما هو مكتشف ومعروف ولم يستغل.

> وهل هناك معادن تم اكتشافها ولم تستغل؟

طبعا، لدينا أربع مناجم نحاس فى «أم سميوكى» جنوب مرسى علم، و«أبو سويد» جنوب شرقى أسوان، و«حَمش» بين إدفو ومرسى علم، والرابع فى سيناء. وأنا شخصيا عاينت فى «أم سميوكى» كميات وعروق نحاس ضخمة، ولكن نحتاج لدراسة المكان والحفر والبحث كى نحدد مسافة ومساحة امتداد الخام فى الصخور وكمياته فى هذه المناجم، وهذا يستلزم جهدا وإنفاقا ووقتا، وكلى ثقة أن النتيجة ستكون جيدة جدا، ولابد من استقدام الخبرات من الدول المنتجة له مثل كندا التى عملت فى تنمية منجم نحاس لمدة 25 عاما وصار الآن من أكبر مناجم النحاس فى العالم، ولا أستبعد وجود كميات هائلة فى هذه المواقع.

ولدينا أيضا الزمرد فى 5 مناجم جنوب الصحراء الشرقية، اكتشفها الرومان، وتقديرنا أنهم لم يستنزفوا منه سوى 25 طنا، وتحديد ذلك جاء من دراسة أماكنه فى هذه المواقع المنهارة وهى معروفة على الخريطة الجيولوجية لمصر وتقع قرب مسجد «أبو الحسن الشاذلى» فى وادى عيذاب فى نطاق لا يزيد على 40كم.

كما أن هناك معدن الـ «تانتلام» الذى يدخل فى صناعة السيارات والطائرات والأجهزة الكهربائية ومنجمه فى وادى «أبو عجيلة» غرب مرسى علم، وتقديراتى المبدئية له وجود 5 ملايين طن، ويمكن بالتوسع فى البحث حوله أن نكتشف كميات أكبر، وهو معدن باهظ الثمن، وفى الثمانينيات كانت هناك محاولات لشركات أجنبية لتنمية هذا المنجم والاستفادة منه، ولكن سوء حظ مصر فى موظفيها غير المخلصين وغير المدركين لطبيعة التعاون مع الشريك الأجنبى، مما أزهدهم فى التعامل معنا فاتجهوا لاستراليا وخسرنا الإنفاق، وإن لم نخسر المعدن فهو موجود، وأرى أنه آن الأوان للاستفادة منه ومن غيره من المعادن التى حددناها على خرائط المساحة الجيولوجية ليسهم فى التنمية.

وهناك أيضا الكاولين، وهذا له قصة، ففى أول أغسطس 1967 صرخ عزيز صدقى وزير الصناعة بسبب الحاجة إلى الكاولين فهو مهم جدا فى الصناعة منها تبييض أوراق الصحف وصناعة السيراميك. وبعد هزيمة 1967 توقف إمداد 5 مصانع بالكاولين من منجمه فى سيناء فاستنجد برشدى سعيد رئيس هيئة المساحة وقتها فطلب منى رشدى إنقاذ الهيئة فأبلغته بتقرير وضعته عام 1964 عن موقع يقع 80كم جنوب أسوان حددت فيه وجود خام الكاولين تقدير الكمية آنذاك نصف مليون طن والنتائج مبهرة ويمكن العودة لاستكشافه لتحديد هل المنطقة فيها امتداد أم لا.

فقال «هايل إحنا استهلاكنا 20 طنا فى السنة»، فشددت الرحال إلى أسوان وقضيت فترة بعثة اكتشفت 16٫5 مليون طن إلى الآن تغطى استهلاكات المصانع فى مصر رغم التوسع فى الصناعة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق