الجمعة 7 من ربيع الثاني 1440 هــ 14 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48220

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

دحرجة الافيال

محمود الوردانى

سنة بعد سنة، كان المكان يفقد ملامحه القديمة. شقوا طريق صلاح سالم وحفروا نفقا أسفله وفقد الكثيرون رفات أسلافهم، بينما تمكن القليلون من نقل ذويهم، لكن ما أتذكره جيدا أن الأحياء كانوا يزدادون اقتحاما للمقابر، وبعد أن كانوا يُظهرون حرصهم قدر الإمكان على التوارى فى سنوات طفولتى الباكرة، أصبحوا يتحركون بحرية ويتجولون هنا وهناك. ظهرت المحال وباعة الخضراوات والكشرى والفول والطعمية، وكادت تختفى تلك الرائحة الملازمة للموتى.

ومرّت سنوات أخرى حتى تم تجنيدى بعد تخرجى، ومالبثت حرب 1973 أن اندلعت. وعندما توقفت العمليات العسكرية، كُلّفتُ بنقل الشهداء الذين يتوفون متأثرين بجراحهم إلى مقابر الشهداء.

وهكذا عدتُ إلى ذات المكان بعد غيابى عنه قرابة خمسة عشر عاما. كان المكان قد تغيّرت ملامحه بالطبع، وكنتُ أنا قد تغيرت، ولم أعد ذلك الصبى الذى كنته. لم أعد»زائرا» لروح أبى، بل مصطحبا لشهداء يجرى دفنهم أمامى. أتذكر أننى منذ ذلك الوقت تحديدا تعلمت تمييز رائحة الموتى حديثا من كثرة الشهداء الذين كنت أعرف أن المقابل لتضحياتهم أقل كثيرا مما دفعوه. كانت مقابر الشهداء تبعد حوالى كيلومتر عن مقبرة أبى، وحاولتُ عدة مرات فى تلك الفترة القصيرة التى أعقبت الحرب التعرف على مقبرة العائلة، غير أننى فشلتُ فى العثور عليها.

كان ثمة شوارع قد رُصفت وعشرات المحال قد اصطفت ومئات البيوت وعشرات الحوارى والأزقة قد تناثرت تلتهم المقابر على نحو عشوائى.. باختصار توحش المكان وفقد ريحه الهادئة، على الرغم من أن جامع قايتباى ومجموعة السلطان برقوق مايزالا رابضين بجلال راسخ، غير أن التلال الشاهقة التى كانت تشرف على منشية ناصر كانت تبدو أكثر توحشا، وخلفها مدينة القمامة التى ترسل رائحتها بين الحين والآخر.

لم أكن قد أنهيت كوب الينسون فقط، بل طلبتُ أيضا فى غمرة استغراقى فى تلك الأيام البعيدة، فنجان قهوة سادة كانت طيبة ومعمولة على نار هادئة.

نهضتُ آخر الأمر وحاسبتُ الجرسون، ورحت اتدحرج ببطء بجوار حنية سور تُرب الشُهدا الملاصق لجامع السلطان برقوق الذى بدا وقد تداعى ونال منه الزمن. واصلتُ طريقى فى الشارع الذى كنتُ أعرفه جيدا، غير أنه الآن وبعد مضيّ عشرين عاما بدا غريبا بعشرات الدكاكين المتجاورة وأغلبها لبيع وصيانة الموبايلات. كدتُ أصطدم عدة مرات بتلك العُلب الشائهة المسماة توك توك تقطع عليّ طريقى، والأطفال الصغار يملأون كل شبر ويزاحموننى، ومع ذلك رحتُ أمنّى النفس بأننى سأصل إلى نهاية الشارع الذى ينفتح على باحة واسعة يحتل جانبها الأيمن جامع قايتباى الذى طالما عشقتُ نوافذه المشغولة الملونة، وجانبها الأيسر قهوة المعلم ابراهيم الغول.

كانت هناك سنوات عدة تفصل بين الفترة التى كنت أنقل فيها الشهداء، وبين عودتى للمنطقة نفسها. لم أعد أتذكر الظروف التى عدتُ فيها، لكن العديد من الأصدقاء هجروا مقاهى وسط المدينة، وبدأوا يترددون على المنطقة فى بداية سنوات الانفتاح أيام السادات، عندما انتشرت الغُرز وبدأ الجميع يبنون فوق المقابر نفسها بيوتهم ويقيمون مقاهيهم ومحال أكل عيشهم. كان هناك أيضا مجموعة من الفنانين والكتاب قد اختاروا مقهى ابراهيم الغول تحديدا مكانا للقاءاتهم، ورويدا رويدا اصطحبتُ أنا أيضا بعض أصدقائى.. وهكذا أمضيتُ عددا من سنوات الشباب أتجول فى تلك المنطقة، وعرفت مقاهيها وغرزها الصغيرة، وعقدتُ عددا من الصداقات المتينة مع كثير من أهل الحى وترددت على بيوتهم.

أنهيتُ الشارع بعد أن غمرنى العرق وضاقت أنفاسى، واضطررت للتوقف على جانب الطريق مسندا جسمى على الجدار. كانت الرؤية تهتز أمامى، لكننى استعدتُ بعض هدوئى عندما لمحتُ جامع قايتباى رابضا مايزال وأمامه الباحة الواسعة. عندما تقدمتُ لاحظت أن السيارات المركونة تكاد تسد الطريق على الجانبين، وضجيج وصلصلة وهبد ورزع، فاقتربت قليلا أستطلع الأمر. كانت هناك ورش صغيرة متجاورة لتصليح السيارات وما لا أدرى. على أى حال يمكننى أن أستريح قليلا فى مقهى ابراهيم الغول، ثم اواصل طريقى متدحرجا مثل فيل عجوز هابطا إلى أسفل الهضبة وأغادر هذا المكان الذى لاأعرفه ولاعلاقة له بالمكان الذى عشقته وأمضيت ليال تلو ليالى عند شكوكو وسلامة وعم احمد السماك و«سى فوقى» فى مقاهيهم النظيفة الرائقة التى لاتغلق أبوابها إلا مع أذان الفجر.

لم أكد أتعرف على المقهى. كان قد تهدم تقريبا. فيما مضى، كان الواحد ينزل درجات قليلة ويدلف إلى الداخل تحت قباب عالية تتناثر داخلها المقاعد والمناضد، وفى آخرها كانت النصبة الضخمة، يقف خلفها واحد أو اثنان منهمكين فى عمل المشاريب وتجهيز الشيش والجوز، يتألقون جميعا فى الضوء الباهر. وجدتُ عددا قليلا من المناضد المتهالكة، واختفت النصبة، وبات المقهى لايشغل إلا مساحة ضئيلة، إلا أننى كنت مرهقا بشدة وألقيت بجسمى على أقرب مقعد لى.

جاءنى ولد لاأعرفه يرتدى جلبابا ووقف أمامى متسائلا. طلبتُ شايا، ورحت أتذكر ذلك اليوم القائظ من أيام الصيف البعيدة، عندما كنت أجلس مع أصدقائى فى ظل الشجرة الوحيدة أمام المقهى نفسها الذى أحتسى الشاى فيه، وأقبل من داخل الحى صاحبى «سى فوقى» الذى كنت قد طلبتُ منه أن يبحث عمن يدلنى على مدفن عائلتنا، عائلة «البروجى» هنا فى المجاورين. من جانبى كنت قد بحثتُ بنفسى مستعينا بذاكرتى عن مقبرتنا لكننى فشلت. سحب سى فوقى كرسيا ومال عليّ وأسرّ لى:

«الظاهر إنى لقيت لك طلبك.. إنت تعرف تُربى إسمه وطنى؟»

فكّرت قليلا، ثم تذكرت عم وطنى فجأة، وهتفت تقريبا:

« آه.. أعرفه.. «

«طيب.. أخلّص كرسى الدخان ده وأقوم معاك..»

ثم مضيتُ معه والقيظ يلسعنى، ورحنا نحتمى بأسوار الأحواش القصيرة. نعم.. كان التُربى المسئول عن مقبرة العائلة إسمه عم» وطنى». هذا اسم ليس من السهل نسيانه. وعندما وصلنا بعد نصف ساعة من المشى فى الشمس إلى العطفة الضيقة التى تًغلق ببوابة حديدية أمام قبة كنت أعرفها جيدا، أحسستُ أننى أقترب من المقبرة. كانت القبة المتربة المتداعية الموشكة على السقوط هى نفسها، وبدت أمامى مثلما كنت أراها فى طفولتى وأوائل مراهقتى، وكأنها سوف تسقط فى أى وقت. كنتُ أخافها، ولا أفارقها بعينى منذ نطل عليها من أول العطفة.

سلّمنى دليلى إلى عم وطنى الذى لم أتعرف عليه أول الأمر، إلا أنه تفرس فيّ، فرحتُ أستجمع ملامحه القديمة جاهدا. بدوت وكأننى أرفع السنين عن وجهه محاولا استعادته كما كان فى طفولتى. كان يرتدى جلبابا صيفيا نظيفا، وكان قد ترك لحيته البيضاء تنمو، مما جعل محاولة التعرف عليه صعبة، لكن هذا عم وطنى بلا شك. ثمة شيء ما غير مرئى فيه يدعونى للتأكد من أنه عم وطنى.. لكن ما أذهلنى انه توجه إليناوعلى وجهه طيف ابتسامة قائلا:

«تُربة الحكمدار أحمد بك.. عندى.. إنت ابن سى مصطفى.. مش كده؟..»

مدّ يده يصافحنى ويهزّ يدى بمودة.

أدهشنى أنه تعرّف عليّ بكل تلك السهولة، بينما كنتُ أدور بعينيّ هنا وهناك باحثا عن مقبرتنا بخشبها البغدادلى الذى لم أكن أخطئه مطلقا. ومع ذلك فقد تعرّفت على نحو ما على مكان الشاهدين: شاهد مقبرة الرجال حيث كانت تجلس النساء، وشاهد مقبرة النساء حيث كان يجلس الرجال فى ذلك الزمان. استعدتُ للحظات مشهد نسوة العائلة وهن يلممن سيقانهن المكسوّة بالجوارب السوداء الشفيفة تحتهن بصعوبة.

أمام الشاهدين توقفتُ إذن، مثلما كان يحدث لى منذ قرابة عشرين عاما. صحتُ موجّها كلامى لأولئك الراحلين، كما كنتُ أفعل فى صباى مقلّدا أمى:

السلام عليكم..

ومضيتُ أقرأ الفاتحة، ثم تذكرت عم «شيخة» شقيق عم وطنى، فاستدرت بعد أن انتهيت أسأله:

«فين عم شيخة؟..»

أجابنى:

«تعيش انت..»

كان «سى فوقى» قد انتحى جانبا يتأمل مايجرى. وكان القيظ قاسيا ولا مكان نستظل به. كنتُ أشعر براحة وسكينة، فقد كان عثورى على مقبرة العائلة بتلك السهولة، وبعد كل تلك السنوات أمرا صعبا تصوّره. لكننى مع ذلك شعرتُ بالارتباك، حين لاحظت الكتابة الحديثة على الشاهد من أسفل، والتى كانت بدأت فى البهتان. كانت مكتوبة بالبوية وغابت ألوانها، إلا أننى تبينتُ ماهو مكتوب بقدر من الصبر:

جددت هذا القبر الحاجة فتحية البروجى.. ثم التاريخ الهجرى والميلادى..

قبل أن أفتح فمى أسأل عم وطنى، قال هو:

«العيلة كلها ماعادش حدّ منها يطلع القرافة غير بتوع الكحكيين.. فاكرهم..؟..».. وفى مكان ناء جدا فى عقلى، رحتُ أتذكر.. كان لنا أقارب فى الكحكيين، وكان جدى قد حدثنى عنهم، بل و اصطحبنى مرة وحيدة إليهم. أظن إنهم كانوا ينحدرون من أم جدى عبد الخالق التى عاشت عمرها كله فى الكحكيين، بعد أن قاطعت العائلة كلها لسبب غامض لم يفصحوا عنه لنا نحن الصغار، بل لم يفصحوا عنه حتى لأمى لأنها فى آخر الأمر غريبة عن العائلة..

وتابع عم وطنى:

«التُربة كلها وقعت.. ماعادش حدّ بيدّفن فيها إلا فرع الحاجة فتحية.. قلت لها ياست فتحية.. التُربة وقعت.. إجمعوا فلوس من بعض ورمموها.. قالت لى انت عارف ياوطنى أنا مافيش بينى وبين العيلة اتصال.. قلت لها: لحدّ دلوقت.. ماكلهم ماتوا.. ضحكت وقالت لى ربنا يقدّرنى.. وربنا قدّرها من كام سنة ورممتها لكن وقعت تانى زى ما انت شايف.. وهيّ ربنا يديها طولة العمر الظاهر تعبانة بقى لها كام سنة مابتطلعش.. البركة فيك انت ترممها».

أجبته:

«إن شاء الله ياعم وطنى..»

وناولته بعض ماكان فى جيبى.

والآن وأنا أجلس مرة أخرى بعد كل تلك السنوات أحتسى شايا مائعا فى كوب غير نظيف فى قهوة ابراهيم الغول المتداعية، بجوار ورش التصليح ذات الضجيج الذى لايمكن احتماله، شعرتُ أننى غير قادر على النهوض بالمهمة التى جئت من أجلها. كنتُ مرهقا والعرق يغمرنى وأنفاسى تتلاحق. لم أًكمل كوب الشاى ورحتُ أتطلع حولى. لم يكن هناك من أعرفه. كلهم غرباء. أغلب الظن أن «سى فوقى» قد غادر الدنيا، فهل أعتمد على نفسى وأتدحرج نحو أسفل الهضبة؟.. فكّرتُ أن ادخل جامع قايتباى وأغيب قليلا فى نوافذه الملونة، ولطالما فعلت ذلك، وداخلتنى السكينةولفّنى هدوء وطمأنينة.

حاسبتُ الولد واتجهتُ إلى جامع قايتباى، وعندما تطلعت إلى درج السلم، أحسستُ بالعجز.. هل هذا هو الدرج الذى كنتُ أقطعه فى ثوان؟

غيّرت رأيى، وانحرفت إلى الطريق. بعد خطوات قليلة، انحرفتُ إلى اليمين. كانت الرؤية تهتز أمامى وقدماى غير ثابتتين. ومع كل هذا يمكننى أن أواصل وأستعيد الطريق نحو مقبرتنا لو تمكنتُ فقط من بلوغ أسفل الهضبة.

توقفتُ عدة مرات وأسندت جسمى على جدران الأحواش أستريح وأجفف عرقى. لما بلغتُ أسفل الهضبة هالنى أنهم شقوا شارعا أوربما أنهم وسّعوا الشارع القديم وهّدموا القبة القديمة التى كنت أخشى من سقوطها وبنوا دورا بطابق واحد أو طابقين وركنوا سياراتهم على الجانبين وغيّروا ملامح كل شىء.

سرتُ عدة خطوات وتبينتُ ورشا أخرى لتصليح السيارات، وأدركتُ أن عليّ أن أستدير عائدا بعد كل هذا. لكن ربما فاتنى المدخل القديم.. هكذا قلتُ لنفسى، ربما كانت القبة الموشكة على التداعى قد تهدمّت، وعليّ أن أعاود البحث. مضيتُ أتدحرج ببطء شديد وأطل من المداخل، وأصادف فى كل شبر ما لاأدريه وما لايمكن توقعه. بدت مدينة الأموات التى عرفتها وقد اختفت وحلّت مكانها مدينة أخرى، وبدا أيضا أن أى سؤال عن مقبرة العائلة أوجهه لأى مار من هؤلاء المزدحمين، سيكون بلاهة شديدة من جانبى،ثم أننى لم أعد قادرا على الوقوف على قدميّ ومواصلة البحث فى هذه المتاهة.. عدتُ أسند جسمى على الجدار القريب وأبحث بعينى عن سيارة أجرة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق