الجمعة 7 من ربيع الثاني 1440 هــ 14 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48220

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بعد السيرة الهلالية والتحطيب..
رشيد ووادى النطرون تغزوان «اليونسكو»

رياض توفيق

من مستجدات الساحة الثقافية ما تنفذه الآن وزارتا الثقافة والآثار من جهد هائل لإعداد ملفين أحدهما عن مدينة رشيد وآخر عن وادى النطرون، لتسجيلهما بقائمة اليونسكو، وكانت مصر قد نجحت فى تسجيل ثلاث مأثورات بقائمة الصون العاجل والحماية بالمنظمة العالمية، كانت أولاهما «السيرة الهلالية» كملحمة شعبية عاشت فى وجدان المصريين والشعوب العربية، ثم تلاها توثيق «التحطيب» كواحد من أشهر الفنون الشعبية المصرية، وهو كذلك أحد أشكال الفنون الحركية التى تضرب بجذورها فى عمق الحضارة الفرعونية.

...........................

وتمكنت جهود وزارة الثقافة المصرية هذا الاسبوع من إدراج ملف الدمى اليدوية التقليدية «الأراجوز» بقائمة التراث غير المادى بمنظمة اليونسكو باعتباره من الموروثات الشعبية بجانب الانجازات التى تمت لإحياء هذا الفن، وتمثل هذه الخطوة الحفاظ على هذا التراث الشعبى، وحماية الهوايات الثقافية، وتتمثل هذه الحماية فى تدابير المنظمة العالمية الرامية إلى ضمان استدامته وتوثيقه والحفاظ عليه لما يحمله من ملامح الابداع الإنسانى الذى تتناقله الأجيال مما يستوجب حماية اليونسكو له.

[ملفات جديدة]

ونظرا لأن التراث المصرى يزخر بالعديد من الملفات التى تسعى البلاد لتسجيلها بقائمة اليونسكو خلال الفترة المقبلة، تشهد الآن وزراتا الآثار والثقافة إعداد ملفين فى غاية الأهمية لتسجيلهما ضمن التراث المادى بمنظمة اليونسكو، وهما ملف عن مدينة رشيد والآخر عن منطقة وادى النطرون الأثرية.

[رشيد.. متحف مفتوح]

اختارت مصر مدينة «رشيد» لترشيحها فى قائمة التراث العالمى لمنظمة اليونسكو. تلك المدينة التى تعد واحدة من أهم ثغور مصر، القابعة على ضفاف النيل عند التقائه بالبحر المتوسط، والتى تموج بآثار إسلامية، وتمثل المركز الثانى بعد مدينة القاهرة فى تلك الآثار وتنفرد آثارها بطابع معمارى مميز عن باقى الآثار الإسلامية فى البلاد، سواء بالنسبة للعمائر المدنية أو الدينية التى ترجع إلى الطراز التركى والعثمانى، وقد جمعت اللجنة المسئولة عن إعداد هذا الملف بقيادة المهندس محمد أبو سعدة رئيس التنسيق الحضارى بوزارة الثقافة: كل العناصر التى ترشح «رشيد» للانضمام إلى التراث المادى الذى تحميه منظمة اليونسكو العالمية.

حيث كشف الترشيح عما تضمه هذه المدينة من عمائر.. مازالت باقية بعد أن فقدت عديدا من عمائرها مع الزمن، وقد تبقى من العمائر الدينية ثمانية مساجد ترجع إلى النصف الأول من القرن 18 الميلادى، وزاويتان وأربعة أضرحة ولم يتبق من العمائر الجديدة سوى قلعة قايتباى فقط التى عرفت عند مؤلفى الحرب باسم قلعة «سان جوليان»، وكان يحيط بالمدينة سور لم يبق من معالم تحصيناته الحربية سوى باب واحد يكتنفه من الجانبين جزء من بقايا السور، أما المنشآت العامة فلم يبق منها سوى طاحونة واحدة وحمام واحد، ولم يتخلف لنا سبيل متفرد، وكل ما تخلف هو بعض الأسبلة الملحقة بالمنازل أو المساجد التى تعبر نماذج فريدة ونادرة.

وكثير من حكام مصر اهتموا بأمر الدفاع عن رشيد وخاصة فى العصر المملوكى، حيث تم إنشاء منار وبرج مدجج بالسلاح، وأنشأ السلطان الغورى بها عدة أبراج وسورا، وارتبطت مدينة رشيد عالمياً فى العصر الحديث بعد اكتشاف «حجر رشيد» بها» والذى فك رموز الحضارة المصرية القديمة واللغة التى كانت سائدة فى العصر الفرعونى.

[منازل رشيد الأثرية]

يشمل الملف أيضاً وصف ما تبقى من منازل تاريخية بالمدينة وتصل إلى 22 منزلاً فقط، تعتبر ثروة تراثية نادرة، حيث تميزت واجهاتها بالأعمدة والتيجان القديمة ومزينة بالطوب المبخور الأسود والأحمر، ووجود زخارف من الجص والفخار على المداخل تضم عناصر هندسية، والأبواب ذات الخوخات المدعومة بالمسامير الحديدية المكوية للحماية، ولعب الخشب دورا معماريا فى أسقف المنازل، وقد أبدع المعمار فى استخدام الأقبية المتقاطعة فى تغطية المخازن والوكالات بالمنازل، وضمت منازل رشيد عدداً من «الأسبلة» التى ألحقت بها والتى صنعت شبابيكها من المصبعات الأكر النحاسية، وأحيطت بعض الأسبلة بالأشرطة الرخامية التى نفذت عليها الزخارف، وفى أحيان أخرى بلاطات القيشانى، وحمامات تضم قدورا من الفخار دست من النحاس للماء الساخن، وكانت «الأغانيات» من العناصر التى انتشرت فى منازل رشيد، وهى دواليب من الخشب المطعم بالعاج والصدف، وانتشر «الإيوان» الذى يقابل «التختبوش» بمنازل القاهرة، ويطل الإيوان على الشارع أو الفناء، أما الأحجبة فقد وجد حجاب واحد فى منزل «الأمصيلى» وهو المثال الوحيد للأحجبة بعمائر رشيد، وينقسم إلى ثلاثة أقسام يعلو كل منها عقد مدبب وترتك على عمودين رخاميين، وسد هذا الحجاب بالخرط الصهريجى والميمونى، والباب من الحشوات الخشبية، وتمثل كل هذه المواصفات السابقة قيمة تراثية وتاريخية لهذه المنازل تستحق التوثيق فى قائمة التراث العالمى باليونسكو.

[وادى النطرون]

وفى نشاط مثير تم إعداد ملف «وادى النطرون» الذى يمتد فى منتصف الطريق الصحراوى بين القاهرة والإسكندرية، واكتسب صفة التقديس فى المسيحية لمرور العائلة المقدسة بها خلال وجودها بمصر كما شرح د.ضياء زهران المسئول عن إعداد هذا الملف بوزارة الآثار، وكان أول تجمع رهبانى بالمنطقة على يد «مقار الكبير» الذى أنشأ دير الأنبا مقار فى القرن الرابع الميلادى، وهو دير عامر حتى الآن بجانب ثلاثة أديرة أخرى بالمنطقة هى دير الأنبا «ابراموس» ودير «السريان» ودير «بيشوى»، وكانت المنطقة تحوى 700 دير فى القرن الرابع الميلادى، لذلك يعد وادى النطرون من أهم المناطق المكرمة بالنسبة لأتباع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وتتميز المنطقة بوفرة المقومات السياحية والطبيعية والتاريخية، مثل البحيرات وشواطئ رملية وبحيرات كبريتية للسياحة العلاجية، وتضم المنطقة «دير البراموس» ويبعد عن الرست هاوس 12كيلومترا، ويضم 5 كنائس هى الايرتادرس ومارجرجس وماريو حنا المعمدان والعذراء الأثرية والملاك ميخائيل بالحصن، كما يحتوى هذا الدير على حصن كان يختبئ به الرهبان فى أثناء هجمات البربر على أديرة وادى النطرون كما يحتوى على مجموعة من القلالى الأثرية.

[دير الأبنا بيشوى]

وتضم المنطقة أيضا دير الانبا بيشوى ويعد أكبر الأديرة العامرة بوادى النطرون، ويضم عدة مبان أهمها الحصن والمائدة وهيكل كنيسة الانبا بنيامين وكنائس أبو سخيرون ومارجرجس والمعمودية.

ثم نصل إلى أصغر الأديرة فى الوادى وهو دير «السريان» الذى يتميز بأنه يأخذ شكل سفينة نوح ويحتوى على 4 كنائس وحصن بجانب قلالى الرهبان والمائدة، ويشتهر أيضا بوجود القلاية الأصلية الأثرية التى كان يعتكف بها الانبا بيشوى.

وتعد أديرة وادى النطرون كما يؤكد المؤرخون هى بداية لنظام الرهبنة الجماعية، التى بدأت فى نهاية القرن الرابع الميلادى على يد القديس «مقار الكبير» الذى أنشأ دير مقار العامر حتى الآن. وتعد الأديرة القبطية من أهم المؤسسات المنتجة فى المجتمع المصرى، عكس ما قد يتصوره البعض من أن الرهبان منقطعون للعبادة فقط، وهو أمر غير صحيح، حيث إن الحياة منتظمة داخل هذه الأديرة، ولكل راهب نشاط يمارسه يوميا بجانب العبادات، وينتشر فى وادى النطرون وفرة من المقومات السياحية الطبيعية والتاريخية، فالطبيعية مثل البحيرات وعيون معدنية كبريتية للسياحة العلاجية، وبحيرات مثل بحيرة الحمراء وبحيرة الجعار، وملاحة الرايزونية وملاحات أخرى يستخرج منها الملح الذى كان يستخدمه الفراعنة فى عمليات التحنيط، أما الجانب السياحى التاريخى فيحمل طابعا دينيا ويتمثل فى زيارة الأديرة المنتشرة فى الوادى.

[حماية اليونسكو]

بعد الانتهاء من إعداد الملفين، والذين يتضمان الممتلكات التى ترشحها الدولة للإدراج فى قائمة التراث العالمى، تقوم لجنة التراث العالمى باليونسكو بقبول أو رفض إدراج هذه الممتلكات فى قائمة التراث العالمى، بعد أن يقوم الاتحاد العالمى لصون الطبيعة والمجلس الدولى للآثار والمواقع بتقييم هذه الممتلكات، وبعد إدراجها فى اليونسكو، يجرى إدراجها ورصدها بهدف حماية قيمتها العالمية الاستثنائية فى قائمة التراث العالمى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق