الجمعة 29 من ربيع الأول 1440 هــ 7 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48213

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

جيسكار ديستان: اعترافات للتاريخ

صدرت السيرة الذاتية للرئيس فاليرى جيسكار ديستان أحد أهم رؤساء الجمهورية الخامسة والذى جلس على كرسى الاعتراف أمام كاتب التراجم الحياتية الشهير ايريك روسيل ليتحدث بصراحة عن جراحه وشكوكه ومثله العليا.. ولذا جلست التهم كتاب «اعترافات» من أجل التاريخ.

اعترافات جيسكار هى مسيرة سياسية وتحليل لآرائه ومنظوره السياسى وعلاقاته بالجنرال ديجول والرؤساء الآخرين بومبيدو وشيراك وميتران ليبرز سلوكه المتحفظ مع الجنرال واختلافه الجذرى مع بومبيدو حول دور الدولة، أما شيراك فيلومه لعدم اهتمامه بالقضايا الجوهرية، ويقول عن ميتران إنه آخر رجل دولة بعده! والكاتب روسيل يناصر رؤى جيسكار حول نقاط الضعف التى تهدد أوروبا فى إطار عالم متعدد الأقطاب ويثنى على إدارته الحذرة والمتقشفة لوزارة المالية ويعيد إلى الأذهان أنه فرض اصلاحات مهمة فى المجتمع الفرنسى عقب انتخابه عام 1974 ويشير إلى أن الفترة الأكثر إثارة فى مشواره السياسى بين 1966 و 1974 حيث وقع ضحية للعبة سياسية لم تعده إلى منصبه كوزير مالية فى عهد بومبيدو مما أسهم فى تحويل هذا الرجل المنغلق فى حساسيته إلى رجل مجروح.. تميز بليبرالية فرنسية لمنهج الحكم الوسطى ومنذ عام 1965 كان يمثل الحداثة الفرنسية.. ويشرح روسيل كيف أراد أن يكون رجل دولة وفوق جميع الأحزاب السياسية القوية وبعد أربعين سنة يقدم ماكرون على نهج مشابه لجيسكار ويؤكد روسيل الجرح الأصلى الذى لازم جيسكار ولاحقه طويلا وشرح أن هذا الجرح كامن منذ أن تم إعادة انتخاب ديجول وكيف أصيب السياسى الشاب جيسكار بخيبة أمل عندما فهم أنه سوف يضطر إلى مغادرة وزارة المالية التى أمضى فيها سنوات كانت أسعد أيام حياته، حيث استجاب رئيس الدولة ديجول لأمنية ميشيل ديبريه فى الحصول على منصب وزير المالية، مما يلزم ديستان قبول تكليف آخر أو التنازل عن موقعه فى الوزارة الجديدة.. خمسين سنة عقب هذا الاخفاق يعترف جيسكار بأن الجرح لازال موجودا! ويؤكد روسيل أن جيسكار هو النقيض الحى لفرنسوا ميتران الذى تمسك بذكاء عبر مشواره السياسى أساليب تملك السلطة والحفاظ عليها.. ويعيد روسيك إلى أذهان القارئ قول «ادجار فور»: ان الرجال السياسيين الذين ليس لديهم تصور ذهنى أو مفهوم لا يهموننى! مشيرا إلى أن جيسكار احتضن هذا الرأى بجدية.. ويبرهن روسيل كيف أن الفائزين فى حزب الاتحاد الديمقراطى يشعرون أن جيسكار يفضل الحوار عن المواجهة، حيث أكد السياسى «أليكساندر سانجينيتى» الذى يجسد الديجولية أن النظام الجيسكاردى يعتمد على خطأ درامى اسمه الليبرالية التى سوف تكلف فرنسا ثمنا باهظا، فهى قد تتواءم مع المزاج الأنجلو ساكسونى أو الألمانى ولكنها لا تتفق مع دولة كاثوليكية قديمة مثل فرنسا. ولقد أصدر جيسكار قرار عام 1976 خاص بجمع شمل الأسر المهاجرة لكنه ندم بعد ذلك على تلك المبادرة وقال «إن الفكرة فى نفسها كانت سليمة ولكن سيئة التنفيذ ولم أكن موفقا عندما لم أراقب التنفيذ.. وأنا مسئول عن ذلك، كنا نهدف للحفاظ على النواة العائلية كما نعرفها».

إن السير الذاتية التى نشرتها عن رؤساء الجمهورية الخامسة بفرنسا أخيرا تكشف عن ثراء الحياة السياسية الفرنسية بكل أبعادها، وكيف تزخر فرنسا بقيم إنسانية وفلسفية واجتماعية تؤهلها لأن تتجاوز الأزمات التى تعترض دول العالم بسبب التيارات الشعبوية والأمراض المجتمعية والأزمة الاقتصادية وغياب الوفاق الدولى.


لمزيد من مقالات عائشة عبدالغفار

رابط دائم: