الجمعة 29 من ربيع الأول 1440 هــ 7 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48213

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

«فتيات الليل».. حياة محفوظية مثيرة تقبع خلف ستار حديدى

محمد بركة

الحمد لله الذى أنعم علينا برأى عام بات يتفهم أن البحث فى الحياة الخاصة لرموزنا الفكرية و الثقافية الخاصة حق اكتسبه مجتمعنا المدنى بقوة الاستنارة و المراجعة و استخلاص العبر والدروس، و ليس تطفلا أو رميا بالحجارة أو حتى مراهقة صحفية. حضرتٌ جزءا من المجالس شبه اليومية التى كان يعقدها محفوظ فى سنواته الأخيرة بانتظام، وخلف صفحة الوجه الهادئة لشيخ طاعن فى السن كانت نداهة الأسئلة تأخذنى: متى و كيف كان هذا الرجل المنضبط كساعة بيج بن فى لندن يفقد إيقاعه ويستسلم لفوران التمرد؟ لقد عاش الرجل حياته المديدة مسالما لا يغضب أحدا، يجيد فن إمساك العصا من المنتصف، لا يخلص لشيء سوى الكتابة التى فى سبيلها لم يخض معركة أو يتبنى قضية محددة كما يليق بموظف حكومى أصيل، فمتى تخلى عن كل ذلك وترك نفسه ليجرفه تيار الحياة بمغامراته وطيشه وجنونه؟

الإجابة الصادمة جدا و الشجاعة للغاية والصادقة لحد المثالية جاءت على لسان صاحب نوبل نفسه فى حواره الشيق و الممتع مع الأستاذ الكبير الراحل رجاء النقاش:

...............................

«كنت من رواد دور البغاء الرسمى والسرى، ومن رواد الصالات والكباريهات، ومن يرانى فى ذلك الوقت لا يمكن أن يتصور أبداً أن شخصاً يعيش مثل هذه الحياة المضطربة وتستطيع أن تصفه بأنه حيوان جنسى، يمكن أن يعرف الحب أو الزواج».

بالطبع لا نملك هنا سوى أن نصيح: يا للهول، على طريقة يوسف وهبى! حيوان جنسى؟ لنتجاوز الموجة الهائلة الكاسحة للفضول رخيصا كان أم مشروعا و لنذهب مباشرة إلى تساؤل حول قيمة أهم ومعنى أكثر سموا: كيف كانت حقيقة نظرة الرجل للمرأة على هذه الخلفية وهل كان تكن لها احتراما حقيقيا أم تلونت نظرته بمنظور الجنس الحيواني؟

لحسن الحظ تأتى الإجابة فى الكتاب البديع «نجيب محفوظ» الذى ألفه رجاء النقاش وأهدانى منه نسخة تحمل توقيعه فى لحظة تاريخية:مساء 12 يوليو 1998. هل يذكركم هذا التاريخ بحدث معين؟ نعم...هو بالضبط..نهائى كأس العالم بين فرنسا و البرازيل وبينما المصريون جميعهم متحلقون حول الشاشة كان الأستاذ رجاء يخط توقيعه لى بقلم أسود أنيق!. يقول محفوظ: كانت نظرتى للمرأة فى ذلك الحين جنسية بحتة، ليس فيها أى دور للعواطف أو المشاعر، وإن كان يشوبها أحياناً شيء من الاحترام، ثم تطورت هذه النظرة وأخذت فى الاعتدال بعدما فكرت فى الزواج والاستقرار. «هنا تبدأ ملامح حياة كاملة تقبع خلف ستار حديدى تطل على استحياء فى الموج الرمادى البعيد لسيرة الأستاذ غير الرسمية. لكنها حتى الآن مجرد شذرات شحيحة لا تروى عطش الفضول. كيف تزوج على سبيل المثال وعلى أى أساس اختار شريكة حياته ولماذا لم يكن مسموحا لها بالظهور بأى شكل من الأشكال على مسرح الحياة العامة؟ لنتأمل إجابته مع الأستاذ رجاء حول ملابسات زواجه الغامض من السيدة «عطية الله»:

وجدت فى «عطية الله» هذا التفهم وتلك الصفات المناسبة لى، واستطاعت أن توفر لى جواً مناسباً جعلنى أتفرغ للكتابة والقراءة، حتى إن إخوتى عندما كانوا يقومون بزيارتهم المعتادة لنا، كانت زوجتى تستقبلهم وتجلس معهم لتتركنى وشأنى، حتى لا أضيع وقتى فى مثل هذه الواجبات الاجتماعية. ولا أفشى سراً إذا قلت إننى لم أكن أنوى الزواج أبداً، فقد كنت أحسب أنه سيعطلنى عن حبى للأدب الذى قررت أن أعطيه كل وقتى واهتمامى. ولكن عندما تقدم العمر بوالدتى وضعفت صحتها، وأصبحت لا تقدر على الأعباء الكثيرة المطلوبة منها تجاهى، بدأت أشعر بالوحدة وأفكر جديا فى الزواج».

حسنا.. ما الذى نفهمه من ذلك؟

أديب عبقرى يعشق الانضباط ووهب حياته للكتابة كان ينتوى عدم الزواج نهائيا فالمرأة بالنسبة له مجرد كائن يهتم به ويرعاه وهذا ما كانت تقوم به والدته، كما أنها أداة للمتعة وهذا ما كانت تقوم به البيوت السرية إياها. وحين أقدم على هذه الخطوة المصيرية، كان السبب ضعف صحة الوالدة وعجزها عن خدمته بالكفاءة السابقة! هل يعنى هذا أن علاقة محفوظ بحواء لم تعرف رحيق الحب أو عبير المشاعر؟ الإجابة بالنفى، على الأقل فى مرحلة الطفولة فلم يكن الرجل استثناء فى قصص الحب البريئة التى تنشأ بين قلوب خضراء. وها هو يلقى بعض الضوء على تلك المرحلة قائلا: فى العباسية عشت أول قصة حب حقيقية فى حياتى، وهى قصة غريبة ما زلت أشعر بالدهشة لغرابتها كلما مرت بذهنى، وكنت أيامها على أعتاب مرحلة المراهقة.

كنت فى الثالثة عشرة من عمرى، أما هى فكانت فى العشرين، فتاة جميلة من أسرة معروفة فى العباسية.

ما جذبنى إليها بالإضافة إلى جمالها أنها كانت مختلفة عن كل البنات اللائى عرفتهن قبلها. لم تكن فتاة تقليدية مثل بنات العباسية، بل كانت تميل إلى الطابع الأوروبى فى مظهرها وتحركاتها،.

ظل حبى قائماً لهذه الفتاة الجميلة من بعيد ومن طرف واحد، ولم أجرؤ على محادثتها أو لفت انتباهها إلى حبى الصامت، واكتفيت منها بمجرد النظر، وكانت متعتى الكبرى أن أجلس بعد انتهاء مباراة الكرة قبيل المغرب، وأوجه نظرى صوب الشرفة التى تقف فتاتى فيها وأطيل النظر إلى وجهها الجميل.

استمر الحب الصامت لمدة عام كامل، وكم كان حزنى شديداً عندما تزوجت فتاتى وانتقلت إلى بيتها الجديد. انقطعت عنى أخبارها، ومضت الأيام، وبدأ حبها يخفت وتنطفئ نيرانه، خاصة بعد أن تخرجت فى الجامعة، وانشغلت بالوظيفة وبحياتى الأدبية ثم زواجى بعد ذلك.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق