الجمعة 29 من ربيع الأول 1440 هــ 7 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48213

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عملاق الرواية ومقص الرقيب..
«محفوظ الموظف» كان أعلى صوتا من «محفوظ المبدع»

علا الشافعى

سؤال دائماً يستحق الطرح «كيف للأديب العظيم والمبدع نجيب محفوظ أن يجلس علي كرسي الرقيب، كيف لمن نسج وصاغ رواية بعمق وسحر الحرافيش، ووضوح وحدة أولاد حارتنا أن يجلس علي كرسي الرقيب علي المصنفات الفنية، يجيز ويمنع وأحيانا قد تضطره الظروف للوقوف ضد حرية المبدع، كيف تسني له أن يخلع عباءة المبدع، ويرتدي بذلة الموظف؟».. المفارقة أنه ليس أي موظف بل هو الرقيب ذاته.

.............................

ولكن يبدو أن محفوظ الذي اعتاد علي الجلوس علي كرسي الوظيفة مهما اختلفت أو تدرجت، كان يجيد الفصل بين الدورين حينما يتلبسه المبدع فهو يقدم عوالم خاصة وساحرة، وشخصيات ثرية محملة بالعديد من التساؤلات الفلسفية والحياتية وهو ما تؤكده تجربة الأديب الكبير في الرقابة وكما يرويها بنفسه في أكثر من حوار صحفي مع عدد من المفكرين والأدباء من بينهم الكاتب رجاء النقاش، ومحمد سلماوي.

محفوظ: لم أخن نفسي عندما تحولت لرقيب

كان محفوظ قد تولي رئاسة هيئة الرقابة الفنية عام 1959 وبقي يشغلها حتي نهاية الستينيات، وكان شديد التحفظ في ممارسته هذه الوظيفة التي أتت بعد ثورة الضباط الأحرار وكانت تهدف إلي تنقية الأفلام من الإباحية والسياسة، وبالطبع كان أول قرار اتخذه الأديب نجيب محفوظ قبل الجلوس علي كرسي الرقابة، هو وقف تعاملاته مع السينما ككاتب سيناريو محترف، ورفض أن يوقع أية تعاقدات جديدة.

وفي حوار أجراه معه رجاء النقاش، تحت عنوان «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ»، يقول فيه أديب نوبل: «قبولي لمنصب مدير عام الرقابة، رسم علي وجه الكثيرين من أصدقائي وقرّائي علامة استفهام كبيرة، فكيف أكون رجلاً يدعو للحرية وينادي بها ويتخذ من الديمقراطية شعاراً ثابتاً له، ثم يرضي أن يكون رقيباً علي الفن، ويحدّ من حرّية الفنانين؟».

وأجاب: «إن الرقابة، كما فهمتها، ليست فنية، ولا تتعرَّض للفن أو قيمته، ووظيفتها، ببساطة، أن تحمي سياسة الدولة العليا وتمنع الدخول في مشاكل دينية قد تؤدّي إلي الفتنة الطائفية، ثم المحافظة علي الآداب العامة وقيم المجتمع وتقاليده في حدود المعقول، وفيما عدا ذلك يحقّ للفنان أن يقول ما يشاء، ويعبر عن نفسه بالأسلوب الذي يراه مناسباً».

وتابع: «طوال الفترة التي أمضيتها بالرقابة كنت منحازاً للفنّ، رغم أن الأجواء بها تحمل روح العداء للفنّ، ولم أشعر، في لحظة من اللحظات، أنني أخون نفسي كأديب وفنّان، بل كانت أسعد أيام حياتي الوظيفية هي تلك التي أمضيتها في الرقابة، رغم المضايقات الكثيرة التي تعرضت لها من هؤلاء الذين لا يؤمنون بأن الرقابة يمكن أن تكون نصيراً للفن، واتَّخذت قراراً بوقف تعاملاتي مع السينما طوال فترة رئاستي للرقابة، كانت هناك بعض التعاقدات السابقة، وتلك لم أتدخَّل فيها، لكني رفضت أي تعاقدات جديدة إلي أن تركت عملي بالرقابة».

وعن النظام الذي وضعه في الرقابة تحدث الأديب الراحل مع الكاتب محمد سلماوي حيث ذكر: «كنت قد وضعت نظاما في الرقابة وقت أن توليت إدارتها عام 1959، بأن تشكل لجنة محايدة من المثقفين للنظر في تظلمات أصحاب الأعمال التي ترفضها الرقابة، لكن هذه اللجنة لم تجتمع إلا مرة واحدة في حالة عز الدين ذو الفقار، لأنه لم يتم حظر أي فيلم أو مسرحية طوال وقت ولايتي للرقابة.

وعن واقعة عز الدين ذو الفقار قال محفوظ: «أجازت اللجنة الفيلم وأوصت بحذف مشهد واحد فقط لرقصة رأت أنها خليعة، وليست في صلب البناء الدرامي للفيلم، لكن خلاف تلك الواقعة الواحدة لم تحذف الرقابة في عهدي أي مشاهد من أية أعمال درامية».

والمفارقة أن الأديب الكبير وطبقا للرواية هو من اتصل بالمخرج عز الدين ذو الفقار، ونبهه إلي موقف الرقابة، وأن عليه أن يقدم تظلما بسرعة، وقد كان، وأجاز الأديب الراحل الفيلم.

ولم تكن تلك هي الواقعة الوحيدة في تاريخ نجيب محفوظ بل هناك واقعة أخري طريفة يرويها بنفسه وتتعلق بأغنية «يا مصطفي يا مصطفي» التي لحنها الموسيقار العبقري محمد فوزي. ويروي محفوظ أن زميلا له في الرقابة رفض طبع أغنية «يا مصطفي يا مصطفي»، علي الرغم من الأغنية كانت ناجحة وتذاع في الإذاعة المصرية، «قال لي: هذه الأغنية تسيء إلي ثورة يوليو، سألت زميلنا الموظف كيف؟ رد إنهم يقصدون مصطفي باشا النحاس ويقولون سبع سنين في العطارين، ولا تنس أن الثورة قامت منذ سبع سنين». فاقترح محفوظ ساخرًا حينها أن يسمحوا بالأغنية في العام القادم عندما تكون الثورة قد أتمت عامها الثامن، والغريب أن الزميل اقتنع بهذا الحل ولم يفطن إلي ما فيه من سخرية من جانب الأديب الكبير.

ورغم ذلك إلا أن الباحث والمؤرخ مكرم سلامة، وهو أحد أهم جامعي الوثائق في مصر والعالم العربي، قدم ثلاثة سيناريوهات تحمل ترخيص الرقابة علي الأفلام في مصر، وتعود إلي فترة تولي محفوظ لرئاسة الرقابة، وهي «البنات والصيف، وصائد الرجال، وأبناء وعشاق»… ويوجد علي تراخيص تلك السيناريوهات توجد ملاحظات علي بعض المشاهد كتبها محفوظ بخط يده، كما أنه كان يحذف بعض المشاهد، بحجة أنها لا «تراعي الحشمة والآداب العامة».

حيث يقول محفوظ: «ظللت في موقعي كرقيب لمدة عام ونصف تقريبًا، وجاء خروجي منه كنتيجة أزمة رواية «أولاد حارتنا»، «وتابع» في مجلس الوزراء شن وزير الاقتصاد وقتها الدكتور حسن عباس حلمي حملة علي الدكتور ثروت عكاشة كانت وجهة نظر الأول أن عكاشة أسند مهمة الرقابة لرجل «متهم في عقيدته الدينية». وهو الأمر الذي جعل الدكتور ثروت عكاشة يطلب من الأديب الراحل ترك الرقابة والانتقال إلي رئاسة دعم السينما والتي كان تحت الإنشاء حينها.

وعن الفترة التي تولي فيها الأديب نجيب محفوظ الرقابة يقول الناقد السينمائي محمود عبد الشكور: «دور نجيب محفوظ في السينما لا يقل أهمية عن دوره كروائي، فقد كان أحد كتاب السيناريو البارزين، وكان رئيساً لمؤسسة السينما، ومديراً للرقابة علي المصنفات الفنية».

وعن دور محفوظ كرقيب، قال عبد الشكور إنه «كان رقيباً ملتزماً للغاية بالقوانين. وتذكر بعض المصادر أنه رفض روايته «القاهرة الجديدة» جرياً علي عادة الرقباء السابقين». وأضاف: «في كل الأحوال، ومهما كانت صحة هذه الرواية، فإن محفوظ الموظف كان أعلي صوتاً من محفوظ المبدع، وهو عموماً لم يكن يشعر بحريته الكاملة إلا عندما يكتب».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق