الخميس 28 من ربيع الأول 1440 هــ 6 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48212

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

من نحن وماذا نفعل؟

انشغل المثقفون فى بلادنا بالصراع حول سؤال الهوية، من نحن؟ هل نحن مصريون أم عرب أم مسلمون وأقباط؟ هل تنتمى أمتنا إلى شعوب المتوسط، وعليها أن تتطلع شمالا عبر البحر لتعزز ارتباطها بأقرانها من الشعوب المتوسطية، أم أننا عرب علينا أن نتوجه شرقا إلى حيث يوجد الخزان البشرى والثقافى الأكبر للعرب والعروبة؟

سؤال الهوية هو سؤال عن ثقافة الأمة، لكنه ليس السؤال الوحيد المتعلق بالثقافة، فهناك أيضا السؤال الخاص بماذا نفعل وكيف نتصرف؟! فإزاء المواقف المختلفة التى يصادفها الفرد فى حياته يكون عليه أن يختار من بين عدة بدائل سلوكية، وهو الاختيار الذى تلعب فيه الثقافة دورا كبيرا.

كيف يتصرف التلاميذ لو وجدوا فى الامتحان سؤالا صعبا لا يعرفون إجابته، هل يبذلون ما فى وسعهم ويرضون بالنتيجة أيا كانت، أم يسعون للغش؟ ماذا يفعل رجل وامرأة إذا وقعا فى الحب؟ هل يتزوجان بحضور العائلة وبمباركة دينية، أم أنهما ينتقلان للعيش معا دون حاجة لأى إجراءات؟ ماذا يفعل الفرد إذا تراكمت القمامة فى الشارع الذى يسكن فيه، هل يضغط على السلطات المحلية المسئولة؟ هل يتعاون مع آخرين من المتضررين للتخلص من القمامة؟ هل يتجاهل المشكلة ويتعايش مع القبح؟ هل لا يلاحظ القمامة المتراكمة أصلا؟ كيف يتصرف الناس لو واتتهم الفرصة لارتكاب مخالفة وهم آمنين من العقاب، هل يرتكبونها؟ أم أنهم يواصلون التصرف بطريقة سليمة حتى لو أمنوا العقاب؟ وقديما قالوا من أمن العقاب أساء الأدب، فهل هذا المثل ينطبق على الناس فى كل الثقافات والشعوب، أم أنه ينطبق على أمم معينة أكثر من انطباقه على غيرها؟ يتصرف الناس إزاء هذه المواقف وفقا لثقافتهم، فالثقافة هى نظام لتعريف الصواب والخطأ، المرغوب والمرفوض، الممكن وغير الممكن.

المؤكد هو أن الناس يتفاوتون فى ثقافاتهم، فالمتعلمون يختلفون عن غير المتعلمين، والريفيون يختلفون عن أهل المدن، والفقراء يختلفون عن الأغنياء، والشباب يختلفون عن كبار السن. لكن رغم كل هذه الاختلافات فإن أواسط الناس وأغلبهم يميلون للتصرف بطرق متشابهة، وهذا هو ما يصنع الثقافة القومية.

تداعت هذه الأفكار فى ذهنى وأنا أتابع أخبار الاحتجاجات العنيفة التى شهدتها مدن فرنسا خلال الأسابيع الماضية، وكان السؤال الذى ألح على هو ما إذا كانت شعوب أوروبية أخرى ستتصرف بنفس الدرجة من العنف إزاء سياسات حكومية شبيهة بتلك التى يطبقها الرئيس ماكرون؟ أظن أن الثقافة والشخصية القومية للفرنسيين تنطوى على مكون ثورى وقدر من العنف الجماهيرى يزيد عما نجده لدى شعوب أوروبية أخرى.

فتاريخ الاحتجاجات الجماهيرية العنيفة فى هذا البلد طويل جدا، ويكفى أنه البلد الذى منح للعالم الثورة الفرنسية، الثورة البرجوازية الوحيدة الخالصة فى التاريخ قبل أن يأتى بعد ذلك عصر الثورات العمالية. فى عام 1848 منح الفرنسيون العالم ثورة جديدة، ثم منحوه ثورة باريس المعروفة بكميونة باريس، عندما سيطر العمال الثوريون على العاصمة فى عام 1871. أما فى القرن العشرين فقد كانت باريس هى مسقط رأس ومنصة انطلاق ثورات الشباب فى عام 1968، ومنذ ذلك الحين شهدت فرنسا من العنف والاحتجاجات الجماهيرية أكثر مما شهده أى بلد أوروبى آخر.

ترتبط الثقافة القومية والطابع القومى بالأشياء التى يفعلها عموم الناس المنتمين لأمة معينة وليس بالصفات التى يروجونها عن أنفسهم. فليس المهم هو ما يحب الناس أن يراهم الآخرون عليه، ولكن المهم هو ما يقومون به بالفعل، فهذا هو ما يعكس ثقافتهم وطابعهم القومي. عندما يقوم اليابانى المصاب بالبرد بتغطية أنفه وفمه بكمامة تقلل من احتمال انتقال العدوى منه للآخرين، فهذا تصرف يتسم بدرجة عالية من المسئولية تجاه آخرين لا يعرفهم، ولكن يصادف أن يقترب منهم فى المواصلات العامة والأماكن المزدحمة. اليابانى الذى يتصرف بهذه الطريقة يتوقع من الآخرين التصرف بالطريقة نفسها، ويثق بأنهم سيفعلون ذلك.

نادرا ما نرى هذا المشهد فى بلاد أخرى حول العالم؛ ومع أنه لا توجد طريقة للتأكد من أن كل يابانى مصاب بالبرد يتصرف بهذه الطريقة، فإننا متأكدون من أن اليابانيين الذين يتصرفون بهذه الطريقة نسبتهم أعلى بكثير ممن يتبعون السلوك نفسه بين الشعوب الأخرى، مما يبرر القول إن هناك سمة قومية مميزة لليابانيين تتعلق بعمق إحساسهم بالمسئولية تجاه الآخرين من مواطنيهم، وتتعلق بثقتهم فى أن اليابانيين الآخرين يشاركونهم إحساسا مماثلا بالمسئولية. الثقافة هى نظام للتوقعات يحدد لكل فرد ما هو المتوقع منه أن يفعله فى المواقف المختلفة.

ماذا يقول الناس لبعضهم عندما يلتقون فى الصباح، أو عندما يلتقون لأول مرة؟ وكيف يتبادل الرجال التحية، وكيف يتبادلونها مع النساء؟ كيف يتبادل الأفراد مشاعرهم، وكيف يعلنونها لبعضهم، وكيف يتزوجون، وماذا يفعلون فى حفلات الزفاف، ما هو نوع الرقص المرحب به فى هذه المناسبات، وما هى الملابس المقبولة فيها؟ ماذا يفعل الناس إذا تجمع لديهم بعض المال، هل يستخدمونه للتفاخر وتعزيز الوجاهة الاجتماعية، أم يستثمرونه لتعظيم الثروة حتى لو انطوى ذلك على بعض المغامرة، أم أنهم يكتفون بادخاره ليوم يحتاجونه فيه؟ هل يثق الناس فى بعضهم البعض، وهل يلتزمون بتعهداتهم؟ إلى أى مدى يتصرف الفرد بمسئولية إزاء المجتمع وإزاء مواطنين آخرين لا يعرفهم، وإلى أى مدى يكون مستعدا لانتهاز الفرصة للانتفاع على حسابهم؟ انشغل المثقفون والدارسون عندنا بسؤال: من نحن، على حساب انشغالهم بسؤال: ماذا نفعل وكيف نتصرف، فغاب القسم الأهم من ثقافتنا وشخصيتنا القومية عن الدراسة المتأنية والتوجيه الرشيد.

أظن أن بعضا من احتجاز التنمية فى بلادنا يرجع إلى تخلى جماعة المثقفين والأكاديميين عن دراسة هذا المكون، فانشغلنا بمجادلات المثقفين حول الهوية عن الاشتباك مع السلوك اليومى لعموم المواطنين، وما يقف وراءه من قيم.


لمزيد من مقالات ◀ د. جمال عبدالجواد

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث: