الخميس 28 من ربيع الأول 1440 هــ 6 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48212

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

خواطر عنصرية

يبتلينا الله سبحانه وتعالى من حين لآخر بمن يعكر صفو حياتنا ويسبب لنا المشكلات فى الداخل والخارج دون داع، فهذا مذيع رياضى يسخر من رئيس دولة شقيقة بمناسبة مباراة حساسة فيصب الزيت على نار بدأ اشتعالها بالفعل ويتسبب فى أزمة فى علاقة مصر بهذه الدولة، وتلك مذيعة بإحدى الفضائيات تهين بنات جنسها فى دولة شقيقة أخرى دون سند سوى الجهل فتُسبب أزمة ثانية، وفى الداخل كم ابتلينا بأصحاب الفتاوى الدينية المغلوطة التى تثير الفتن وتحاول بث الكراهية بين أبناء الشعب المصرى، لكننا هذه المرة إزاء حماقة من نوع جديد فهذا مدرس يُفترض فيه أن يكون أميناً على مبادئ وقيم سامية يمسك برأس طفلة بريئة ويطلب من زملائها وزميلاتها إعراب جملة: بسملة تلميذة سوداء, مما شجع بعضهم على السخرية منها، وعندما انفجرت فى البكاء هددها بالطرد ما لم تتوقف، وكالعادة فإن الروايات غير دقيقة حيث فُهم من بعضها أن الإساءة ممتدة منذ وقت وأن واقعة الإعراب هذه ليست سوى الذروة، وعلى أى حال فإنها وحدها تكفى لإثبات سوء التصرف وانعدام الإحساس بالمسئولية وظيفياً ومجتمعياً، غير أن محافِظة دمياط النشيطة العادلة -التى سبق لها أن أنصفت بائعة خضار بسيطة من عسف سلطات مدينة رأس البر- تحضر طابور الصباح فى المدرسة وبيدها باقة زهور تهديها لبسملة وتلقى كلمة تشدد فيها على رفض التمييز والإساءة، وبعد ذلك التقى وكيل الوزارة المختص بسملة وأمر بإيقاف المدرس والتحقيق معه، وقد زارها فى منزلها واعتذر لها وكرر اعتذاره فى طابور الصباح وإن قيل فى بعض المصادر إنه عاود السخرية منها.

كذلك شارك وزير التعليم فى إدانة التصرف الخاطئ، وعند هذا الحد كان يمكن للقصة أن تنتهى غير أن الأمر وصل للقضاء حيث أمر وكيل النيابة المختص بحبسه أربعة أيام احتياطياً ووجه له تهمة التنمر والخروج عن مقتضيات الواجب الوظيفى، وفى المحكمة احتشد معلمون دفاعاً عن زميلهم وهذا متوقع، ذلك أن مبدأ انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً يُطبق لدينا عادة بغير المعنى الذى قصده الرسول عليه الصلاة والسلام، كما ظهرت صور لتلاميذ صغار يحملون لافتات بخط جميل تطالب بالحرية للمدرس المتهم، ويعرف كل من لديه حد أدنى من الخبرة بهذه المواقف أن هؤلاء الصغار لابد قد تم توظيفهم فى اتجاه معين، أما الذى لم أفهمه فهو تطوع عشرين محامياً على رأسهم أمين عام النقابة فى المحافظة للدفاع عن المعلم والمطالبة ببراءته على أساس أن مصر ترفض التمييز وكذلك المساس بمكانة المعلم، ولا أدرى -رغم أنى لا أؤيد معالجة الأمر قضائياً وكان التحقيق الإدارى كافياً- هل محاسبة شخص ما على خطأ ارتكبه تعد مساساً بمكانة مهنته؟ ولنفرض أن معلماً تحرش بطالباته هل تعتبر محاسبته مساساً بمهنته؟، والأعجب ما نشرته المصرى اليوم من أن أحد المحامين قد ذكر فى معرض الدفاع عن المعلم المتهم أن المادة 161 من قانون العقوبات قد تحدثت عن التمييز على أساس الدين أو الجنس أو الأصل أو العقيدة ولم تذكر اللون وبالتالى لا جريمة إلا بنص، وعليه أن يقرأ المادة 53 من الدستور ليطمئن إلى أن اللون بدوره أساس للتمييز المرفوض، وقد ذكر نقيب المحامين بالمحافظة أن التضخيم الإعلامى للواقعة هو سبب التصعيد ضد المدرس، وأشهد من خلال متابعة أربع صحف يومية أعتبرها الأهم أن القضية أخذت حجماً أقل مما يجب، ففى نحو أسبوع لم أقرأ سوى مقالات ثلاث للأستاذة فاطمة ناعوت صاحبة القلم العذب الرصين والابنة العزيزة حبيبة محمدى والقس رفعت فكرى سعيد فأين التضخيم؟ وحتى لو كانت مواقع التواصل الاجتماعى التى لا أتابعها قد فعلت، فهذا معناه أن المسألة قضية رأى عام، ولا أدرى لماذا ينتابنى شعور بأن وراء الأكمة ما وراءها.

مصر دولة لا تعرف التمييز على أساس اللون أولاً لأن شعبها مختلف الألوان، وثانياً لأن الديانتين السماويتين اللتين يدين بهما أبناؤها لا تعرفان التمييز على أساس اللون أو غيره، وثالثاً لأن الثقافة المصرية لا تعرف التمييز اللونى كذلك، وأُذَكر القارئ الكريم بالأغنيات التى تتغنى بجمال السمراوات أو تقضى بأن المعيار هو المحبة وليس اللون، وكمواطن مصرى عاش على هذه الأرض أكثر من ستة عقود لا أذكر أننى صادفت فى المدرسة أو الجامعة أو الحياة اليومية سخرية على أساس اللون، صحيح أن هناك ممارسات خاطئة ولكنها محدودة ومدانة، وقد تذكرت فى هذا السياق واقعة وفود أول طالبين إفريقيين إلى مدرستى شبرا الإعدادية، وفى البداية كان هناك بعض السخرية من بعض الطلاب ليس بسبب اللون ولكن اللكنة التى كانا يتحدثان بها، وهى السخرية نفسها التى يبديها البعض من لكنة الأوروبيين البيض عندما يتحدثون العربية، وأذكر عندما تفوق ديامو خليفة زميلنا الغانى فى كرة القدم وأصبح عاملاً مهماً فى انتصارات فريق المدرسة أن شعبيته أصبحت طاغية، وعندما توليت إدارة معهد البحوث والدراسات العربية فى أوائل تسعينيات القرن الماضى فتحت الباب على مصراعيه للطلاب الأفارقة وأشهد أن العلاقة بينهم وبين زملائهم المصريين وغيرهم من العرب كانت رائعة، ولا أنسى ما حييت الطالب التشادى الخلوق الذى أشرفت على رسالة الماجستير الخاصة به وفوجئت يوم مناقشتها بالمدرج الذى يسع نحو مائة وخمسين يغص بسيدات مصريات وأزواجهن والكل يرتدى الملابس المصرية الشعبية المعروفة، عقب حصوله على الدرجة إذا بالزغاريد تنفجر فى القاعة، وبعد المناقشة سألته فعرفت أنه يقيم فى منطقة شعبية بالقاهرة وأن علاقته الطيبة بجيرانه قد رسمت هذا المشهد الجميل، فأين أنتم أيها السفهاء من هذا الشعب المتحضر وثقافته الإنسانية الرفيعة؟


لمزيد من مقالات ◀ د. أحمد يوسف أحمد

رابط دائم: