الخميس 28 من ربيع الأول 1440 هــ 6 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48212

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

على هامش واقعة «بسملة»

أيقظت حالة التلميذة التى تعرضت لعدوان جهول من مدرسها، عندما حاول الحط من شأنها لأنها سمراء، شجونًا دفينة عند العبدلله، وربما عند كثيرين بغير حصر تعرضوا للعدوان نفسه فى مراحل دراسية مختلفة، وربما فى أماكن أخرى غير فصول الدراسة، إذ ما أكثر الأماكن الرسمية وغير الرسمية، التى يسكنها جهولون لا يعرفون عن الإنسانية شيئًا!.. ولو كانت وسائل أو وسائط التواصل الاجتماعى الإلكترونية المنتشرة الآن موجودة عندما كنا وكان من سبقونا ومن جاءوا بعدنا، لكانت المآسى المنشورة أضعاف أضعاف ما هو موجود حاليًا!.. بل ربما لا أتزيد إذا قلت إن مؤسساتنا التعليمية والبحثية فى المراحل الجامعية وفوق الجامعية فيها إلى الآن ممارسات غير سوية تتجاوز حكاية اللون والعرق والمستوى الاجتماعى إلى مجالات أخرى، قد تصل إلى مستوى إجرامي، حيث القتل المعنوي، ومصادرة عقل الطالب أشد وطأة من القتل العضوي! بعد واقعة تلك الطالبة قفزت ذكرياتى الأليمة إلى مقدمة وعيي، ورغم أن الظروف ساعدتنى على تجاوزها بل والتندر بها، إلا أنها ما زالت عينة لما قد يتعرض له البشر فى أماكن يفترض أنها ذات رسالة سامية رفيعة كالجامعات مثلًا.

أذكر ذلك الصباح البارد من شتاء 1963 إذ أستيقظ قبل الفجر لألحق قطار السادسة إلا عشرة، الذاهب من طنطا للقاهرة، وأقطع المسافة من بيتنا إلى المحطة مشيًا فى حوارى غير مرصوفة تمتلئ بالطين الموحل الكثيف والعميق، ليتحول الحذاء إلى كتلة طينية لا شكل لها إلا الإزعاج، وعندما نصل إلى طوخ يركن القطار تبعنا ليفسح الطريق للسريع القادم من الإسكندرية للقاهرة، ولذلك يتأخر وصولنا ربع ساعة، وبعدها الأتوبيس من باب الحديد لجامعة القاهرة، حيث سكشن الاقتصاد، الذى يبدأ الثامنة صباحًا لمن تبدأ أسماؤهم بحرف الألف، وكان يحاضرنا فيه أستاذ مساعد الاقتصاد، الحاصل على جائزة الدولة التشجيعية عن كتاب له فى الاشتراكية.. وهو رفعت المحجوب.. وكان من حظ بقية السكاشن أن يكون محاضرهم هو المعيد سمير رضوان، الذى أضحى وزيرًا فيما بعد، وكان خلوقًا متواضعًا بشوشًا.. وأدخل القاعة متأخرًا كل مرة، وفى ذلك الصباح وفيما كنت أتسلل نادانى الأستاذ بطريقته التى كان يعبر فيها بيديه وأصابعه مع كلماته، وبنظارته ذات الإطار الذهبى الرفيع: «تعال هنا.. أنت بتيجى متأخر ليه؟.. وبنفسية الفلاح المقهور الذى لا خبرة له، ولا يتجاوز السادسة عشرة وعدة شهور: أصل أنا من طنطا وساكن بعيد فى حى شعبى وأصحى قبل الفجر.. والقطر بيتأخر»!.. وبنظرة فاحصة هابطة من قمة رأسى إلى لا مؤاخذة أخمص الساقين، وتحولت إلى زغرة حادة سأل السؤال الثاني: وإيه الهباب اللى فى جزمتك ده؟!، ورددت أصل شوارعنا طين والدنيا شتا! وجاءت اللطمة: أنت عارف أنت واقف على إيه؟ فقلت على خشب فرد: اسمه باركيه، ولأننى تجمدت فيما الطلاب صامتون يترقبون، استكمل: آدى عيوب مجانية التعليم.. اللى أهلهم يبيعوا فجل.. داخلين بالطين على الباركيه، اللى حافظ عليه الباشوات والبهوات.. أقعد وماتتأخرش تاني.. ولم يندمل الجرح فانقطعت عن الذهاب للكلية تمامًا ورسبت وفصلت، لأتحول لدراسة الآداب فى جامعة عين شمس، ثم يدور الزمن ويحدث الانطلاق كما السهم من قوس مشدود، وأنشط طلابيًا وسياسيًا، وأترأس جلسة المحاضرة الأولى فى لقاء ناصر الفكري، وكان المحاضر الدكتور رفعت المحجوب، أمين أول اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي، وكانت المحاضرة عن الانفتاح الاقتصادي.. ليسهب الأستاذ فى تمجيد الملكية الفردية، وأنها هى أساس الكون وأصل التقدم وقمة العدل، وأن مصادرتها وتكبيلها يخالف الأديان!!.. وجاءت الفرصة وعقبت بأن أصل الملكية فى الإسلام غير فردي، لأن الأرض ومن عليها ملك لله سبحانه.. وأن الإنسان مستخلف فى الأرض لإعمارها، وإفادة الناس ونفسه، فإذا أخل بجوهر الاستخلاف وتحول إلى الاستغلال والإضرار حق للحاكم، بل تعين على الحاكم أن يصادر ما لديه، وأن يضعه فى خدمة المجتمع.. إلى آخر ما يُقال فى هذا المضمار.. وأثناء تلقى الأسئلة فى القاعة همس الضيف: حضرتك بتشتغل فين؟، فقلت: أعمل فى مركز بحوث الشرق الأوسط، وأدرس الماجستير تحت إشراف الدكتور أحمد عزت عبد الكريم.. ومن فوره قال: واضح إنك قارئ كويس.. أبقى مر على مكتبى لأدبر لك منحة لاستكمال دراستك العليا فى بريطانيا! وعندها لم أتمالك نفسى وانفجر الجرح رغم أنفي، وقلت: أكيد حضرتك لن تتذكر فبراير 1963 فى سكشن الاقتصاد.. وأكملت الحكاية كلها.. وختمتها: «كنت أنا ذلك الطالب ذا الجزمة المطينة»!. وواقعات أخرى حدثت فى الجامعة، كنت فيها أحد أطرافها، لا تتسع المساحة للاستطراد فيها، وهى كلها عينة من مئات آلاف الحالات التى يتم فيها العصف بإنسانية البشر، وذبح كل القيم والتقاليد والأعراف التى انبنت عليها الحياة الجامعية فى كل العالم، ولا أحد يحاسب أو يسأل، وحتى الضحايا أنفسهم لا يفصحون عن آلامهم، إما خوفًا من التنكيل أو اتقاء للجرسة والفضيحة، وحتى لا يتحولوا إلى أن يصبحوا مثار شفقة أو مثار سخرية وتندر! تعالوا ننادى بحتمية مراجعة حياتنا الجامعية، ليس فقط المباني، من مدرجات ومكتبات ومعامل وملاعب وأماكن للأنشطة الطلابية، ولكن أيضًا العلاقة بين الأساتذة والطلاب ومعهم، المعيدين والمدرسين المساعدين، بل وأضيف أيضًا العلاقات داخل هيئة التدريس، خاصة مع الذين تقاعدوا وأصبحوا غير متفرغين إذا عُلم يقينًا أن هناك من يعض يد أستاذه ويغتال شخصيته لمجرد أنه ترك منصبه.


لمزيد من مقالات ◀ أحمد الجمال

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
كلمات البحث: