الخميس 28 من ربيع الأول 1440 هــ 6 ديسمبر 2018 السنة 143 العدد 48212

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أبطال المعجزة الصينية

حسين إسماعيل ــ خبير في الشئون الصينية

في هذا الشهر، ديسمبر 2018، يكون قد مضى على الجلسة الكاملة الثالثة للجنة المركزية الحادية عشرة للحزب الشيوعي الصيني، أربعون عاما.

هذه الجلسة التي عقدت في الفترة من الثامن عشر حتى الثاني والعشرين من ديسمبر 1978، بقيادة الزعيم الراحل دنج شياو بينج، تؤرخ لبداية سياسة الإصلاح والانفتاح في الصين.

خلال أربعة عقود حققت الصين إنجازات غير مسبوقة في تاريخ التنمية؛ فالدولة التي بلغ حجم ناتجها المحلي الإجمالي في عام 2016 أكثر من أحد عشر تريليون دولار أمريكي، كان ناتجها المحلي الإجمالي حوالي مائة وخمسة وخمسين مليار دولار أمريكي في عام 1978، وارتفع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي من مائة وخمسة وستين دولارا في عام 1978 إلى أكثر من ثمانية آلاف دولار أمريكي في نهاية عام 2016. الصين التي لم يكن فيها أي استثمارات أجنبية قبل أربعة عقود، بلغ حجم الاستثمار الأجنبي المباشر فيها عام 2016، أكثر من مائة وثلاثين مليار دولار أمريكي، وحافظت على وضعها كثاني أكبر اقتصاد في العالم. الأهم، أن أكثر من سبعمائة مليون صيني نفضوا الفقر عن كواهلهم.

قليل من الكتابات تلتفت إلى البطل الحقيقي للمعجزة الصينية، وأقصد المواطن الصيني. وفي تقديري، فإن من يبحث الحالة الصينية دون الالتفات إلى هذا الجانب لا يمكنه الاستفادة منها شيئا. الذين يتغزلون في الإنجازات الصينية العملاقة، لابد أن يعلموا أن هذه الإنجازات كانت لها أثمان باهظة دفعها عامة الصينيين، ليظل السؤال هو: هل ثمة شعب آخر لديه الاستعداد والقدرة لتحمل التضحيات التي كابدها الصينيون؟ وبعبارة أخرى، فإن قراءة النتائج من دون تحري مقدمات ومجريات وتفاصيل ما حدث ومازال يحدث على النحو الذي أفضى إلى النتائج، تقود إلى استنتاجات خاطئة.

من المهم للغاية لكل من يتعرض لما أسميه أنا بـ»الحالة الصينية»، أن يلم بكافة جوانبها ولا يركن فقط إلى نتائجها الساطعة، بل عليه أن يسترجع المشاهد القاسية والتضحيات المؤلمة التي تحملها أبناء هذا الشعب، وخاصة من يسمونهم في الصين بالعمال- الفلاحين، ويقصد بهم أبناء الريف الذين هجروا مواطنهم وسعوا إلى المدن بحثا عن حياة أفضل أو رزق أوسع، ولم تكن الرياح في كل الأحوال تأتي بما تشتهي سفنهم. العمال- الفلاحون الذين كان عددهم في بدايات فترة الإصلاح أقل من خمسين مليونا، ارتفع إلى ستين مليونا في سنة 1992، ثم إلى 120 مليونا في سنة 2003، وإلى 210 ملايين في سنة 2008، قبل أن يصل في سنة 2017 إلى أكثر من 280 مليونا، بزيادة بلغت نسبتها 1,5% عن عام 2016.

هؤلاء الناس يضمرون في قلوبهم وأكياس أمتعتهم وكفوف أيديهم المتشققة جانبا آخر مما يسميه البعض بالتجربة الصينية؛ الجانب الذي يتجلى في أكثر مشاهده تأثيرا أمام محطات القطارات والباصات في المدن الصينية قبيل حلول عيد الربيع، عندما يتكدس أبناء الريف، رجالا ونساء، شبابا وشابات، عائدين إلى ديارهم بعد شهور من الشقاء والحنين، حاملين على ظهورهم حقائبهم التي تحوي لباسهم وأوعية طعامهم، ولكن الأهم من بين كل هذا «صرة» محكمة الربط مخفية بين جلد ولحم الواحد منهم، فيها حصيلة عرق شهور عديدة.

بدأت حملة الإصلاح والانفتاح من الريف الصيني بتطبيق نظام تتعهد بموجبه الأسر الريفية، منفردة، بزراعة الأرض المملوكة جماعيا عن طريق المقاولة، مما أدى إلى تحرير نحو مائة مليون ريفي من العمل الزراعي، وبمعنى آخر أصبحوا بلا عمل. ولكن معظم الفلاحين ظلوا أسرى للريف بسبب نظام كوبونات الدعم (بطاقات التموين) المرتبطة بمحل الإقامة، والتي كان بها يتم الحصول على كل شيء تقريبا، حتى الطعام. وقد استطاع ثلاثة وستون مليونا من هؤلاء المائة مليون الحصول على وظائف في المشروعات الريفية التي تديرها القرى، والتي انتشرت في تلك الحقبة. في سنة 1984 تغيرت السياسة، وصار مسموحا للفلاحين بالعمل في المدن، ومع ذلك لم تشهد الصين هجرة هائلة للعمالة الريفية المتعطلة. بيد أن تدفق الاستثمار، بفضل سياسة الإصلاح والانفتاح، أدى إلى خلق أعمال كثيرة في مواقع البناء وفي المناجم والمصانع، وهي أعمال يعتبرها أهل مدن الصين مرهقة وقذرة، فلم يكن من بد غير الاستعانة بأهل الريف.

حسب الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، ساهمت العمالة المهاجرة في الصين بواحد وعشرين في المائة من إجمالي الناتج المحلي للصين خلال الثلاثين سنة الأولى للإصلاح والانفتاح. ومع ذلك، كما ذكر تقرير لوكالة شينخوا في عام 2008، كان عدد قليل من العمال الريفيين يشعرون فعليا بالتقدير أو الاحترام، ولا يستمتع كثير منهم بحياة المدن. وحسب مسح أجرته سنة 2006 المصلحة الصينية للإحصاء، لم يكن 40% من العمال الفلاحين في استطاعتهم أن يجدوا الوقت أو المال لزيارة الطبيب عندما يمرضون، وكان أكثر من نصفهم بمضون وقت فراغهم إما في النوم أو مشاهدة التلفزيون.

تحسنت أوضاع الفلاحين الذين صاروا عمالا في مدن وبلدات الصين كثيرا في السنوات الأخيرة، مع التقدم الشامل لبلادهم، ففي عام 2016 بلغ متوسط الدخل الشهري للفرد منهم إلى 3275 يوانا (الدولار الأمريكي يساوي 6,9 يوانات)، وهو أقل بنسبة 6,6% عن عام 2015، وفقا للتقرير الصادر عن المصلحة الوطنية الصينية للإحصاء في مايو 2017.

لعل الثمرة الأبرز- من وجهة نظري- لسياسة الإصلاح والانفتاح في السنوات الأخيرة، هي ازدياد عدد العمال الذين يتم تشغيلهم من قبل قطاعات محلية في مسقط رأسهم بنسبة 3,4% سنويا، ليصل العدد إلى 112,37 مليونا، أي أكثر من 88% من إجمالى عدد العمال- الفلاحين الجدد. وعلى النقيض من ذلك، بلغ عدد الفلاحين الذين يعملون في المدن نحو 135 مليونا، بانخفاض قدره 1,57 مليون، أي بنسبة 1,1% سنويا.

برغم كل هذه المعاناة لم يتجاوز تذمر العمال- الفلاحين، في أغلب الأحوال، الحدود القانونية ولم يخرجوا على شرعية المجتمع سواء في شكل اعتصامات أو مظاهرات أو أي شكل من أشكال العصيان. والغالبية العظمى من هؤلاء العمال- الفلاحين يعترفون بأنهم يعيشون حياة أفضل حالا من آبائهم وأنهم استفادوا من ثمار التنمية، حتى ولو كانت استفادة ضئيلة.

إنهم بناة جسر الرخاء الذي عبر عليه الصينيون سنوات الشدة والفقر، ومن الإنصاف أن نذكرهم مع كل خطوة تتقدمها الصين. >

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق