الجمعة 22 من ربيع الأول 1440 هــ 30 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48206

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ثلاث حكايات من كتاب البدايات

محمد الفخرانى

الحكاية الأولى: السَّهَر

فى وقت قديم، لم يكن هناك وجود لكلمة «السَّهَر»، والشخص الذى يبقى مستيقظًا طوال الليل، أو لوقت طويل منه، ويريد أن يُعَبِّر عن ذلك، فإنه مُضطرٌّ أن يقول جملة طويلة مثل: «سأبقى مستيقظًا لوقت طويل من الليل»، أو: «لن أنام هذه الليلة»، وقتها، لم يكن استيقاظهم هذا لأجل المتعة، على الأقل لم يشعروا بتلك اللذَّة الغامضة، حتى ظهرَتْ كلمة «السَّهَر».

يحدث أحيانًا، ولأسباب تتعلَّق بشخصية الليل نفسه، وأسلوبه الخاص، أنْ يشتبك فى مشاجرة أثناء قدومه، أو ينسى نفسه عندما يتوقف ليتلصَّص على نافذة، أو يتابع حادث ما، ربما يكون قادمًا من أماكن بعيدة، ويضطر أن يسير فى مناطق وشوارع موحشة، يتعرَّض فيها لمحاولات سرقة ويُصاب بأذى ما، وكثيرًا ما ظَلَّ مُلقيَ بالشارع لبعض الوقت وهو طافٍ على دمه، إلى أن تنقذه فتاة أو امرأة، بأن تسحبه من يديه أو قدميه لبيتها، أو تجلس إليه فى مكانه، وتفعل كل شيء لتوقف نزيفه، ولا تنسَ أن تحتفظ لنفسها فى النهاية بقطعة من ملابسه المُبلَّلَة بدمه، ليدخل معها بعد ذلك فى قصة حب، كحبيبة، صديقة، أُمّ، أُخت، ابنة، وربما أَنقذَه رجل عابر، وخاطَ له جرحه بشكل عشوائى، لتكون هذه الجروح فيما بعد هى المناطق الأكثر وِحْشة وإظلامًا فى جسد الليل، ومنها تصدر الأصوات العميقة التى تبدو مجهولة المصدر، ويخافها المسافرون والوحيدون بشكل خاص رغم ضعفها، إلا أن هذا لم يمنع الليل أن يتخذ الرجال الذين أغلقوا جروحه بهذا الشكل أصدقاء له، فَهُمْ فى النهاية قد أنقذوا حياته، كما سينقذه أطفال، حيوانات، وكائنات أخرى ربما لن يقابل أيًّا منهم مرة أخرى، ويعتبر نفسه مَدينًا لهم، لذا، يُلقى بعضَ نجماته كل ليلة بشكل عشوائى، ربما تصادفها يد أحدهم.

لم يكن الليل يتأخَّر عن المكان الذى يتجه إليه أكثر من ساعة واحدة، مهما كان جرحه خطيرًا، فإما أن يفيق بشكل تلقائى قبل نهاية تلك الساعة، أو يقوم مَنْ يخيط له جرحه بإفاقته، حتى لو أنه لم يُكمِل خياطة الجرح، فيملؤه له بحفنة ملح، سكر، أو تراب، ويربط عليه سريعًا بقطعة قماش، أحيانًا يُكمل الليل خياطة الجرح بنفسه أثناء الطريق، وهو يضغط بأسنانه على قطعة من خشب، ربما لا يبالى، ويترك جرحه مفتوحًا حتى يتوقف النزيف بنفسه.

دم الليل خفيف القوام، بين العطر والماء، له لون الشجَن، ولا يَجفُّ أبدًا، فكانوا يستعملون قِطَعًا من القماش النظيف لامتصاصه من الأرض، ويحتفظون بها بعد ذلك، هم يحبون رائحته الرهيفة، لونه الحالم الشجيّ، ويحتاجونه للسَّهَر.

ظهرَتْ كلمة «السهَر» عندما أُصيب الليل بجُرح لأول مرة، كان جرحه كبيرًا، وظَلَّ مُلقى فى الشارع لوقت طويل، حتى تجمَّع حوله عدد من المتشردين بعد أن شمُّوا رائحة لم يصادفوها من قبل، وعندما تتبَّعوها وجدوها تتسرَّب بخفَّة من دمه، كانت مزيجًا من رائحة مطر بَحَريّ، ندف سحاب، وعُشب نَبَتَ لتوّه، لم يستطيعوا وصْفها أو تسميتها، لكنها جعلَتْ حواسَّهم تبتسم، اقترَحَتْ مُتشرِّدة أربعينية أن يخيطوا للَّيل جرحه قبل أن ينزف كل دمه، جلسَتْ إلى جواره، نَقَلَتْ رأسه إلى ركبتها، خاطَت الجرح فى دقائق، وأَفاقَ الليل قبل أن تنقضى ساعة منذ إصابته حتى الانتهاء من خياطة جرحه، ابتسمَ للمرأة، أَخرَجَ من قلبه ثلاث نجمات طِفلات ثبَّتَهُن على صدرها، وغادرهم مُتعَجِّلاً كمن يخشى فوات موعد مهم، كانوا مأخوذين برائحة دمه، فهتف أحدهم له: «يا ليل، رائحة دمك جميلة»، التفَتَ الليل إلى الرجل وقال: «اسمها السَّهَر»، فى هذه الليلة ظلَّتْ رائحة دم الليل حاضرة مثل عطر خفيف، ولم يَنَمْ أيّ من المتشردين.

مع تكرار تَعَرُّض الليل للإصابة، وقيام الكائنات بخياطة جروحه، لاحظوا أنهم لا يشعرون برغبة فى النوم طالما يَشمُّون رائحة دمه، وقد أراد أن يكافئهم لإنقاذهم حياته، فدَلَّهم على طريقة تُبقيهم مستيقظين كيفما شاءوا، بأن يحصلوا أثناء خياطتهم لجُرحه على قطرات قليلة من دمه، أو يُبلِّلوا به قطعة صغيرة من قماش، ويضعونها فى إناء فُخارى مكشوف، وطالما تسرى رائحة الدم فى الهواء يَظلُّون مستيقظين.

منذ أن دَلَّهم الليل على طريقته تلك، صاروا يستعملون اسم رائحة دمه «السَّهَر»، ليصِفُوا بقاء الشخص مستيقظًا طوال الليل، أو لوقت طويل منه، ثم تحوَّلَتْ كلمة «السَّهَر» من وَصْف إلى اسم تُعرَف به هذه الحالة التى يعشقها الكثير من البشر.

بعد ظهور كلمة «السَّهَر» للعالم ظَهَرَتْ المتعة فى أنْ يقضى أحدهم الليل أو جزءًا طويلاً منه بلا نوم، أدركوا تلك اللذَّة الغامضة، وذلك الشعور السحريّ، كأن كلمة «السَّهَر» هى مفتاح متعة الليل، مثلما لكل شىء فى العالم كلمة هى مفتاحه.

الحكاية الثانية: الصدى.

فى ماضٍ بعيد، لم يكن هناك صدى لأيّ صوت فى العالم، إلى أنْ فَقَدَتْ إحدى الأمهات ابنتها أثناء لَعِبِهما معًا لعبة بسيطة فى بيتهما البسيط.

بحثَتْ الأم عن طفلتها فى البيت، وعندما لم تجدها فَكّرَتْ أن اللعبة ربما أخذَتْها إلى مكان ما فى العالم، فخرَجَتْ، سألَتْ عنها فى الشوارع القريبة، إلا أن أحدًا لم يكن يعرف شيئًا، مشَتْ فى شوارع بعيدة وهى تنادى ابنتها، دخلَتْ عوالم داخل العالم الذى تعرفه، وأخرى خارجه، تنادى بأعلى صوتها، كان الصوت وحيدًا مثلها بلا أيّ صدى أو مساعدة من كائن آخر.

ظلَّتْ الأم تمشى، تتنقَّل من ليل إلى نهار، تعبُرُ غابات، صحارى، ومياه، حتى بدأ صوتها يتعَب، نظرَتْ إلى الكائنات حولها، كأنها تطلب منهم أن يفعلوا شيئًا، فإنْ كان أحدهم لم يَرَ ابنتها، وهذا شيء غريب، وإنْ كان أيًّا منهم لن يساعدها فى البحث، فلينادوا معها على الأقل، كلٌ من مكانه، عندها، بدأتْ الجبال، الأشجار، السحاب، والمياه، يُردِّدون خلف الأم وهم يُقلِّدون صوتها طِبْق الأصل، فبدا الكون كله وكأنه ينادى الابنة بصوت أمها، حتى إن الأم عندما انهارت وبَكَتْ، ردَّدَت الكائنات بكائَها، ولم يمضِ وقت طويل حتى سمعوا صوت الطفلة وهى تهتف من مكان ما: «أمى»، ردَّدت الكائنات صوت الابنة طِبْق الأصل، ضحِكَتْ الأم ونادت ابنتها، ردَّدتْ الكائنات ضحكتها وندائها، وهكذا، ظلَّت الكائنات تُردِّد خلف الأم وابنتها، وتُقلِّد صوتيهما طِبْق الأصل، حتى عثرت كلٌ منهما على الأخرى. ومنذ ذلك اليوم، صارت هذه اللعبة موجودة فى العالم مع تعديل بسيط، فيمكن لأيّ شخص أن يحصل على صدى لصوته، حيث تقوم الكائنات التى تُشْبِهه فى العالم بترديد كلماتِه، ولو أنَّ كائنًا لم يحصل على صدى لصوته، فهذا لعدم وجود كائنات تُشبهه بشكل كافٍ على مسافة قريبة، أو أنه لم يرفع صوته كفاية لتسمعه، أو لأن هناك زحام كبير بينه وبينها يمنع وصول صوته إليها.

أحيانًا، يقف شخصان إلى جوار بعضهما بعضًا، فيحصل أحدهما على صدى لصوته لأن هناك كائن يُشبهه فى الجوار، بينما لا يحصل الآخر على صداه لأن لا أحد يشبهه، وربما يقف شخص واحد بمواجهة شجرتين، فتردُّ إحداهما عليه لأنها تشبهه، بينما تظَلُّ الأخرى صامتة لأنها تشبه واحدًا غيره.

لكن، وفى النهاية، لا داع لأن يقلق أيّ كائن، فهناك دومًا ما ومَنْ يتماسّ مع روحه، أكثر من ذلك، سيحصل لنفسه على أكثر من صدى.

الحكاية الثالثة: الرجل الذى غَنَّيَ.

فى وقتٍ كان فيه العالم خاليًا من الشوارع والبيوت.. يبنى البشر شوارعهم وبيوتهم معًا طوال اليوم، ليلاً ونهارًا، يأكلون ويشربون ويضحكون معًا، يتعبون فيستلقون على الأرض بجوار بعضهم بعضًا كأنهم جسد واحد بلا نهاية، تتفرَّع منه أذرع، رؤوس، سيقان، وتنبض فيه قلوب كثيرة، تستلقى مشاعرهم أيضًا إلى جوارهم، كأن الإنسانية كفكرة طيِّبة بطبيعتها قد تجسَّدَتْ واسترخَتْ هناك، لتعيش واحدة من أجمل لحظات وجودها.

ينهضون من جديد لبناء عالمهم، يريدون مواصلة العمل لوقت أطول، لكنهم ربما يحتاجون إلى تفصيلة صغيرة، شيئًا صغيرًا عبقريًّا يُنسيهم التعب، ويُحلِّق بأجسادهم وأرواحهم.

وفى ليلة، بينما يبنون شارعًا طويلاً، توقف أحدهم عن العمل، تطلَّع إلى الخَطّ البشريّ الممتد، ابتسمَ لهذا المشهد العبقرى، سَمِع صوتًا يأتيه من بعيد، وفى الوقت نفسه يصعد من داخله، كان مثل غناءٍ بطريقة خاصة، حماسيّ، قويّ، حنون، مُبْهِج، وبه لمسة من شجن.

«كل هذه المشاعر؟»، هَمَسَ الرجل لنفسه، ظَلَّ الصوت المُغنِّيِ يقترب منه، ويتصاعد بداخله حتى شَعَرَ أن قلبه امتلأ به، ثم وَجَدَ نفسه يُغَنِّى.

سَمِعَه الجميع من أول كلمة، توقفوا وتطلَّعوا إليه، استمرَّ فى غنائه وهو ينقل عينيه بينهم، كلماته مشتعلة، مُبْتَسِمة، وإنسانيَّة، تخرج كل كلمة من روحه وقلبه، وتلمس وترًا إنسانيًّا داخل كل واحد منهم، فترتعش قلوبهم، حتى اكتَمَلَتْ رَعْشَتَهم، وامتلأتْ أرواحهم بالنَغَم الإنسانى.

ابتسموا لهذا الشعور العبقرى الذى ملأهم، وعادوا إلى عملهم: بِناء العالم.

بدأ الرجل يتحرك بينهم وهو يُغنِّيِ بإيقاعٍ معين، يُكرِّر كلمات، يعلو ويهبط بصوته، يضرب الأرض بقدمه مرة، أو يُصفِّق مرة، حتى بدؤوا يتجاوبون معه، فيكرِّرون كلمة معينة وسط كلمات أغانيه، أو يهتفون بمفردات ربما تكون حرفًا أو اثنين، وليست كلمات بالمعنى بالمعروف، لكنها ملأى بالمشاعر، خاصة عندما تُنطَق بطريقة معينة، «ها، هه، ها، هه»، وغيرها، كان إيقاعه يُحَمِّسُ الأرض والسماء للعمل معهم.

بمرور الوقت يعرف أسماءهم، فيذكُرُها ضِمْن أغانيه، يُشْعِل هذا أرواحهم، لم يكن يتوقف ليأكل أو يشرب، فقط يُغنِّى، تأتيه الأغانى من قلبه، والروح الإنسانية التى يراها حوله فى كل واحدٍ منهم، صاروا يحفظون أغانيه، حتى لو أنهم يسمعونها للمرة الأولى، ويعرفون بشكل تلقائى الكلمة الخاصة التى سيردِّدونها معه أو خلفه.

يمشى الرجل فى العالم بين بشر يبنون، يزرعون، يحصدون، يُغنِّىِ لهم، صار يعرف أسماءهم بمجرد النظر إليهم، فقط يُمرِّر عينيه على المئات فيعرف أسماءهم دفعة واحدة، ثم لم يَعُد فى حاجة لأن يُمرِّر عينيه على أحد ليعرف اسمه، الجميع يسمعون صوته، حتى لو بينهم وبينه بِحار وصحارى، يُسعده أن يرى ذلك الوَهَج فى عيونهم وأجسادهم، يَشُمُّ رائحتهم الإنسانية، ويتأمَّلها بحب وإعجاب.

يتأمَّلُ الرائحة الإنسانية وهى تتصاعد منهم، شفَّافة، ومرئية، يُمرِّر يده خلالها، ويشعر بملمسها النقيّ، كأنها روح أرواحهم.

الرائحة الإنسانية، وأفضل أوقات ظهورها هى التجمُّعات البشرية الكبيرة، بشر يشتركون جميعًا فى عمل طيِّب، لا يهتمون بأن يعرفوا أسماء بعضهم بعضًا، ولا من أين جاء أيّ واحد منهم، لا يهتم أحدهم بمعرفة شىء عن أخيه، «أخيه»، هكذا لا بد أن يشعروا تجاه بعضهم بعضًا كى تظهر رائحتهم الإنسانية، يتفانون فى ذلك الشيء الطيِّب، وكلٌ منهم يفعله بالأساس لأجل «أخيه»، فتبقى الروح حيَّة كما هو مُتَوقَّعٌ منها، يتجاوز الجسد فكرة الفناء، يكون كل شيء نقيًّا، مرئيًّا، وملموسًا لكن لا يمكن القبض عليه، يمكن للبشر وقتها أن يروا رائحتهم الإنسانية وهى تتصاعد منهم، مثلما يتصاعد البخار الرهيف من النباتات فى الصباح الباكر، دون أن يكون معروفًا أيّ نَفَسٍ يتصاعد من أيّ نبات، تُغطِّيهم هذه السحابة الكبيرة بغطاء شفاف يجمعهم معًا، الرائحة الإنسانية، يشعر بها كلٌ منهم وهى تتصاعد منه ومن الجميع فى اللحظة ذاتها، كأنهم إنسان واحد، عندها يكون الكون فى واحدة من أرقى حالات الحب والنقاء.

أَطلقوا على الرجل لقب «الرجل الذى غنَّيَ»، يُغنِّيِ لهم جميعًا، فيشعر كل واحدٍ منهم أنه قادر على أن يبنى العالم وحده، يزرعه وحده، يُلوِّنه وحده، فى الوقت نفسه يشعر أن كل البشر يبنون معه، يزرعون معه، ويُلوِّنون معه.

صار ما فَعَلَه «الرجل الذى غنَّيَ» شيئًا أساسيًا فى روح العالم، هناك مَنْ يُغنِّيِ للصيَّادين فى البحار والأنهار، للبنَّائين البُسَطاء، عُمَّال السكك الحديدية الذين يَمدُّون المسافات الطويلة للقطارات، مَنْ يحفرون الأرض للحصول على الماء، ومَنْ يُكَسِّرون الجبال، عُمَّال المناجم، والأنفاق، الزرَّاعون، الحَصَّادون، وكل الأعمال التى تُعَمِّر العالم، وتعتمد بالأساس على الجوهَر الإنسانى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق