الجمعة 22 من ربيع الأول 1440 هــ 30 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48206

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عروبة طه حسين.. شهادات عربية

إبراهيم عبدالعزيز

هل مازلنا فى حاجة إلى الدفاع عن طه حسين بعد 45 سنة من رحيله، بعد أن طُوِيَت صفحة حياته ولم يعد بها سر يحتاج إلى كشف أو موقف يحتاج إلى توضيح كموقفه من العروبة، وهو موقف يستند فيه خصومه إلى مواقفه الأولية دون أن ينظروا إلى مراجعاته التى انتهى فيها إلى مواقف نهائية، وتلك مهمة تحتاج إلى التجرد من الهوى والغرض.

.......................

وقد يُفهَم من الرسالة التى نشرها الزميل «نبيل فرج» على صفحات جريدتكم الموقرة الأسبوع الماضى أنه ضد الوحدة العربية لدفاعه عن مصر الفرعونية، مع أنه مع تلك الوحدة قلبا وقالبا، ولكنه ضد ما يفسدها كوحدة سياسية، وهو ما يكشف عن بصيرة ثاقبة كما ظهر لنا فيما بعد من خلال تجربة الوحدة المصرية السورية، ولذلك كان يرى الوحدة الثقافية والاقتصادية هى الطريق الصحيح لنجاح تلك الوحدة، أما تاريخ طه حسين نفسه، فيحمل من المواقف الكثير مما يدل على عروبته كما يشهد بذلك المصريون والعرب، بل والأجانب أيضا.

فى اجتماع اللجنة الثقافية لجامعة الدول العربية، فى جدة 1955، يقول طه حسين: «الغرب الأوروبى والأمريكى الآن على تفوقه، إنما هو مدين بتفوقه كله وبعلمه كله لهذه الأصول الخصبة الدائمة التى نقلها العرب إلى أوروبا فى القرون الوسطى».

يأخذون عليه أنه كان يرعى الطلبة الأجانب ويعتنى بهم، فلماذا؟

يجيبنا الأستاذ الفرنسى «روجر أرنلدز»: «لم يصرح لى قط عن الأسباب التى دعته إلى الاهتمام بى، ولكننى أميل إلى الاعتقاد بأنه أراد أن يثبت لنفسه وللآخرين أنه يمكن لعالم مصرى يحمل ثقافة الشرق، أن ينقل الثقافة الشرقية إلى العقلية الغربية، كما يفعل الغرب بشباب الشرقيين».

والشهادة الآن للإذاعى الرائد محمد فتحى التى قال فيها:

»ما من عالم عربى أو زعيم عابر أو منفى جاء إلى مصر إلا وأوفده طه حسين إلى الإذاعة يذيع من علمه ووطنيته على المواطنين، وليلتقط إذاعته مواطنوه المعذبون تحت نير الاستعمار.

أذكر ذات ليلة وأنا بمكتبى أستمع للحن عهدتُ وأم كلثوم به إلى الموسيقار محمود الشريف، كان مشروعا إذاعيا جديدا له صفة السرية، تمشيا مع رغبة كوكب الشرق، وكنت قد أوصيت الحاجب بالباب ألا يُدخل أحدا حتى انتهى من سماع اللحن.. وإذا بالباب عنوة يفتح ويقتحم رجل المجلس فى ضجة تقطع على الملحن عزفه وغناءه، ويقول كلاما بلهجة مغربية.. كل الذى فهمته من كلامه «تونس» و«طه حسين» حاولت أن أُفهمه لماذا منعه الحاجب، وقد رأى بعينيه وسمع بأذنيه.. لكن أنّى لى أن أهدئ ثائرته، انصرف غاضبا فى قمة الهياج.

وقد عاتبنى طه حسين، وقال لى إنه زعيم تونسى لاجيء إلى مصر واسمه «الحبيب بورقيبة»، وأوصانى أن أدعوه لإذاعة أحاديث، وأجزل له مكافآته، وحددت موعدا وقمت بزيارته، ودعوته للإذاعة وأكرمت وفادته (كانت السفارة الفرنسية بالقاهرة تداوم الاحتجاج على إذاعاته). يضيف محمد فتحي: إن الحرب العالمية الثانية مشتعلة الأوار فى الصحراء الغربية، وكان ميكروفون الإذاعة المصرية متاحا للأحرار، لا لأحرار العرب فحسب، بل للأحرار من كل صوب، جاءنا الجنرال ديجول يوجه خطابا لجنوده الفرنسيين الأحرار الذين كانوا يحاربون فى الصحراء الغربية، وأحسب أنهم كانوا يرابطون إذ ذاك فى «بير حكيم»، ودُعى الدكتور طه حسين وكان عضوا بالمجلس الأعلى للإذاعة ليصحب الجنرال ديجول ويشرف على إذاعته، كنت المذيع إذ ذاك، أذكر أنه عقب الإذاعة والجنرال ديجول يحتسى القهوة مع الدكتور طه حسين، والحديث عن الأحرار والقتال من أجل الحرية، أن خاطب الدكتور، الجنرال فى أمر حرية سوريا ولبنان، وكانتا إذ ذاك تغليان من أجل استقلالهما، والإذاعة المصرية تلهب مشاعر الوطنيين قال الدكتور طه للجنرال ديجول: من الحق على الجنرال ديجول عقب انتصار فرنسا الحرة أن تمنح سوريا ولبنان استقلالهما، أحسب أن ذلك كان عهدا أخذه العميد على الجنرال، وإذا لم تخنى الذاكرة فالعهد بالاستقلال جاء ذكره فيما بعد على لسان الجنرال «كاترو» أحد قادة «ديجول».

وعندما طلب طه حسين من السفير الفرنسى أن توافق فرنسا على إنشاء مدارس مصرية فى شمال إفريقيا (بلاد المغرب العربى التى تحتلها فرنسا) لنشر اللغة العربية فى تلك البلاد، هدد طه حسين فى حالة رفض هذا الطلب بأنه سيغلق مدارس الليسيه الفرنسية الموجودة فى مصر.

ومن تونس يقول المفكر البشير بن سلامة:

«إننى أذكر عندما كان الاستعمار الفرنسى جاثما على البلاد التونسية كيف كنا نستقبل كتب طه حسين، فى الأربعينيات، ونحن تلامذة بالمدرسة الصادقية، وكانت آراؤه وأفكاره تبعث فينا الاعتزاز بانتسابنا إلى الحضارة العربية الإسلامية الناهضة المتوثبة فى مصر آنذاك، وتحفزنا على الأمل الأكيد فى الخروج من الهيمنة الاستعمارية والتبعية الفكرية، وكانت مواقفه الزائدة عن الكيان، المتحمسة إلى صيانة الثقافة العربية الإسلامية بالتحديد، والخلق المستمر، تعيننا أكثر من ذلك على كفاحنا من أجل حماية شخصيتنا التى كانت مهددة بالمسخ والتذبذب والذوبان».

ومن اليمن يحدثنا المفكر عبدالعزيز المقالح: «إذا كان الدكتور طه قد جعل من تاريخ اليمن القديم فى كتابه «على هامش السيرة» مهادا أسطوريا وتاريخيا لكل الأحداث التى تفجرت بعد الإسلام، فإنه فى الكتيب الخاص بالحياة الأدبية فى الجزيرة العربية، قد كان أول النقاد من جيله بل وآخرهم الذى عنى بالواقع الأدبى والفكرى المعاصر بذلك القطر النائى من الأقطار العربية المشتتة.

إذن فقد تجاوز طه حسين كتابه «مستقبل الثقافة فى مصر» الذى يعتبره حساده مانيفستو التغريب، لقد تجاوز بفعله وسلوكه ومواقفه التى هى أكثر دلالة على صاحبه مما خطه بقلمه أو نطق به لسانه.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق