الجمعة 15 من ربيع الأول 1440 هــ 23 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48199

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تغريدة عندليب

أحمد الخميسى

استيقظتُ على زخات المطر تطرق نوافذ البيت. دفعت الغطاء بقدمى ونهضت. ألصقت جبينى بالزجاج البارد أرقب فوران الريح فى العراء. تشابحت أمامى ملامح ابنى وزوجتى التى توفيت حزنا عليه وصور من جلوسنا على شاطىء وعيشتنا فى البيت ووجهه ضاحكا يتعلم المشى ويداه ممدودتان إلى أمه. تراجعت مبتعدا عن غيم أنفاسى على النافذة. لم يعد شىء يربطنى بدارى، وأنا منذ زمن أمنى نفسى بترحال يزودنى بحكاية أرويها وتمدنى بالقوة.

أفقت فى الصباح وقد استقر رأيى على الخروج إلى البلاد. بدأت رحلتى عصرا فى جو لطيف وريح ساكنة. مشيت على مهل بمحاذاة النهر. حدقت بأمواجه الصغيرة تعلو وتلحق بعضها البعض ولم أجد الحكاية. أمعنت النظر إلى زنابق المياه وأوراقها الخضراء السابحة، إلى الأسماك تتواثب تضرب الماء بذيولها، فحصت كئوس الورد فى البساتين فلم أجد فى قلبها سوى ضوء الشمس البرتقالى. قلبت عناقيد العنب الأحمر من دون جدوى. 

فجر اليوم التالى رحت أفرك قطرات الندى يحدونى أمل. لم أر الحكاية على الأرض، أما السماء فلا سبيل إليها سوى طير محلق، وأنا ثابت فى مكانى. اتجهت إلى عصفور دورى واقف على حافة بئر، سألته إن كانت لديه حكاية. استفسرت من نسر متكبر وغراب أحمق وطائر السمامة الذى يقضى معظم حياته فى السماء، ولم يجبنى سوى يمامة لينة هدلت تقول: «كل من صادفته من طير وشجر وموج يحفظ الحكاية التى تبحث عنها، وتحفظها رمال الصحارى والأبواب العتيقة، لكن ليس كل من عرف الحكاية يبوح بها، لأنها تحتاج إلى صوت جميل احتياج النغمة الى وتر مرهف. أتفهمنى؟ لهذا لا يغرد بها سوى العندليب». 

ظهر على وجهى أنى أستحثها على مواصلة الكلام فقالت: «فى حنجرته تسكن الحكايات كلها فابحث عنه إذن». صمتت ثم أضافت بأسى: «كان العندليب صديقا مقربا منى ولولا تفاخره بصوته لرأيتنا معا فى عش واحد».

سرت أصل الليل بالنهار، أتلفت إلى فروع الأشجار من حولى، أتطلع إلى السماء لعلنى ألمح العندليب المغرد خطفا. وقع بصرى على سرب بجع يرفرف مثل وشاح أبيض طويل يعبر السماء مرسلا غناءً عذبا ثم توارى. هرولت ألتقط صدى غنوته من على التراب، لكنى لم ألق فى جوف الصدى سوى فتافيت نغمة بددتها الريح من بين كفى. نال منى التعب. رقدت على أرض بستان ورأسى على حجر وكومة قش. عاودتنى فى المنام صورة ابنى الذى اختفى من سنوات، ثم أفقت بعد مدة على تغريد آسر. رفعت رأسى. رأيت العندليب على غصن شجرة لم تكن قائمة من قبل. 

تطلعت إلى العندليب مأخوذا بلون ظهره الأخضر وحمرة منقاره لكنه لم يشعر بوجودى. قطرت ماء فى راحة كفى. رفعتها إليه. التفت وراح يعب الماء برزانة الأمراء. قلت أطمئنه: «أيها العندليب البهى أنا راوٍ جوال أبحث عن حكاية تمدنى بالقوة». أمعن النظر إلى: «هل أنت أديب؟». قلت مدهوشا: «لا. لست أديبا». حدجنى بشك قائلا: «لكنك بحاجبيك الغليظين تشبه كاتبا سردت عليه حكاية ووعدنى بفستق ولوز لكنه لم يرنى وجهه إلى الآن». قالها وأدار منقاره متأففا. سعيت لاستمالته: «أيها البهى، لابد أنك وأنت تصل الأرض بالسماء قد سمعت حكاية من سحابة أو غزالة أو نور نجمة زرقاء؟». 

انفكت أسارير العندليب من توقيرى إياه وتمتم بلطف: «الحقُ أن لدى حكاية عن فتاة رائعة الجمال قبلت ضفدعا فردته القبلة إلى أصله أميرا وسيما». قلت بتأدب: «أعرفها أيها البهى». تراجع برقبته: «وقارورة السائل الذى تكفى قطرة منه ليصبح الصخر بحيرة عذبة؟». 

قلت: «كنت أحكيها فيما مضى». صدر عنه صفير التأمل: «ممم.. عندى واحدة كنت أحتفظ بها لأحد كتاب أمريكا اللاتينية، لكننى لا أتقن لغتهم لذلك سأسردها عليك». رفع العندليب رقبته لأعلى وجال بعينيه الصغيرتين فى الغصون الزيتونية وشرع يغرد حكاية وهو مستغرق كأن شعاع شمسٍ يحتويه ويعزله عما حوله:» كان ياما كان بلدة عاشت على نهر، آمنة، ترعى وتزرع. فى شمالها الشرقى قلعة حصينة تحمى طريق التجارة وتصد الغزاة. 

ذات ليلة تسلل البرابرة تحت جنح الظلام واستولوا على القلعة. قطعوا أعناق حراسها وشردوا الباقين منهم فى الصحراء فلاقوا حتفهم عطشا وجوعا إلا جنديا واحدا، تملص من الموت ودخل إلى الحكاية كما تتملص المياه من صخر لتصبح جزءا من شجرة. جندى لم نعرف له اسما، لكى تتآلف فى عينيه وجبينه ملامح مئات البشر، وكل البشر الذين يقاتلون فى شدة الانكسار من دون حساب للربح أو الخسارة.

رقد الجندى على الرمال غائبا عن الوعى طويلا إلى أن أفاق ساعة الغروب. تململ فى رقدته. غرز مرفقيه فى الرمل يرفع صدره من على الرمال. جال ببصره بين أشلاء الجثث التى تمددت حوله تناثرت بجوارها خوذات وصناديق ذخيرة برزت منها أحزمة رصاص وأقنعة واقية من الغاز وأعقاب بنادق محطمة. رنا إلى أعين رفاقه المفتوحة بسكون على السماء كأنها نداء أخير. تحامل على نفسه. نهض واقفا. ترنح وأحس بألم فى كتفه اليمنى. استدار بعقبيه نصف استدارة يستشرف ما حوله. سدد نظرة إلى الشمال. مدى واسع من التلال والرمال يفصله عن القلعة، لكنها قائمة أمام عينيه من ذكرياته. الخندق المحفور الذى يطوقها. البوابة المصفحة بالحديد. السور المرتفع والأبراج الأربعة فى أركانه. 

صحن القلعة المدور فى الداخل. مدخل النفق المفضى إلى البحر لصد السفن. تساءل: «كيف هوت القلعة وتهدم فى غمضة عين تاريخ وذكريات؟». دار ببصره على المعدات المحطمة وأصابع الأيادى المتصلبة. لن يبقى من رفاقه سوى أنفاس تتبدد يوما بعد يوم فى لون الغروب. قال لنفسه: «على أن أعبر البحر الصغير راجعا إلى قريتى لأواصل حياتى بسلام وأنسى كل ما جرى.. لكن أليس النسيان حقيبة ذكريات؟ ألن تنخر روحى كل لحظة مرارة الانكسار؟». أرجح رأسه بيأس. غفا تحت ضوء النجوم الذى كسا صفرة الرمال. 

استيقظ فى الفجر. لقط من على الأرض زمزمية ممتلئة بالماء. جرع منها وربطها إلى خصره. وقف. أخرج غدارته من قرابها بيده اليسرى بعد أن عجزت اليمنى. لم يكن بالغدارة سوى طلقة واحدة، وقدر أنه إذا بدأ سيره الآن فسيصل إلى القلعة عند الغروب.

سار الجندى منهكا لكن بمشية عسكرية. واحد اثنان. واحد اثنان. كان لابد له أن يمشى بهذه الخطوة ليزود الحكاية بإيقاعها الثابت. مشى الجندى ساعات. عن يساره امتد شاطيء البحر بالنخيل. هنا، كان يركب القارب مع والده. يصيدان السمك بشباك صغيرة. يملأ رئتيه بهواء البحر. حينذاك، كما الآن، حلقت الطيور ونبضت بها السماء. طيور لم يعرف أسماءها قط ولا إلى أين تتجه، لكنه أحبها، كما أحب الرمال التى تذروها الريح عند الشاطيء، وكما أحب الهواء الذى لا يدرى من أين يهب ولا أين يتبدد. ظل يمشى والضباب يقطر منه إلى أن أشرقت الشمس ولاحت أسوار القلعة وتحتها مقابر الأهل القديمة. تدفق الدم إلى وجنتيه ودق قلبه. واحد اثنان. واحد اثنان، حتى أصبح فى مرمى بصر حراس الأبراج. 

لمحوه مقبلا مثل نقطة صغيرة تتحرك للأمام. أرجحوا راياتهم لأعلى وأسفل، وما لبثت بوابة القلعة أن فتحت بصرير مرتفع وخرج إليه قائد عسكرى فى صدرية حديدية وخوذة وبين ساقيه كلب لمعت عيناه بضراوة. توقف القائد بين أربعة من فرسانه على خيولهم. حدج الجندى ببصره:»هل هناك من يتبعك؟». أجابه:» لا. جئت بمفردى». استفسر:» هل أنت حامل رسالة؟». أجابه الجندي:» لا. لا أحمل رسالة من أحد». 

استفهم القائد بارتياب: "وفيم مجيئك إلى هنا؟". أجابه: "حرصى على الحياة". قال القائد بتهكم: "إن كان هو الحرص على الحياة فلماذا لم تعد إلى بلدتك لتحيا بسلام؟". رد عليه: "كان ذلك أول ما خطر لى. الرجوع لمواصلة الحياة بسلام. ثم سألت نفسي: هل تقوم حياة على ماء هزيمة وخبز انكسار؟ أليس هذا موتا؟". قال القائد باستهزاء: "وما الذى تسعى إليه بقدومك قابضا على كتفك المصابة ومجردا من الأمل؟". نفض الجندى الهواء الساخن من حول كتفه قائلا: "من قال إنى مجرد من الأمل؟". صاح القائد: "أمل فى أن تهزم القلعة وحدك؟". أجابه: "لا. لم أعقد أملا على حصاد معركة. كان أملى كله أن أصون شعورى بأن إرادتى لم تنكسر، ولم يكن من سبيل إلى ذلك سوى بالسير نحوكم. كنت أحمى جمرة روحى من الانطفاء. هذا انتصارى". 

قال القائد باستغراب: «نجوت من الموت فى الصحارى فجئت تطلبه هنا؟». أجابه: "يوما ما سنموت جميعا، البشر، والعصافير، والدموع، والرياحين، وحتى هذا الهواء الذى حولنا، لكن لابد لنا قبل الموت أن نحمى حرارة قلوبنا مادمنا أحياء". هز القائد رأسه: «تحدثنا بما فيه الكفاية». استدار راجعا يتبعه كلبه ينبح بقوة. سادت لحظة صمت كأنما دهر انهمرت بعدها زخات الرصاص تحطم السكون. ترنح الجندى. امتدت يده اليسرى تستل غدارته من قرابها. رفعها عاليا. تأرجحت ذراعه وهو يطلق رصاصته الوحيدة نحو القلعة، وفى التو مزقته عشرات الطلقات. 

وعندما سقط على الأرض صعدت الحكاية، من الثقوب الصغيرة التى اخترمت جسد المحارب، من قطر الدم، من نظرة أخيرة، من قتاله فى شدة الانكسار، صعدت حكاية تدوم بها الريح وتنتقل من طائر إلى صخرة، من وردة إلى نجمة، ويسمعها عندليب من نجمة زرقاء فيرددها: قد يخسر الانسان كل شىء وينتصر». صمت العندليب فى كبرياء. خفق قلبى بلهفة وأسى لأنى رأيت ابنى الذى كان الإصرار من طبعه منذ الصغر. تذكرت حين أفلتت منه سمكة ونحن فى عرض البحر فوثب خلفها يضرب الأمواج بذراعيه النحيلتين حتى عاد بها. هززت للعندليب رأسى: «الآن أصبح عندى حكاية. وداعا أيها الموقر البهى». استدرت لأرحل ثم تذكرت شيئا فتمهلت وقلت له: «اليمامة تهديك سلامها». سألنى باستغراب:» هل قابلتها؟». أجبته: «نعم». هز منقاره بأسف: «أفسدت صداقتنا بالغيرة النسائية». أطلق تنهيدة وقال:» لديك الآن ما كنت تبحث عنه»، ورفرف محلقا عاليا.

سرت بمحاذاة شاطىء البحر تحت الفجر الشاحب. فى المساء استرحت. أكلت لقمة وشربت الشاى وأنا أحكى الحكاية لمن تجمعوا حولى فى مزارع الزيتون. فى الصباح واصلت طريقى أروى الحكاية للعابرين والفلاحين والنسوة القادمات من القرى بالخضروات والفواكه والرعاة والصيادين إلى أن ذاعت الحكاية بين الناس، وأمسى كل عاشق يعلم سواء أكان إنسانا أم زهرة أنه قد لا يحظى بوصال محبوبته لكن عليه أن يشعل قلبه على الطريق إليها، هذا هو انتصاره. وغدا كل شاعر يعرف أنه حتى لو لم ينظم القصيدة فإن اتقاد خياله بها هو انتصاره. أدرك المقاتل سواء أكان بشريا أونسرا أن صون الشجاعة انتصاره.

استرحت فى منزلى عشرة أيام ثم اتخذت طريقى إلى الشمال. سرت طويلا، طويلا، إلى أن تبدت أسوار القلعة. شاهدنى الحراس من أبراجهم فلوحوا براياتهم عدة مرات لأسفل وأعلى. تقدمت إلى الأمام. وقفت ثابتا. علا صرير البوابة وهى تنفتح ببطء. رفعت قبضتى عاليا فى الهواء فتفتحت كئوس الورد وكشفت قطرات الندى عن قلوبها الطرية، تكلمت رمال الصحارى والأبواب العتيقة وغمغمت حتى المحارة المبتلة على شاطىء. صار عندى يقين أنه ما إن أسلم الروح حتى تفتح الغنوة عينيها المشبعتين بالحنان ملء الكون.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق