الجمعة 8 من ربيع الأول 1440 هــ 16 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48192

رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العميد.. فى مرآة الوشاحى

د. محمد الناصر
تمثال عميد الأدب العربى بأنامل الوشاحى

المثّال الراحل عبد الهادى الشهير بـ «الوشاحى» (1936 – 2014) واحد من علامات فن النحت المصرى المعاصر، التقيت به وأنا لاأزل طالبا فى قسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بالزمالك فى نهاية السبعينات من القرن الماضى بعد عودته من بعثته الدراسية فى أكاديمية «سان فرناندو» بمدريد أسبانيا عام 1978 مدرسا فى قسم النحت الذى عين به معيدا عام تخرجه 1963.. ومنذ ذلك التاريخ تربطنى به علاقة وطيدة، فقد عرفته فنّانا حاسما ذا شخصية حار فيها من حوله؛ حاسما عنيفا فى غضبه ولينا لأقصى درجة فى حبه ومودته لمن يصادقه، له حضور وتميز فى شخصيته وهيئته وهيبته، يحترمه من لايحب شخصيته ويحبه من يتعامل معه عن قرب، له «طلّة» حينما يدخل باب المكان الذى يقصده، بسيطا واثقا من نفسه وامكانياته وقدراته، حتى عزف عن أن يقدم أبحاث الترقية بالكلية بعد حصوله على درجة الأستاذية من اسبانيا، المعادلة للدكتوراه المصرية.

له أسلوب مميز لا تخطئه العين فى مجالات النحت المتعددة – التمثال والمجسم والبارز والغائر، يعتمد على المبالغة فى الاستطالة والتحوير الواعى المحسوب بعناية، يحكم اتجاه الاستطالة الفراغ المحيط، تتمدد المساحات عرضيا نحو فضاءات الكون أو ارتفاعا نحو السماء، أو فى الاتجاهين معا، مبدعا فنا معاصرا مستلهما فن أجداده الفراعنة ليكون امتدادا لهم بعد جيل مختار وجيل السجينى، حتى أن توقيعه «وشاحى» اختاره كما اتجاهه، مرتبطا كذلك بالجسد الانسانى ليتخذه أساسا لابداعاته المتفرّدة والتى أهّلته لعمل العديد من المجسّمات التى تجمّل ميادين ومتاحف أسبانيا وايطاليا وفرنسا بالاضافة الى مصر، وتقتنى «الأهرام» مجموعة من أعماله، وقد كتب عنه النقاد فى ايطاليا وأسبانيا، وقام الموسيقار السويسرى الايطالى بعمل ثلاثة مؤلفات موسيقية على ثلاثة أعمال للفنان وأسماها «الى النحات وشاحى».. يسعى دائما الى الدخول فى عالم خاص تستشعره حينما تقف أمام أعماله – صغيرة كانت أم صرحية – حتى أنه حينما «نحت» تمثال وجه لنفسه لم يقدّمه بالشكل المعتاد؛ لكنه أخضعه لمنهج ابداعه ولرؤيته الداخلية لشخصيته فى صراحة غير معهودة، بعيدا عن التقليدية والمحاكاة للملامح التى لم تختف أيضا لتجعلك تشير اليه: هذا هو الوشاحى.. وهذه هى المعادلة الصعبة!.

الوشاحى فى لقطة مع التمثال

كان لابد من هذه المقدمة الطويلة والمختصرة فى نفس الوقت للتعريف بشخصية وعبقرية هذا الفنان الفذ، لندلف الى علاقته بالأديب الفذ الدكتور طه حسين عميد الأدب العربى، حيث وقع الاختيار على الوشاحى فى منتصف التسعينات – 1995 تحديدا – بتكليف رسمى من وزارة الثقافة – لعمل تمثال للعميد، وبدأ فى التحضير لعمله، ولك أن تتخيل العصف الذهنى الذى قام به الفنان ليمنح تمثاله شخصية العميد «الجوّانية» مع طبيعته الخارجية داخل «اطار» الوشاحى الذى تضمّنته مقدمة الموضوع.. بدأ فى بنائه بالطين الأسوانى داخل مرسمه المتواضع جدا فى المنطقة الشعبية الآهلة بالسكان «أرض اللواء» التى يفصلها عن شارع السودان قضبان السكّة الحديد.. هذا المرسم قام على إعداده تلاميذه الأوفياء الذين أصبحوا نجوم الحركة الفنية وعلى رأسهم الدكتور شمس القرنفلى عميد فنون تطبيقية بنها والذى قال: «أسسنا هذا المرسم معه عام 1983، وكل أعمال الوشاحى التى أبدعها فى مصر خرجت من هذا المكان، ونقلنا أدواته وخاماته من شقّته الكائنة فى ميدان مصطفى كامل بشارع قصر النيل، وقد انتقل قبل وفاته بثلاث سنوات وبعد مرضه الى مرسم فى المقطم أعدّه له نجله سيف، وشهادة حق هو لم يكن يعلّمنا النحت وفقط؛ لكن الفضل يرجع له فى تعريفنا بالفن والانسانيات والمناخ الصحيح لتعلم الفن عن طريق الثقافة والمعرفة وتربينا معه على سماع الموسيقى عبرالورشة والمرسم».

اصطحبنى الوشاحى للمرسم بعد أن أنهى العمل قبل صبّه، لأفاجأ بعد فتح «قفل» الباب - الذى اكتملت بالكاد زاوية فتحه «ربع» الدائرة – بالعميد بعد المدخل مباشرة، شامخا بارتفاع يقترب من الأربعة أمتار تكاد رأسه تلمس السقف، وكنت أطوف حوله بصعوبة ثم وقفت أمامه بجوار مبدعه فى مهابة وإجلال، لأستحضر عظمة وقوة هذه الشخصية التى جسّدها الفنان بفلسفة عميقة وسيطر عليها بأسلوبه ومنهجه؛ وضع جلوس فى حالة «انتفاض» رغم أنه ارتبط بحالة الشخصية التى فقد بصرها، يده اليسرى تقبض أناملها مفصل الركبة واليسرى تستند فى الخلف على حافة نهاية المقعد المستوحى من العصر الفرعونى يصعد ظهر المقعد فى استطالة كالقوس لينتهى فى قمته بالدائرة التى تحتمى بجدار مشابه لصيق بها.. تحوط وجهه من الوجهة الأمامية والتى تبدو كهالة القديسين.. أما الرأس المرتفع قليلا لأعلى؛ فقد فرّغ الفنان محتواه لينزل عليه ضوءا من السماء – كنوع من الالهام - ينفذ من دائرته العلوية المفتوحة لينعكس ملتقيا عين المشاهد عبر فراغ العينين المظلمتين وقد فرغهما الفنان أيضا.. هنا تكمن براعة الوشاحى فى لغة الابداع بين الشكل الجمالى وعلاقات الكتل والفراغات وبين المضامين الفلسفية التى وصل بها الى قمة البلاغة فى هذا العمل الذى ظل رهين محبسه فى ذلك المرسم 19 عاما حتى خرج الى النور فى معرض استعادى شامل لم يحضره الفنان بعد أن غيّبه الموت قبل عام من افتتاحه فى قاعة «أفق» عام 2014.

أشهر تماثيل طه حسين بأنامل النحات عبد الهادى الوشاحى

منظر جانبى للتمثال

تمثال عميد الأدب العربى

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق